بين يدي المرجع

الليلة الحادية عشرة

في ليالي شهر رمضان المبارك يتوافد العلماء والفضلاء وطلاب الحوزة العلمية ومختلف الشخصيات وعامة المؤمنين على بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في مدينة قم المقدسة.
وخلال لقائهم بسماحة السيد يدور الحديث حول المباحث العلمية والمسائل الفقهية والتاريخية والثقافية، إضافة إلى ما يتفضل به سماحته من وصايا و توجيهات.

في الليلة الحادية عشرة من شهر رمضان المبارك، وبعد أن رحّب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله بالعلماء والفضلاء الضيوف واستقرّ بهم المجلس بدأ الحوار العلمي والفقهي ودار البحث في مباحث مختلفة، ومنها:
تتمة بحث كثير الشك
وهنا انبرى أحد الفضلاء الحضور وتوجّه إلى سماحة السيد المرجع وقال متسائلاً:
هل لنا بالنسبة إلى بحث كثير الشكّ الذي دار الكلام حوله البارحة، والخبر الوارد عن الإمام الباقر صلوات الله عليه فيه، أن نحمله على من كثر شكّه في مواضع متعدّدة من الصلاة الواحدة، كأن يشكّ مرّة في الركوع وأخرى في السجود وثالثة في التشهّد؟
فالتفت إليه سماحته وأجابه على سؤاله قائلاً: إن هذه المسألة هي محلّ خلاف بين الفقهاء، فمن لا يرى خصوصية لكون كثرة الشكّ في موضع واحد، ولا يرى أيضاً خصوصية للرواية في الصلاة ولو من أجل التعليل الموجود في الرواية، فإنه يذهب إلى ما ذكرتموه، وإلاّ اقتصر على مورد الرواية خاصة.
فقال أحد الحاضرين الأفاضل وكأنه يؤيّد من ذهب إلى عدم الخصوصية متسائلاً: ألا يستفاد الاطلاق من الرواية؟
أجاب عليه سماحته قائلاً: إن الأمر متعلّق بالإستظهار، فما ذكر من إلغاء الخصوصية والتعليل أمران استظهاريان، وقد لا يستظهر البعض ذلك، بل يرى الخصوصية ويذهب إلى أنّ قوله صلوات الله عليه: «إنما هو من الشيطان» حكمة وليس بعلّة، و: إذا بلغت المسألة حد الاستظهار، فإنه ـ كما قال البعض ـ ينقطع الاستدلال.
تقديم النافلة عن وقتها
وهنا طرح بعض الأفاضل الحضور فرعاً فقهياً جديداً وقال متسائلاً:
هل يوجد دليل على جواز تقديم صلاة الليل عن وقتها لعذر ما؟
أجاب سماحته قائلاً: نعم، هنالك روايات عديدة في ذلك، كما ان هناك روايات عديدة أيضاً في مقابلها تقول بترجيح قضائها على تقديمها، وأفتى على وفقها الفقهاء وقالوا بترجيح القضاء فيما لو دار الأمر بين التقديم على وقتها، والتأخير عن الوقت.
ثم واصل سماحته كلامه وقال: ومن روايات المسألة الرواية التالية: عن عمر بن يزيد قال: «قلت لأبي عبد الله صلوات الله عليه: أقوم وقد طلع الفجر، فإن أنا بدأت بالفجر صلّيتها في أول وقتها، وإن بدأت بصلاة الليل والوتر صلّيت الفجر في وقت هؤلاء؟ فقال: ابدأ بصلاة الليل والوتر ولا تجعل ذلك عادة»(1)، وقد استظهر البعض منها العموم. وقد يقال إنّ معتبرة ابن عذافر عن أبي عبد الله صلوات الله عليه، قال: «صلاة التطوع بمنزلة الهدية متى ما أتى بها قبلت، فقدّم ما شئت وأخّر منها ما شئت»(2)، تدل على أنّ الأمر في النوافل كافة على نحو تعدّد المطلوب، فمنها الأهم وهو المعيّن في وقته وغير الأهم وهو ما يؤتى في غير وقته.
