بين يدي المرجع

الليلة التاسعة

في ليالي شهر رمضان المبارك يتوافد العلماء والفضلاء وطلاب الحوزة العلمية ومختلف الشخصيات وعامة المؤمنين على بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في مدينة قم المقدسة.
وخلال لقائهم بسماحة السيد يدور الحديث حول المباحث العلمية والمسائل الفقهية والتاريخية والثقافية، إضافة إلى ما يتفضل به سماحته من وصايا و توجيهات.

في جلسة هذه الليلة دار البحث حول بعض المباحث الفقهية المختلفة، كان منها:
حق الإتلاف
طرح أحد الفضلاء الحضور فرعاً فقهياً وقال متسائلاً:
لو أن شخصاً كانت حرفته الصباغة وطلي الجدران بالألوان، وبعد أن طلى جدران أحد البيوت بالصبغ، أبى صاحب البيت أن يدفع إليه حقّه، هل له أن يتلف الجدار؟
فقال سماحته: مع تحقّق شرائط التقاص له أن يتقاص منه، أمّا الإتلاف فلا دليل على جوازه، بل إذا أدّى إتلاف اللون إلى إتلاف الجدار، أو تصدّعه، أو ورود النقص عليه، فإن الدليل قائم على عدم جواز ذلك.
ثم أضاف سماحته قائلاً: نعم، إن كلاً من الطرفين قد تعلّق حقّه في ذمة الآخر، فإن تساوى حقيهما يتقاصان، وأمّا لو كان حقّ أحدهما أكثر من الآخر فالأخير ضامن.
التصرّف في المغصوب
وهنا طرح بعض الحاضرين الأفاضل فرعاً جديداً وسأل:
هل يجوز الاتصال بشخص نعلم أنّ هاتفه مغصوب؟
أجاب سماحته: لو عدّ مثل هذا الاتصال تصرّفاً في المغصوب عرفاً، فإنه لا يجوز الاتصال به، وهو نظير المنزل المغصوب فإنّ طرق باب هذا المنزل يعدّ تصرفاً عرفاً، أمّا لو نادى الإنسان، الشخص الغاصب من خلف الجدار فإنه لا يعدّ تصرّفاً عرفاً، لذا ينبغي إحراز كون الاتصال بالآخرين عرفاً تصرّفاً أم لا.
فقال البعض وهو يحاول إخراج مثل هذا الاتصال عن كونه تصرّفاً: إن المتصل هو الباعث على التصرّف وليس هو المتصرّف.
فأجاب سماحته قائلاً: نعم الباعثية غير التصرّف، والمتصرّف غير الباعث، إلاّ أن الفقهاء في باب الضمان لايفرقون بين الباعث والمتصرّف، أجل المقام قد يختلف.
فقال بعض آخر وهو يريد إدخال مثل هذا الاتصال في كلّي التصرّف متسائلاً: أليس نفس الاتصال الهاتفي بالغاصب حيث يرن الهاتف المغصوب، هو نوع من التصرّف فيه ومصداق من مصاديقه؟
فقال سماحته: المقام من الشبهات الموضوعية وهو موضوع عرفي خارجي مرجعه العرف.
تبديل حقيقة الإنسان
ثم طرح بعض فرعاً جديداً وقال متسائلاً:
ما الإشكال في تبديل الرجل نفسه إلى امرأة، أو العكس؟
فقال سماحته: الإشكال هو ان ارتكاز المتشرّعة وهو طريق لكشف الحكم الشرعي على إنكاره، نعم في بعض الأخبار المذكورة عن معجزات الرسول الكريم وأهل بيته المعصومين جاء بأن الإمام الحسن المجتبى صلوات الله عليه حوّل في قضية مفصّلة شخصاً إلى امرأة عن طريق الإعجاز.
فسأل بعضهم قائلاً: ما هو الحكم لو اضطر أحد إلى ذلك؟
أجاب سماحته: آنذاك يدخل الفرض في باب التزاحم، فيترك المهم ويأخذ بالأهم.
