بين يدي المرجع

الليلة السابعة

في ليالي شهر رمضان المبارك يتوافد العلماء والفضلاء وطلاب الحوزة العلمية ومختلف الشخصيات وعامة المؤمنين على بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في مدينة قم المقدسة.
وخلال لقائهم بسماحة السيد يدور الحديث حول المباحث العلمية والمسائل الفقهية والتاريخية والثقافية، إضافة إلى ما يتفضل به سماحته من وصايا و توجيهات.

في جلسة هذه الليلة (الليلة السابعة من شهر رمضان المبارك 1431 للهجرة) دار البحث حول بعض المباحث الفقهية المختلفة.
تتمة بحث الكافر الحربي
تسائل بعض فقال: ذكرتم في الليلة الماضية بالنسبة إلى الكافر المحارب انه يجب أن يكون محارباً بالفعل وليس بالقوّة.
فبادره سماحته بالقول: المسألة مفصّلة وبحاجة إلى بحث موسّع، ولكن باختصار فإنّ الذي يظهر من الأدلة أنّ كل شيء بحاجة إلى إحراز، فكما أنّ كون الكافر من أهل الذمة يحتاج إلى احراز، فكذلك في الكافر الحربي فإنه يحتاج إلى إحراز، والأصل فيه ألا يكون محارباً إلاّ إذا أحرز كونه كذلك.
فقال بعضهم: هل هذا لأجل أصالة الحرمة في الدماء والأموال؟
فأجاب سماحته قائلاً: نعم، ولكنه حتى لو لم يكن عندنا ذلك الأصل فإنه يجب التثبّت والإحراز في الموضوعات، فكما انه يجب إحراز كون الكتابي ذمياً، فكذلك في الكافر فكونه محارباً يحتاج إلى إحراز.
فقال بعض: بعض الآيات والروايات في المقام يظهر منها خلاف ما أفدتم؟
فقال سماحته: نعم هناك آيات كريمة وروايات شريفة ادّعى بعض التعارض فيها، وقد ذكر كل من المقدّس الأردبيلي والسيد الأخ رحمهما الله هذا البحث بتفصيل وإسهاب.
فقيل له: هل منها قوله تعالى: «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآْخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ»(1)؟
فأجاب سماحته: نعم، وهناك آيات كريمات اُخر وهي عديدة.
فقال بعض: الآية المذكورة مختصة بأهل الكتاب بدليل قوله تعالى: «من الذين أتوا الكتاب».
فقال سماحته: نعم، ولكن هناك آيات كريمات أُخر في المشركين منها قوله سبحانه: «وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ»(2).
اطلاق أدلة الحج
وهنا تعرّض بعضهم لفرع مرتبط بمسائل الحجّ الذي صار بعض الحديث عنه بالأمس وقال: ذكرتم البارحة أنّ أدلة صلاة الطواف خلف المقام لها إطلاق يشمل الصلاة بعيداً عن المقام في مورد الزحام أيضاً، وقد راجعت الروايات ولم أجد سوى رواية الحسين بن عثمان، قال: «رأيت أبا الحسن موسى يصلي ركعتي طواف الفريضة بحيال المقام قريبا من ظلال المسجد»، فهل يمكن استفادة الإطلاق من الفعل؟
فقال سماحته: أظن أن هناك رواية أخرى في المقام أيضاً.
فعلّق بعضهم قائلاً: ولكن في هذه الرواية فعل الإمام صلوات الله عليه يدلّ على الجواز.
فقال سماحته: هل راجعتم الرواية في مثل جواهر الكلام أو المستند؟ ففي الجواهر تعرّض لرواية الحسين بن عثمان هذه وقال عنها: الصحيح في الكافي والضعيف في التهذيب، ثم ذكر الرواية بنصّها: «رأيت أبا الحسن موسى سلام الله عليه يصلّي ركعتي طواف الفريضة بحيال المقام قريباً من ظلال المسجد»(3)، وفي التهذيب: «قريباً من الظلال لكثرة الناس»(4)، مع أنه ذكر قبلها بأن الموجود في النصوص الصلاة عند المقام وخلفه وجعله أماماً، بل مقتضى التحكيم الثاني على إطلاق الأول يعيّن كونها خلفه، ثم قال: وبالجملة لا وجه لاشتراط الصلاة خلفه بذلك ضرورة جوازه اختياراً، بل مقتضى الجمع بين النصوص تعيّنه.