وظيفة الصائم المريض
ثم إن بعض الفضلاء الحضور طرح فرعاً جديداً وقال متسائلاً:
لو خيّر الطبيب الصائم على أثر وكعة اصابته لم تضرّ بصومه: بين تناول الأقراص وبين تزريق الإبرة، هل له أن يختار تناول الأقراص؟
قال سماحته في جوابه: حري به أن يحتاط بانتخاب تزريق الإبرة حتى لا يضطرّ للإفطار.
قضاء الحامل الصوم
وحيث تطرّق بعض لمسألة الصوم، طرح بعض آخر فرعاً في مجال الصوم أيضاً وقال: هل يسقط قضاء الصيام عن الحامل؟
أجاب سماحته قائلاً: كلا، بل يلزمها القضاء.
فقال أحدهم: نُسب إليكم القول بعدم القضاء؟
قال سماحته في جوابه: نعم ذلك في الحامل والمرضع التي يمتد عندها عذر الحمل والرضاع من شهر رمضان السنة الأولى إلى شهر رمضان السنة القابلة ولا تستطيع الصيام، فإنه يسقط عنها القضاء ويجب عليها مضافاً إلى فدية الرخصة في الإفطار فدية ثانية لسقوط القضاء، وهذا ما لا يقول به معظم متأخّري المتأخّرين، فإنهم قيّدوا سقوط القضاء بخصوص المريض، إلا أنّ الظاهر عدم الخصوصية فيه، بل يشمل مطلق استمرار العذر وإن كان مثل الحمل والإرضاع بالنسبة إلى المرأة الحامل والمرضع.
ثم واصل سماحته كلامه وأضاف: لقد ذهب عدّة من الفقهاء إلى إطلاق قوله تعالى: «فعدّة من أيام أُخر»(3) ولذلك قالوا: بأنه يلزم المكلّف القضاء إلى نهاية العمر، نعم انهم قيّدوا الإطلاق بالمريض فقط.
فقال بعض الأفاضل الحضور وكأنه يُبدي اعتراضه على هذا الإطلاق متسائلاً: الآية منصرفة إلى السنة الأولى؟
فقال سماحته في جوابه: لقد أشرت آنفاً بأنه قد ذهب متأخّروا المتأخّرين إلى إطلاقها بحيث تشمل طيلة العمر وقالوا بأن الإنصراف على فرض وجوده بدوي، وانه على عهدة مدّعيه.
إسقاط الجنين
وهنا طرح سماحة المرجع الشيرازي فرعاً فقهياً جديداً وقال مع توجّع وتأوّه شديدين:
لقد عرضت عليّ قبل أيام المسألة التالية: فتاة اختطفت واغتصبت دون علم أهلها، ثم أحسّت بالحمل، فلو هي أخبرت أهلها بالأمر قتلوها هي والجنين، وإن سكتت وأسقطت جنينها سلمت هي من الموت ولكنها ارتكبت حرمة الإسقاط وقتل الجنين، فما هو حكمها وماذا تفعل؟ هل لها أن تسكت وتسقط الجنين؟
قال أحد الفضلاء الحضور في جواب هذا الفرع: إذا بلغ الأمر إلى الدماء فلا تقية ولا يجوز الإسقاط.
وقال آخر: يجوز في هذا الفرض إسقاطه ما لم يحصل اليقين بولوج الروح فيه.
فقال سماحته: الكلام في فرض أنّ الروح قد ولجته.
فقيل له: هذا من قبيل قتل شخصين أو شخص واحد، فيقدّم الأخير.
أجاب سماحته قائلاً: ذاك فيما لو كان القاتل في الفرضين متحداً، بينما القاتل فيما نحن فيه متعدّد، فإن القاتل هنا إمّا الفتاة أو أهلها، وليس متّحداً.
فقيل له: هذا نظير ما لو دار الأمر بين قتل الأم أو الجنين، فيقدّم الجنين.
فقال سماحته: صرّح الفقهاء بعدم الفرق بين الأم والجنين وخاصة إذا كان الجنين ذكراً، كما وصرّح صاحب العروة رحمه الله في الفرض المذكور أنه يُنتظرحتى يُقضى، وهو مختار الأكثر.