رؤية الهلال
وهنا طرح بعض الفضلاء الحضور فرعاً جديداً آخر وقال: أخبر علماء الفلك والمنجّمون عن إمكان رؤية الهلال، ثم استهل الناس فلم يروه، مع علمنا بأن هؤلاء الخبراء والمنجّمين صادقون في قولهم، فما الحكم هنا؟
أجاب سماحته قائلاً: رؤية الهلال أمر عرفي، فإن تمّ رؤيته رؤية عرفية، ثبت، وإلاّ فلا، وهو نظير حدّ الترخص وطلوع الفجر، وتحقّق الزوال ونحو ذلك حيث يشير الفقهاء إلى أن تحديدها يكون بالعين المجرّدة ولم يعتدوا حتى بالعين المجرّدة الحادة غير المتعارفة.
مسائل في العزاء الحسيني
ثمإن بعض الفضلاء الحضور طرح فرعاً جديداً وقال متسائلاً: إن بعض المدّاحين والرواديد الحسينيين قد يستخدمون في أشعارهم وقصائدهم بعض الكلمات، ويستفادون من بعض التعبيرات غير المناسبة لأئمة أهل البيت سلام الله عليهم والتي لا تليق بشأنهم، فكيف ترون ذلك؟
أجاب سماحته قائلاً: إن وسام مدح أهل البيت صلوات الله عليهم وكذلك وسام الرثاء لهم وسام كبير وعظيم، فيجب معرفة قدره وأداء شكره، وهو يكون بالعمل على ما يُرضي أهل البيت صلوات الله عليهم واجتناب ما يُسخطهم، وترك ما لا يرضون به من كلمات وتعبيرات، وفي التاريخ والحديث الشريف انهم سلام الله عليهم قد تبرّؤا ممن نسب إليهم كلمات لا تليق بشأنهم، وسخطوا على من عبّر عنهم بتعبيرات غير مناسبة لهم.
ثم أضاف سماحته وهو يواصل كلامه ناقلاً القصّة التالية قائلاً: لقد زارني قبل سنتين تقريباً أحد المدّاحين والرواديد الحسينيين ممّن يستفيدون في مدحهم ورثائهم من هكذا كلمات، ويستخدمون مثل هذه العبارات، ولما أراد الانصراف قلت له: هل تعلم أن أهل البيت صلوات الله عليهم لايأنسون بمثل هذه العبارات، ولا يرتضون هكذا كلمات؟ ثم نصحته بنصائح، وكان ممّا نصحته به هو أن قلت له: حاول من الآن فيما بعد أن لا تستفيد من هكذا كلمات، وتترك التعبير بمثل هذه التعبيرات، فوعدني بالإجابة، وشكرني على ذلك وودّعني وانصرف.
ثم أردف سماحته قائلاً: وبعد فترة سألت بعضاً عنه، فقالوا: أنه قد وفى بما وعد، وترك استخدام مثل هذه العبارات، ولم يستفد بعدها من مثل تلك الكلمات.
أحكام المكاري
وطرح بعض الحضور الأفاضل فرعاً جديداً وقال: لقد أفتى الفقهاء على أن المكاري يقصر في سفره الأول ويتم في بقية أسفاره، فهل يشمل ذلك الذي يستغرق سفره شهراً واحداً أو شهرين في السنة حتى وإن كان في سفرة طويلة واحدة، مثل أن يبدأ سفره من كربلاء المقدسة إلى النجف الأشرف، ثم إلى العتبات المقدسة الأخرى وما يمرّ في طريقه من سائر البلدان، وينتهي أخيراً إلى كربلاء المقدسة من غير أن يمكث في أحدها عشرة أيام؟
أجاب سماحته قائلاً: نعم، يكفي هذا الحكم لمن يستغرف سفره شهراً واحداً فقط، ثم إن المراد بالسفر الأول هو: قطع المسافة الشرعية في السفرة الطويلة والوصول إلى النجف الأشرف ـ مثلاً ـ فإنه يقصّر فيه لأنه سفره الأول، وعند الخروج من النجف الأشرف باتجاه البلد الآخر يكون السفر الثاني ويجب فيه التمام ويستمر عليه إلى أن يرجع إلى كربلاء المقدّسة.
ثم أضاف سماحته قائلاً: وكذا يكون حكم من أراد التنقّل بين بلده وبلد آخر ولمدّة لا تقلّ عن شهر واحد وهو يعلم بعدم الفصل بين سفرة وأخرى بعشرة أيام.
