بين يدي المرجع

الليلة الخامسة

في ليالي شهر رمضان المبارك يتوافد العلماء والفضلاء وطلاب الحوزة العلمية ومختلف الشخصيات وعامة المؤمنين على بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في مدينة قم المقدسة.
وخلال لقائهم بسماحة السيد يدور الحديث حول المباحث العلمية والمسائل الفقهية والتاريخية والثقافية، إضافة إلى ما يتفضل به سماحته من وصايا و توجيهات.

كان البحث في هذه الجلسة هو تتمة بحث الليلة السابقة وهو تحمّل الضرر في أداء العبادات كالصيام والصلاة. وبهذا الصدد سأل أحد الفضلاء من سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: هل يصحّ الحج إن كان فيه ضرر؟
قال سماحة المرجع الشيرازي: ليس الحج وحده، بل في كل الواجبات إذا صاحبها زائداً على مقتضاها شيء يسير من الضرر ـ وليس ضرراً بالغاً ـ فلا إشكال فيه.
فأضاف السائل أيضاً وقال: يلزم من قول سماحتكم هذا أن نقول: إنه يجب الالتزام بأن الحكم الشرعي مركب؟
قال سماحته: نعم ولا إشكال في ذلك، إن كان هناك ظهور يدلّ عليه.
وسأل أحد الفضلاء قائلاً: إنّ درجة الحرارة الآن في العراق ـ حيث فصل الصيف ـ تبلغ أكثر من ستين درجة مائوية، ولايوجد الكهرباء، والعديد من الناس يعانون من ضعف في البنية وليسوا مرضى، فهل يحقّ لهم الإفطار في شهر رمضان؟
قال سماحته: إن كانوا يتعرّضون لضرر بالغ جرّاء الصوم، فإنه يجوز لهم الإفطار.
وسأل آخر: هل إن الحرج الشديد يسوّغ الإفطار أم الضرر فقط؟
قال سماحته: يقول المرحوم النراقي قدس سره في «المستند»: الحرج لا يرفع الصوم، بل الضرر يرفعه. ولكن الذين جاءوا بعد النراقي أشكلوا عليه وقالوا بأن الحرج كالضرر يرفع الصوم أيضاً.
وأردف السائل قائلاً: من يُشخّص الحرج؟
أجاب سماحته: إن الحرج أمر شخصي، فقد يكون الأمر الواحد بالنسبة لزيد حرجاً، لكنه لعليّ ليس بحرج.
ثم أضاف سماحته وقال: من باب البحث العلمي وليس من باب الفتوى والعمل: إن مثل الحداد والخباز إذا كانا في حرج شديد من الصوم، ومن جهة أخرى لم يكن من المتعارف أن يتركا عملهما كي يستطيعا الصيام وإن كان وضعهما الاقتصادي جيّداً، فخصوصية الحرج هنا ليست من جهة العطش، فذو العطاش ملاكه هو حاجته إلى الماء، أما بالنسبة للحداد والخباز فإن كان من باب ذي العطاش، فيصومان إلاّ عن الماء ويلزم عليهما الفدية ولا قضاء، وإن كان من باب الحرج فلا فدية عليهما وإنما عليهما القضاء.
وسأل أحد الفضلاء سماحته قائلاً: هل يشمل ما تفضلتم به الذي يعمل في جهاز الشرطة والجيش، والطالب والمعلّم ومن أشبههم؟
أجاب سماحته: بالنسبة لكل واحد من هؤلاء إذا كان وضعه الذي فيه، أو الحالة التي يمرّ فيها محرجة، وتحمّلها شاق وعلى خلاف المتعارف، فإنه يجوز له ذلك.
ثم أضاف سماحته قائلاً: كان شخص من المؤمنين في كربلاء المقدسة أيام كنّا فيها، وكان يعمل في الصحن الحسيني الشريف، فقصّ لنا قصته التالية وقال: في إحدى السنين توفّرت عندي أموال صرت عبرها مستطيعاً وقادراً على الذهاب إلى الحجّ، فأخبرت صاحب العمل بذلك فلم يوافق على ذهابي إلى الحجّ وهدّدني بالفصل عن العمل، فسألت أحد العلماء عن مسألة استطاعتي للحجّ ومعارضة صاحب العمل وتهديده لي بالفصل وقلت: لقد أخبرني صاحب العمل بأنه إن ذهبت إلى الحجّ فساُطرد من عملي، فماذا أفعل؟
قال لي العالم: اذهب إلى الحج وإن طردت من عملك.