فأردف السائل قائلاً: هذه الرواية موجودة في الوسائل ولا حاجة لمراجعة الجواهر.
فقال سماحته: نعم، الرواية وإن كانت موجودة في الوسائل، لكن في بعض الأحيان نرى الرواية في الوسائل منقولة في موضع آخر لمناسبة ما، لكن دأب الفقهاء كصاحب الجواهر على أن يجمعوا بين روايات الباب كلها ويتعرّضون لذكرها جميعاً، مما يجعل النسبة بين الروايات الموجودة في كتاب جواهر الكلام ووسائل الشيعة نسبة العموم من وجه.
مباحث في السجود
ثم سُئل سماحته أيضاً:
عن حكم ما يفعله أهل الهيئات والمواكب الحسينية حيث يضعون الطين على رؤوسهم، ثم حين يدخل وقت الصلاة يصلّون دون أن يزيلوا الطين؟
فقال سماحته: لقد تعرّض صاحب الجواهر رحمه الله في مبحث فصل موضع السجدة عن التراب إلى نظير هذا الفرض وذكر بأنه: إذا شدّ المكلّف التربة على جبهته بعصابة وصلّى فكيف تكون صلاته؟ ثم انه على ما يبدو مال إلى عدم الإشكال في ذلك.
فقيل فيه بتعجّب واستنكار: وحينئذ هل يصدق عليه أنه وضع جبهته على التراب؟
أجاب سماحته لدفع هذا التعجّب والاستنكار قائلاً: لو كان كل الفقهاء يتعرّضون لذكر هذه المسألة لارتفع الاستغراب والاستيحاش من ذلك.
فقال بعضهم: لو وضع المكلف في حال القيام جبهته على التراب وأثناء ذلك تليت آية السجدة، فهل يصدق عليه أنه سجد؟
فقال سماحته: لا يصدق، وذلك لأن الهيئة دخيلة أيضاً.
مسائل في الحج
ثم عرض سماحته فرعاً جديداً وقال متسائلاً:
ان هناك مسألة في مباحث الحج لو تمت لكانت مفيدة جداً، وهي في موارد الزيادة والنقيصة جهلاً، وذلك في غير الموارد المنصوص عليها، علماً بأنه قد ورد في العفو عن الزيادة والنقيصة جهلاً روايات متعدّدة بعضها معتبرة، مثل معتبرة محمد بن أبي نصر قال: «قلت لأبي جعفر الثاني سلام الله عليه: جعلت فداك إنّ رجلاً من أصحابنا رمى الجمرة يوم النحر، وحلق قبل أن يذبح، فقال سلام الله عليه: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله لما كان يوم النحر أتاه طوائف من المسلمين، فقالوا: يارسول الله، ذبحنا من قبل أن نرمي، وحلقنا من قبل أن نذبح، ولم يبق شيء ممّا ينبغي لهم أن يقدموه إلا أخروه، ولاشيء ممّا ينبغي لهم أن يؤخروه إلا قدموه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا حرج لاحرج»(5).
ثم أردف سماحته قائلاً: والسؤال هنا: هل أنّ لاحرج له ظهور في التعليل، وعبارة: قدّموا وأخّروا هي مورد الرواية، أو أنّ قدّموا وأخّروا هي الموضوع لقوله صلى الله عليه وآله: لاحرج؟
فقال بعض: لا يظهر من الخبر التعليل.
فأجاب سماحته: ألا يظهر من الخبر النظر إلى قوله تعالى: «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»؟(6)
فقال بعضهم: ينبغي إحراز وجود هذا النظر بين الخبر والآية الكريمة.
فقال سماحته: لو راجع بعض أهل الخبرة روايات الحجّ كافّة وانتهى إلى القول بأنه لا ضير في كل جهل أو نقيصة أو غفلة سواء عن قصور أو تقصير يرتكبه المكلّف في الحجّ ما عدا موردين- أحدهما: الموارد الخاصة التي دلّ عليها الدليل، والآخر المسائل المتسالم على الإشكال فيها- لكان هذا القول حسناً.
فقيل له: هل لدينا عموم أو روايات خاصة تدلّ على ذلك؟
فقال سماحته: لدينا بعض الروايات العامة، ويمكن استفادة ذلك من جزئيات بعض الأخبار أيضاً، وقد نُقل عن صاحب الجواهر رحمه الله قوله: ليتنا خلينا وطبعنا كي نستظهر من الروايات ولا ننظر إلى استظهارات الفقهاء.