الإعراض عن الوطن
وهنا طرح بعض الحضور الأفاضل فرعاً جديداً وقال متسائلاً: هل الرجوع عن الإعراض أمر عرفي وصحيح؟
أجاب سماحته: نعم، فإنه ليس هناك دليل خاص يفسّر معنى الاعراض، أو معنى الرجوع عن الإعراض، فهو أمر عرفي والرجوع عنه صحيح أيضاً.
فقال بعض الحضور: لو فرضنا أنه لم يرجع عن إعراضه ولم يقصد السكنى، بل رجع للوطن السابق للزيارة مثلاً، فما هو حكمه؟
قال سماحته في جواب هذا الفرض: حكمه على هذا الفرض حكم المسافر، فما لم يقصد الإقامة عشرة أيام يصلّي فيه قصراً.
فقال بعض متسائلاً: هل حكمه حكم المسافر مطلقاً وحتى لو كان الوطن المعرض عنه سابقاً مسقط رأسه؟
أجاب سماحته: نعم، حتى لو كان مسقط رأسه، فإن كون البلد الذي أعرض عنه مسقط رأسه لا يجدي مع الإعراض، لأن الإعراض وهو أن يعرض الإنسان عن السكن في بلده السابق ثانية، يسلبه كونه وطناً له ويعطيه حكم المسافر فيه.
ثم واصل سماحته كلامه وقال: ومن كلام للمحقّق الهمداني رحمه الله هنا: بأنّ الاستيطان المتعارف اليوم غير مذكور في الأدلة، بل الملاك صدق السفر وعدمه، فمن صدق عليه كونه مسافراً يقصّر، ومن لم يصدق عليه كونه مسافراً يتمّ، ولا حاجة لإحراز صدق الوطن له، وهذا هو كلام جيّد، وقد تلقّاه كثير ممّن تأخر عنه من الفقهاء بالقبول، حيث يظهر ذلك من مجموع الأدلة.
سأل بعضهم وهو ينصّ على كلمة الاستيطان قائلاً: أليس الاستيطان مذكور في الروايات؟
فأجاب سماحته: نعم، ولكن مراد المحقّق الهمداني رحمه الله هو: عدم خصوصية الوطن، بل الملاك عدم كونه مسافراً.
وهنا تساءل أحد الفضلاء الحضور وقال: لقد تمّ تهجير بعضاً من وطنهم سنين متمادية، ولديهم العزم على أن يسكنوا وطنهم السابق ثانية ومن جديد، فهل يصدق على الوطن الذي تمّ تهجيرهم نه أنه مازال وطن لهم؟
فقال سماحته: نعم، مازال هو وطناً لهم، ويجب عليهم الاتمام في الصلاة حتى لو مكثوا فيه يوماً واحداً بل ساعة واحدة، وأمّا الذين أعرضوا عن أن يسكنوا في وطنهم السابق ثانية ومن جديد فيقصرون.
فقال بعض متسائلاً: لو لم يعرض المكلّف عن وطنه السابق وكان عازماً على أن يسكنه ثانية، وفي الوقت نفسه سافر إلى وطنه لكن بقصد الزيارة لساعات لا بقصد البقاء، فهل يصدق عليه أنه مسافر ويقصّر في صلاته، أم يجب عليه الإتمام في هذه الصورة؟
أجاب سماحته قائلاً: لو لم يعرض عن وطنه السابق وكان عازماً على أن يسكنه ثانية، فإنه يصدق عليه أنه وطنه ومتى ما سافر إليه يتمّ الصلاة فيه.
وهنا تمسّك بعض الأفاضل الحضور بكلام المحقّق الهمداني لحشر من يزور بلده الذي لم يعرض عنه لساعات في عداد المسافرين، وقال: لقد ذكرتم تقسيم المحقّق الهمداني رحمه الله المكلّف إلى مسافر وغير وغير مسافر، والفرض المذكور يصدق عليه أنه مسافر فيجب عليه القصر دون التمام؟
فقال سماحته مجيباً: إنما يصدق المسافر على من لا عزم له في السكنى فيه ثانية ومن جديد، وهذا عازم على ذلك، فلا يعدّ مسافراً فيجب عليه التمام.
قال بعض الحضور الأفاضل: وما الديل على ذلك؟
فأجاب سماحته: استصحاب الموضوع، وهو أمر عرفي.