قلت له: إن طردت من عملي فسوف يضيع عليّ سابقة عملي، وأخسر خدمة أربعين سنة، وأنا الآن شارفت على الكبر ولا أستطيع أن أعمل أكثر من هذا؟
فقال لي ذلك العالم مرة أخرى وهو يكرّر قوله: لا إشكال في ذلك اذهب إلى الحج.
إن مثل هذا القول والبتّ فيه ربما يكون على خلاف الشرط القائل بأن من شروط الاستطاعة هو أن يرجع الحاج إلى كفاف، وهذا الحاج في فرضنا لا يرجع إلى كفاف مضافاً إلى ما فيه من حرج شديد عليه، لذلك يجدر للمجيب التحقّق أولاً من أن الفقهاء الكبار تطرّقوا إلى مثل هذه الأمور أو لا، ثم معرفة أقوالهم وآرائهم، ثم البتّ فيها.
وسأل أحد الضيوف: ما حكم الصوم للبنت الصغيرة التي بلغت توّاً وتعيش في منطقة ذات مناخ جافّ وحارّ جداً؟
قال سماحته: إن لم تستطع أن تتحمل ذلك وكان فوق طاقتها تفطر وتقضي في فصل الشتاء.
وسأل السائل: هل يمكنها أن تصوم ولكن تشرب الماء فقط؟
قال سماحته: كلا، لأنه قد ورد الجواز بالنسبة لشرب الماء في حق ذي العطاش ويلحق به من شابهه، علماً بأن شرب الماء إمّا هو لاحتياج الجسم إليه كالمصاب بالمرض الكيليوي، حيث إن جسمه بحاجة إلى الماء وإن لم يعطش. وإما أنه يعطش كثيراً كالمصاب بمرض السكر. فبالنسبة إلى من كان من هذين الصنفين نقول: انه يصوم ولكن يشرب الماء فقط كلما احتاج إليه، ويُعطي فدية عن كل يوم شرب فيه الماء، وهي مدّ من الطعام إلى الفقير، ويكون صيامه صحيحاً ولا قضاء عليه بل يعطي فدية ثانية لسقوط القضاء عنه؟
ومن الفقهاء الذين ذهبوا إلى ما ذكرناه هو السيد الحكيم قدّس سرّه في حاشيته على العروة حيث قال: يشرب الماء، ويكون صومه صحيحاً ولا قضاء عليه، لأنه من ذي العطاش.
ثم واصل سماحته الحديث وقال: ومرة يختلف الأمر بأن يعطش الصائم عطشاً شديداً ويشارف على الهلاك لحرّ شديد مفاجئ، أو جهد كبير عارض، أي: من غير أن يكون من ذي العطاش أو من يلحق به، وهذه المسألة قد تعرّض لها صاحب العروة وذكر بأن المسألة هي غير مسألة ذي العطاش، بل هي مسألة من أضرّ به العطش. حيث إن الأخير يمكنه أن يشرب الماء ولكنه عليه أن يقضي الصيام.
وحول إفطار البنت الصغيرة قال سماحته: نقل السيد الوالد قدّس سره عن أستاذه الميرزا علي الشيرازي وقال: إن استاذي الميرزا علي الشيرازي نجل الميرزا الشيرازي الكبير قدّس سرّه كان يقول: إذا رأيتم البنات أو الأولاد الصائمين في شهر رمضان، والذين بلغوا سن التكليف توّاً وكانوا ضعيفي البنية، يشربون الماء خلسة، فتغاضوا عنهم ودعوهم يشربون الماء ولا تحاسبوهم على ذلك، لأنهم قد لا يتحمّلون الصيام ويكون فوق طاقتهم.
