بين يدي المرجع

الليلة الرابعة

في ليالي شهر رمضان المبارك يتوافد العلماء والفضلاء وطلاب الحوزة العلمية ومختلف الشخصيات وعامة المؤمنين على بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في مدينة قم المقدسة.
وخلال لقائهم بسماحة السيد يدور الحديث حول المباحث العلمية والمسائل الفقهية والتاريخية والثقافية، إضافة إلى ما يتفضل به سماحته من وصايا و توجيهات.

في جلسة هذه الليلة ابتدأ سماحة المرجع الشيرازي دام ظله الحديث بحمد الله تعالى، وبالصلاة على النبي وآله الأطهار صلوات الله عليهم.
وبعد أن رحّب سماحته بالضيوف توجّه أحدهم إلى سماحته وسأل قائلاً: ذكرت الروايات بأنه: إذا أخذ السلطان شيئاً من شخص، كأن تكون جاريته، وحصّل الشخص المذكور أموالاً تابعة للسلطان، فهل يحقّ للشخص أن يتصرّف فيها، حيث إن الأموال هنا مجهولة المالك؟
أجاب سماحته: صحيح أن الأموال هنا مجهولة المالك ولا يجوز التصرّف فيها، إلاّ أن هذا أمر آخر غير الشرطين المذكورين للتقاص، مضافاً إلى أن كون المال مجهول المالك لا يكون مسوّغاً للتصرّف فيه بسبب عدم معلوميّة صاحبه، بل يجب فيه إذن الحاكم الشرعي، فالتقاص ليس له إطلاق يشمل مثل ذلك.
وسأل آخر: إن حقّ التصرّف مقاصة من المدين مسألة عرفية، ومثل ذلك كمن يأخذ عباءتي وهو متعمّد في ذلك ويذهب بها وأنا أعرفه، فإن العرف يرى ان من حقّي أن آخذ عباءته مقاصّة وأن أتصرّف بها.
قال سماحته: وهل تعلم بأن الشخص المذكور يرجع عباءتك إن أرسلت إليه تطالبه بها؟
قال السائل: يعني اُجبره على إرجاعها؟
قال سماحته: لا، وإنما تطالبه بها ولا تعلم بأنه يرفض ذلك، بل تحتمل أن يلبّي طلبك.
قال السائل: لنفرض أنه كان عالماً بأن العباءة لي ومع ذلك أخذها متعمّداً، ألا يكون ذلك مسوّغاً للتقاص منه؟
قال سماحته: لا يوجد عموم هنا يقول بذلك، فهل هناك ـ مثلاً ـ آية قرآنية تأمر بالتقاص كذلك؟
وسأل آخر: ماذا لو تصرّف زيد في أموالي دون إذني، فهل يجوز له هذا التصرّف؟
قال سماحته: كلا.
قال السائل: إذن يجوز لي مقاصّته؟
قال سماحته: ما هو الدليل على المقاصّة مطلقاً وبلا شروط، نحن بحاجة إلى كبرى كليّة تشمل التقاص مطلقاً وبلا شروط، فأين العموم والكبرى الكليّة هنا؟
نعم إن كان مجهول المالك ولا طريق له لاستنقاذ ماله إلاّ التصرّف في تلك الأموال ـ وهذا ما قيّده الفقهاء ومنهم صاحب الجواهرـ فهو أمر معقول ومقبول إذا كان بإذن من الحاكم الشرعي، فإن عدم جواز التقاص في هذا الفرض ضرر، والضرر بحسب قاعدة «لا ضرر» مرفوع، لكن هذا غير ما نحن فيه وهو أن نفرض إمكان إنقاذ ماله بلا ضرر وبدون حرج ولكن مع ذلك يجوز له التقاص؟ لأنه كان متعمداً؟
قال السائل: المسألة فيما نحن فيه نوع اعتداء فتكون مشمولة لقوله تعالى: «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم»؟
قال سماحته: نعم، لا بأس بعدّ المسألة من مصاديق الآية الكريمة.
قال السائل: إذن نعمل في المسألة وفق قوله تعالى: «فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم» ونقتصّ منه؟
قال سماحته: أعلم ذلك، ولكن ليس للآية الكريمة إطلاق يشمل حتى فرض الأداء مع المطالبة مع أن الفقهاء الأعلام قيّدوا جواز التقاص بعدم أدائه بالمطالبة.
قال السائل: لنفرض أن للآية إطلاق؟
قال سماحته: حتى على هذا الفرض يقيّده قول مشهور الفقهاء بذلك.
وسأل آخر: إن أخذه عباءتي متعمداً، معناه: أنه أقدم على ذلك، ومع إقدامه على هذا التصرّف يعطيني الحقّ في أن أتصرّف مقاصة في أمواله؟
قال سماحته: ما هو الدليل على أن الإقدام المذكور له عموم يشمل حتى الفرد الذي يؤدّي بالمطالبة، نحن بحاجة إلى كبرى للدلالة على ذلك.
وسأل آخر قائلاً: العرف يرى فيما لو تصرّف زيد في أموال عليّ، وفي المقابل قام عليّ بالتصرّف في أموال زيد، فلا يُعدّ هذا التصرّف عدواناً.
قال سماحته: بلى، لا يعتبر العرف ذلك عدواناً، لكن هذا في حالة عدم وجود حلّ أو طريق آخر لاسترجاع ماله، وأما لو كان الشخص هو السلطان ويستطيع أن يأخذ أمواله بأن يرسل له من يطالبه بها، فمع أن له طريق المطالبة واسترداد المال فهل يعطيه العرف الحق في التقاص؟ ومعه فإن التقاص بلا شرط بحاجة إلى دليل شرعي مفقود هنا.