فاعترض بعضهم قائلاً: الفرض المذكور يعدّه العرف مسافراً ولا يعدّه مواطناً؟
فقال سماحته: كلا، ليس كذلك، فلو أن شخصاً سجن عشرين عاماً في غير وطنه ثم عاد إلى وطنه، فهل يعدّه العرف مسافراً، أو يراه مواطناً حتى وإن كانت عودته مؤقتة ولساعات؟
الوطن الشرعي
وهنا طرح بعض الأفاضل الحضور فرعاً جديداً يتعلّق بالوطن وقال متسائلاً: متى يصدق على البلد الذي يريد الإنسان السكنى فيه أنه وطن له، هل يلزم عليه المكوث فيه ستة أشهر، أم لا؟
أجاب سماحته قائلاً: كلا، فإن الملاك هو الصدق العرفي، فمتى ما صدق عليه عرفاً أنه مواطن عدّ ذلك البلد وطناً له.
فقال بعضهم: وماذا عن الزوجة التي تتبع زوجها في السكنى، هل يصدق عليها الإعراض وعدمه؟
أجاب سماحته على سؤاله وقال: نعم، ذلك متعلق بإعراضها وعدمه، إذ لكل من الزوجة والزوج وكذلك الأولاد حكم مستقلّ به.
وسأل بعض الحضور مسألة حول السفر والمسافر قائلاً: لو سافر المكلّف إلى بلد وقصد الإقامة فيه عشرة أيام، لكن عرض له بعد أن صلّى صلاة رباعية عارض انصرف عن إقامته، غير أنه بقي على صلاته تماماً وصيامه إلى أن غادر البلد بعد خمسة أيام راجعاً إلى وطنه ثم اكتشف أن صلاته الرباعية الأولى كانت باطلة، فما حكم صلاته وصيامه في مدّة بقائه في ذلك البلد؟
أجاب سماحته قائلاً: كان تكليفه في مفروض السؤال حيث انكشف له بطلان صلاته الرباعية أن يصلّي قصراً وأن لا يصوم مدّة بقائه هناك، ولكن الإتمام والصيام يكفيان ولا قضاء فيهما لو كان ذلك عن جهل، سواء كان الجهل بالحكم أم كان بالموضوع كما نحن فيه.
وقال بعض الأفاضل الحضور متسائلاً: لو أن شخصاً أعرض عن وطنه ثم عزم على الرجوع إليه والسكنى فيه ثانية ومن جديد، فما حكم صلاته وصيامه إذا سافر إليه ليوم أو يومين؟
فقال سماحته مجيباً على سؤاله: يصلّي تماماً ويصوم في الفرض المذكور، فإنه رغم كون المسألة خلافية، إلاّ اني أرى انه حين يرجع عن إعراضه يرجع إليه حكم من لم يُعرض عن وطنه.
كثير السفر
وسأل بعض الفضلاء عن فرع جديد ولكن يرتبط بالسفر أيضاً قائلاً:
ما الفرق بين كثير السفر وذي الوطنين؟
فأجاب سماحته: إن الفرق واضح، وهو أنّ كثير السفر يتمّ صلاته وينوي صومه حتى في الطريق بخلاف ذي الوطنين فإنه في الطريق بينهما يصلّي قصراً ولا ينوي الصوم.
وأردف بعض الحضور السؤال السابق بسؤال آخر يرتبط به أيضاً وقال: لو أن كثير السفر سافر للزيارة وليس للعمل، فما حكم صلاته وصومه؟
أجاب سماحته قائلاً: يشترط الفقهاء في التمام والصيام أن يسافر لعمله وما أشبه، وأما إذا سافر للزيارة أو السياحة فإنه يفطر ويقصّر.
فقال أحد الحاضرين متسائلاً: وماذا لو كانت نيّة السفر مشتركة بين العمل والسياحة أو الزيارة مثلاً، فهل يصلّي تماماً ويصوم، أم يفطر ويقصّر؟
فأجاب سماحته على هذا السؤال بقوله: إذا كان الباعث لسفره هو العمل وكانت الزيارة أو السياحة ضمنية، وجب عليه التمام والصيام، وأما ذذا كان العكس بأن كان الباعث لسفره هي الزيارة أو السياحة وكان العمل ضمنياً، فإنه يقصّر ويفطر.