وأضاف سماحته قائلاً بأن التاريخ يشير إلى أن الناس في السابق كانت أجسامهم تختلف عن أجسام الناس في زماننا هذا، حيث إنهم كانوا أقوياء في البنية حتى صغارهم، ففي التاريخ أن العباس عم النبي الأعظم صلى الله عليه وآله كان يكبر ابنه عبد الله بن العباس بإحدى عشرة سنة، يعني: إن العباس كان قد بلغ سنّ التكليف مبكراً بحيث استطاع أن يكون في سنّه العاشرة متزوّجاً وصاحب طفل.
وأردف سماحته: إن الصوم نوع اختبار وامتحان. فقبل عدة سنين ذهبت برفقة عدد من الفضلاء إلى عيادة مريض لا يستطيع الصيام، وكان متأثّراً من ذلك ويقول: لولا أن الطبيب قال إن الصوم محرّم عليك لكنت أصوم، فقلت له: حيث انك لا تصوم لعذر شرعي فإن أجرك محفوظ إن شاء الله تعالى. فقال لي: لا اُريد أجراً بل اُريد آجراً.
وعقّب سماحته: يقول الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «حبذا نوم الأكياس وإفطارهم»(1). يعني: الملاك في الطاعة هو الامتثال والعمل طبقاً للوظيفة الشرعية برحابة صدر وتسليم، فالمؤمن الكيّس هو من يمتثل أمر الله تعالى عن طيب خاطر وبلا أي تذمّر وانزعاج، مثلاً إن قال له صم لأنك معافى فيصوم، وإن منعه وقال له لا تصم لأنك مريض فيمتنع ولا يصوم.
نعم في البحث العلمي يمكن أن يقال: بأن هنالك تشكيك من حيث مقدار الرخصة في تحمّل الضرر، وأن الله تعالى في أي المواضع أمر بالصوم وفي أيّها نهى عن الصوم؟
تأملوا في سيرة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين تجدون تواتراً قطعياً في الروايات التي تقول بأنهم صلوات الله عليهم كانوا يتحمّلون المشاق والأضرار في أداء العبادات، كالذهاب إلى الحج مشياً على الأقدام، وكالصلاة ألف ركعة في ليلة، وغير ذلك وهي بالمئات، فهل كان الأئمة ـ والعياذ بالله ـ يعملون على خلاف ما يأمر به الله تعالى؟، حاشا مما يدلّ على محبوبية تحمّل الضرر والمشقة في العبادة.
إذن: فلا ضرر، ولا حرج: ليس عزيمة بل هو رخصة.
وسأل أحد الحضور: هل كان الأئمة يتحمّلون المشقّة أو الضرر أو أنهم لمعرفتهم الكاملة بالله تعالى كانوا لا يرون ذلك أمام عظمة الله تعالى ضرراً ولا مشقّة؟
أجاب سماحته: نعم انهم عليهم السلام كانوا لا يرون مع كثرة عباداتهم في ذلك ضرراً ولا مشقة أمام عظمة الله تعالى وحقّه الكبير عليهم، ولكنهم عليهم السلام كبشر يُصيبهم الأثر الوضعي للضرر والمشقّة، كورم قدمي رسول الله صلى الله عليه وآله من كثرة الوقوف للصلاة بين يدي الله تعالى، وكجراحة قدمي الإمام الحسن سلام الله عليه في السفر لحجّ بيت الله الحرام مشياً، فإذن كانوا عليهم السلام يتحمّلون الضرر والمشقّة كليهما.
فأردف السائل قائلاً: ألا يعدّ ذلك منهم عليهم السلام تركاً للأولى، كقوله تعالى: «طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى»(2)؟
قال سماحته: كلا، فإن قول الله تعالى كان من باب الرضا عنهم، واللطف بهم، وليس من باب النهي. وبعبارة أخرى: إن الله تعالى قال للنبي صلى الله عليه وآله إن عملك مرضي عندي وحسن لدي ولكنه ليس مطلوباً إلزامياً منك.
فالمسألة هي عقلائية ومن باب التزاحم، ولا منافاة فيها بين السلب والإيجاب.