وأضاف سماحته قائلاً: المقام كقاعدة: لا تعاد الصلاة، الواردة للتسهيل على المكلّفين، علماً بأن قاعدة: لا تعاد، عليها دليل معتبر معمول به، وإنما البحث فيها بين الفقهاء في أن موردها هل هو مورد السهو والنسيان فقط، أو أنها تشمل مع ذلك مورد الجهل بكلا شقّيه: قصوراً وتقصيراً أيضا؟ ففي الحجّ أيضاً يمكن لمن يتتبع الأخبار الواردة فيه أن يستظهر منها قاعدة كلية كقاعدة لاتعاد.
ثم أردف سماحته قائلاً: هذا الكلام كله إنما هو في مقام البحث العلمي، وليس في مقام الفتوى والعمل.
ثم نقل سماحته بالمناسبة قصة طريفة وقال: في أيام حياة الأخ الراحل أعلى الله درجاته اتصل بي أحد مقلّديه من مكّة المكرّمة، وذلك في ساعة متأخرة من الليل، وسألني عن شاب قد حجّ وحصلت له على أثر عدم علمه بأحكام الحجّ مشكلة شرعية وكان قد استفتى أحدهم في مكّة، فقال له: حجّك فاسد ويجب عليك أن تجتنب زوجتك، ولا ترتكب شيئاً من محرّمات الإحرام، لأنك في إحرام حتى السنة القادمة، وفي السنة القادمة وحلول الموسم يلزمك أن تحجّ حجّة ثانية من جديد.
ولمّا سمع الشاب ذلك غشي عليه ونقل على أثره إلى المستشفى، ثم أراد منّي ذلك الشخص أن أخبره عن فتوى الأخ الراحل أعلى الله درجاته في هذه المسألة.
ولما رجعت إلى الأخ الراحل أعلى الله درجاته وسألته عن فتواه في تلك المسألة تأمّل قليلاً ثم قال: تلزمه الكفّارة وحجّه صحيح.
طهارة الغسالة
وهنا سأل بعضهم عن فرع فقهي آخر وقال: هل أنّ مطلق ماء الغسالة طاهر؟
أجاب سماحته قائلاً: لولا أنه على خلاف ما هو مشهور بين فقهائنا لأفتيت بطهارته.
فقيل له: ماهو الدليل على طهارته، هل هو التبعية؟
قال سماحته: الدليل على طهارته قاعدة: لو كان لبان.
ثم أضاف سماحته قائلاً: وان هناك عدة مسائل أُخر كمسألة الغسالة هي محلّ بحث وكلام، ومنها: مسألة طهارة أهل الكتاب، فإن الكلام فيها وفي أمثالها إنما هو في تحقّق شروئط هذه القاعدة، وهي عبارة عن ثلاثة أمور:
1- كون المسألة محل ابتلاء.
2- وأن تكون مغفول عنها.
3- وإذا لم يذكر حكمها يقع الناس في مخالفة الحكم الشرعي. فهل هذه الشروط الثلاثة متوفّرة جميعاً أم لا؟
قال بعضهم مؤيّداً: إن المسألة محلّ ابتلاء، فالشرط الأول متحقّق ولعل الشرطين الآخرين متوفران أيضاً.
فقال سماحته: يقال فقهياً بأنّ من شؤون الاجتناب عن الشيء هو الاجتناب عن غسالته.
فقيل في استنكاره: هذا ليس بخبر ولا آية، حتى نتمسّك به.
فقال سماحته: اعلم ذلك، لكنه هو استظهار وعليه المشهور، والشهرة حجّة في حدودها واجتماع شرائطها.
يذكر، أن العلاّمة السيد حسين التبريزي دامت بركاته كان من الضيوف الذين زاروا سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في هذه الليلة.


1) سورة التوبة: الآية 29.
2) سورة البقرة: الآية 193.
3) فروع الكافي/ ج4/ باب ركعتي الطواف ووقتهما و.../ ص423/ ح2.
4) تهذيب الأحكام/ ج5/ الباب 9 الطواف/ ص 140/ ح136.
5) وسائل الشيعة/ ج14/ باب 39 وجوب الابتداء بالرمي ثم الذبح ثم .../ ص156/ ح18859.|
6) سورة المائدة: الأية 6.