فقال البعض وهو يبدي عدم ارتضائه بذلك: ألا تجري إطلاقات وجوب الدفاع عن النفس تجري في المقام فيجوز لها الإسقاط حينئذ دفاعاً عن نفسها؟
أجاب سماحته قائلاً: وجوب الدفاع عن النفس مقابل من هاجمها وحمل عليها بالسلاح وهو يقصد قتلها، وليس في المقام كذلك.
ثم واصل سماحته كلامه وقال: حال: ان المسألة من مسائل التزاحم والواجب فيه إحراز الأهم ليقدّم.
سفر المسافر والمكاري والحملدار
ثم طرح أحد الحضور الأفاضل فرعاً جديداً وقال متسائلاً: المسافر والمكاري والحملدار إذا انقطع عن السفر عشرة أيام ثم سافر وقصد أن يقطع أربعة فراسخ (22كم) هل يلزمه قصر الصلاة وإفطار الصوم؟
قال سماحته في جوابه: نعم، فبما أنه قصد السفر إلى مسافة لا تقلّ عن أربعة فراسخ ذهاباً وأربعة فراسخ إياباً بحيث يكون المجموع ثمانية فراسخ (44كم) وكان ذلك بعد انقطاع عشرة أيام عن السفر، فإنه يجب عليه حينئذ أن يقصّر ويُفطر.
فقال البعض: لو فرضنا أنه لا يريد الرجوع، بل يريد أن يستمر في سفره، ويذهب بعدها إلى مكان آخر.
فأجاب سماحته على هذا الفرض قائلاً: إذا صدق تعدّد السفر أثناء سفر واحد ـ عرفاً ـ فإنه يقصّر ويفطر في السفرة الأولى فقط، وبعد قطع ثمانية فراسخ (44كم) متى ما صدق عليه أنه بدأ سفرة ثانية أثناء استمراره في سفره، فإنه يجب عليه بعدها الإتمام والصيام.
فقال البعض: كيف لو لم يصدق عليه التعدّد أثناء سفر واحد، فإنه في فرض السؤال يجب عليه القصر والإفطار حتى لو استغرقت السفرة الأولى مدة طويلة كثلاثة أشهر مثلاً؟
فقال سماحته في جوابه: إذا لم يصدق التعدّد، فنعم، وأما ذذا صدق التعدّد ـ وهو الغالب لتعدّد ما يمرّ به من البلاد وينزل فيها ويرحل عنها ـ فيجب الإتمام والصيام عند صدق السفر الثاني.
بُرأ الجروح
وهنا طرح أحد الفضلاء الحضور فرعاً جديداً وقال متسائلاً: بالنسبة للجروح يقال انها معفوّة في الصلاة حتى يحصل البُرء منها، فهل المراد بالبرأ هو: التئام الجلد؟
أجاب سماحته قائلاً: اختلف الفقهاء في ذلك فمثل صاحب العروة يشير إلى المسألة مقيّدة بالسيلان ومشقة الإزالة، وعلى ذلك يكون البرأ هو انقطاع السيلان وارتفاع الإسالة.
النظر إلى الوجه والكفين مع الزينة
ثم طرح أحد الحضور الأفاضل فرعاً فقهياً آخر وقال متسائلاً:
إذا قلنا بجواز كشف المرأة وجهها وكفّيها مع عدم الزينة وعدم كونها بحيث تسبب الفتنة والفساد وقلنا أيضاً بجواز النظر إلى الوجه والكفين، فلماذا يقال بعدم جواز النظر إلى الوجه والكفين إذا كان فيهما زينة، وما هو الدليل على حرمته؟
أجاب سماحته قائلاً: يُقال بعدم الجواز للدليل، والدليل على الحرمة هنا الملازمة العرفية.
فقيل له: حتى لو كان من غير ريبة؟
فقال سماحته مجيباً: نعم، فإن الدليل الشرعي مثل قوله تعالى: «ولا يبدين زينتهنّ»(4) أوجب عليها سترهما مع الزينة، والملازمة العرفية لحرمة الإبداء عليها تقول بحرمة النظر إليها مطلقاً حتى وإن كان بلا ريبة.


1) الاستبصار: ج1/ باب 153 آخر وقت صلاة الليل/ ص281/ ح4.
2) التهذيب: ج2/ باب 13 المواقيت/ ص267/ ح103.
3) سورة البقرة: الآية 184.
4) سورة النور: الآية 31.