على سبيل المثال: حلاقة شعر الرأس للرجال مفيدة لأنها تؤدي إلى تقوية الدماغ والمخ، بينما تربية الشعر وإطالته أيضاً مفيدة، لأنها زينة وجمال، فإنه حسن فهنا توجد فائدتان متزاحمتان، ولا إشكال في اختيار أحدهما.
وسأل أحد الضيوف سماحته عن ملاك كثير السفر وكيفية تحقّقه؟
فأجاب سماحته:
إن استنتاجي من الأدلة في هذا المجال: إن الملاك هو أن لا يبقى الإنسان عشرة أيام في مكان ما، وأن يكون مستمراً في أسفاره بلا انقطاع عشرة أيام عن السفر غالباً، وللزيارة إلى مثلها كمن يأتي مسجد جمكران كل ليلة أربعاء أو يذهب إلى مسجد الكوفة ومسجد السهلة في كل اسبوع، وبالطبع المسألة خلافية، فبعضهم قال يصلّي تماماً إن كان للاكتساب والعمل ويقصّر إن كان لغير ذلك، ولكن أنا أعتقد إن هذه الأمور هي أمثلة ولا خصوصية لها، وان الملاك هو: أن لا ينقطع عن السفر عشرة أيام على الأغلب.
وسأل أحد الضيوف سماحته قائلاً: شخص يريد شراء بيت و لا يدري هل أن لهذا البيت مالك آخر أم لا، في هذه الحالة هل يجب عليه الفحص عن ذلك؟
أجاب سماحته: اليد علامة المالكية، ومعها لا حاجة إلى الفحص.
فأردف السائل قائلاً: حتى وإن علم أن للبيت مالكاً آخر؟
قال سماحته: العلم هو بنفسه حجّة، فإذا علم الإنسان من أي طريق كان، بأن للبيت مالكاً آخر، وجب طلب رضاه وموافقته أيضاً.
وأضاف سماحته قائلاً: إن رأيي حول الفحص في الموضوعات هو رأي الفقهاء في الأحكام، وهو: وجوب الفحص، فيلزم الفحص إلاّ في ثلاثة موارد وهي:
الأول: الطهارة والنجاسة.
الثاني: الحلال والحرام في الأكل والشرب واللبس. والثالث: العقد والنكاح. فعدا هذه الموارد الثلاثة من الشبهات الموضوعية يلزم الفحص فيها.
وسأل آخر: هل تكون جوائز الملوك مستندة إلى هذا الملاك، فيصحّ أخذها لكونها في يده، واليد علامة على أنها مالكها؟
أجاب المرجع الشيرازي قائلاً: كلا. إن لها أدلة خاصة تبيحه لآخذها، نعم لو لم تكن لها أدلة خاصة أمكن الاستناد إليها والاعتماد على ملاكها.
وعقّب السائل سؤاله بقوله: هل الملاك جارٍ حتى مع وجود يد سابقة؟ يعني حتى لو اني أعلم بأن هذه الهدية هي لشخص آخر ولكنها اليوم في يد شخص آخر والشخص الأول يدّعي أيضاً بأنها سرقت أو غصبت منه؟
قال سماحته: الملاك على الظاهر يكفي، ولكنه محل خلاف بين الأعلام، فمنهم من يقول: إن أغلب الناس في سوق المسلمين يعلم عادة بأن هذه اليد مسبوقة بيد أخرى.
فأردف السائل وقال: ألا تحتملون هنا الغصب؟
فأجاب سماحته قائلاً: حتى مع احتمال ذلك فإن الملاك جارٍ، وإلاّ لما قام للمسلمين سوق ـ كما في الحديث الشريف ـ مضافاً إلى أن الشارع أراد التسهيل على العباد، قال الله سبحانه: «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر»(3).
جدير بالذكر، أن من العلماء وفضلاء الحوزة العلمية الذين زاروا سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في هذه الليلة كان آية الله السيد حسين الشاهرودي دامت بركاته من أبرز أساتذة الحوزة العلمية بمدينة قم المقدسة.


1) نهج البلاغة/ باب الحكم القصار/ ص 495/ ح145.
2) سورة طه: الآيتان 1و2.
3) سورة البقرة: الآية 185.