(31)
من ثمرات طيب المخالقة*
لقد رأيت شخصين لكلّ منهما قصّة، إذ ابتلي كلّ
منهما بمشكلة مالية، فكان الأول مختلفاً مع شخص على
نسبة حصّته من أرض يتنازعان فيها، فكان يدّعى أن نسبته
80% في حين كان لا يقرّ له خصمه بأكثر من 40%، وكان
لكلّ منهما أدلّته وشواهده، فكان الأول يتظاهر بحسن
المخالقة ويقول: رغم ثقتي بكسبي للدعوى ـ فيما لو
ترافعنا للمحكمة ـ إلا أني لا أقوم بذلك لأن الترافع
ليس من شأني، كما أني لا أريد تعريض غريمي للهزيمة
القضائية. ولكن هذا الشخص نفسه أصيب على أثر هذا
الخلاف بانهيار أعصابه وهو ما أدّى إلى إصابته بالسكتة
القلبية ومات على أثرها، وما ذلك إلاّ لأنه كان يتصنّع
ويتظاهر بحسن السلوك وعدم الاكتراث، ولم تكن مخالقته
نابعة من الداخل حتى أجهد نفسه وأتلف أعصابه.
أما الشخص الثاني الذي له قصّة مشابهة، فكان مثالاً
حقيقياً لمن لا يكترث بالنواحي المادية، وكان طيّب
المخالقة مع الناس، وذلك لأنه عندما أُخبر بأن بيته قد
صودر، لم يكترث؛ وقال: إن الأمر ليس من شأنه أن يقلقني
بالمستوى الذي يمكن أن يسوء فيه خلقي مع الناس، بل لا
يمكنه أن يؤخّرني حتى عن موعد نومي الليلة.
لعلّ من عمدة الأسباب في تفاوت سلوك الشخصين
المذكورين، هو أن أحدهما لم يكلّف نفسه عناء ترويض
ذاته وتأديبها وتعويدها على الصلاح الحقيقي، بينما
الثاني ـ كما بدا من سلوكه ـ كان أكبر همّه صقل شخصيته
من خلال تهذيب نفسه بالقدر الذي يجعلها طيّعة لأمر
بارئها سبحانه وتعالى.
إذن يتبيّن من ذلك أنّ طيب المخالقة ينتفع بها صاحبها
قبل أيّ شخص آخر، سواء على صعيد الدنيا أو الآخرة.
|