قال السائل: السلطان هو بنفسه دليل مطلق؟
قال سماحته: هذا مورد السلطان، فما هو الذي يوجب تملّك الشخص عبر المقاصّة في الموارد الأخرى؟
قال السائل: هنا لا يوجب التمليك بل يبيح التصرّف؟
قال سماحته: كلا، لأنه في مسألة التقاص يقول الفقهاء بالتملك. والتملّك بالتقاص بحاجة إلى دليل شرعي.
قال السائل وهو يحاول إخراج المسألة من التقيد بالشروط المذكورة متمسّكاً بالإنصراف: إن أدلة حرمة التصرّف في مال الآخرين، منصرفة عن التقاص في مثل هذا الفرض وهو تعمّد الشخص في أخذ العباءة وتعمّد تصرّفه في أموال غيره.
قال سماحته: نعم لا إشكال إن كان فيها انصراف، ولكن هل هنالك إنصراف؟
قال السائل: بالطبع، ولكن ليس على نحو التمليك.
قال سماحته: نعم، إذا وصل الأمر إلى الاستظهار فقد انقطع الاستدلال، ولكن عهدة إدّعاء الإنصراف على مدّعيه.
وطرح سماحته السؤال التالي للنقاش وقال: إذا كان أحد الكسبة، يعاني من ضعف في البنية، ويعمل من الصباح إلى المساء، وشهر رمضان في فصل الصيف وشدّة الحرّ مما يسلبه القدرة على الجمع بين الاستمرار في العمل مع الصيام، فهل يجب عليه في هذه الصورة أن يترك العمل خلال شهر رمضان ويصوم في فرض أنه يستطيع ذلك، أي: لا يؤثّر على معيشته ووضعه الاقتصادي أو أنه يستطيع أن يقترض ـ إن كان ضعيفاً من الناحية المالية ـ مالاً لإمرار معيشته خلال الشهر المبارك، فهل يجب على مثل هذا الشخص أن يقوم بما فُرض في السؤال فيترك العمل ويصوم؟
قال سماحته: إن كان يستطيع أن يعمل ويصوم حسب المتعارف فلا كلام فيه، ولكن الكلام فيمن لا يستطيع الجمع بين الصوم والعمل، فهل الإنسان في هذا الفرض يشمله قوله تعالى: «فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدّة من أيام أُخر»؟
الظاهر: أنه في هذا الفرض يجب عليه أن يترك العمل ويصوم، نعم إذا كان لا يستطيع الجمع بين الصوم والعمل، ولم يكن قادراً على إدارة معيشته حتى عن طريق الاستدانة حتى يترك العمل ويصوم، ففي هذه الصورة إن كانت ضرورته شرب الماء فقط، فإذا شرب الماء استطاع الإمساك إلى الليل، فإنه ينوي الصيام ويشرب الماء كلما احتاج إليه ويعطي مدّاً من الطعام للفقير عن ذلك اليوم للرخصة في شرب الماء ولا قضاء عليه، نعم الأحوط استحباباً القضاء فإذا قضى فبها، وإلاّ أعطى مدّاً ثانياً من الطعام للفقير لسقوط القضاء، هذا إذا كان ضرورته شرب الماء فقط، وأما إذا كان ضرورته الأكل أيضاً فيجوز له في هذا الفرض الأفطار ثم القضاء.
وسأل أحد الفضلاء: ما حكم صيام من يقوم بتقوية بنيته كي يقوى على الصيام؟
قال سماحته: إن ذلك يكون على قسمين: الأول: أن يكون بأكل السحور والطعام المركّز غذائياً وبالصورة المتعارفة وهذا لا إشكال في وجوبه مع التمكّن منه.
الثاني: أن يكون بالمعالجة عند الطبيب وبالصورة غير المتعارفة فهو حسن ولكنه غير واجب.
وسأل آخر: ما حكم صيام من يصاب بالنحولة والضعف إذا صام؟
قال سماحته: إن كانت النحولة أو الضعف الناتج من الصوم قليلاً وبالقدر المتعارف فلا إشكال في وجوب الصوم عليه.
قال السائل: وإن كانت النحولة أو الضعف أكثر من المتعارف فهل يُحرم عليه الصيام؟
قال سماحته: لا، الحرمة لا تأتي في كل الموارد. بل كما يقول صاحب العروة: الحرمة تكون في الضرر البالغ.
قال السائل: ماذا لو كان فيه حرج؟
قال سماحته: الحرج كالضرر، وهو غير الحرمة.
وقال السائل: ما حكم الصوم لو رفع الحرج الوجوب عنه؟
أجاب سماحته: سيكون مستحبّاً. يقول صاحب العروة: إن لا حرج يرفع الإلزام، لأن لا حرج، ولا ضرر، رخصة لا عزيمة.
وقال السائل: وهل تقولون الشيء نفسه في لا ضرر؟
أجاب سماحته: نعم، إلاّ إذا اُحرز ضرره وكان بالغاً، فسيكون تحمّله حراماً.
وسأل آخر: إن صام المريض وكان الصوم مضرّاً به، فهل يعتبر صيامه صحيحاً؟
قال سماحته: نعم، فإنه إن لم يكن الضرر بالغاً بحيث يعدّ تحمّله حراماً، فصيامه صحيح.
قال السائل: لنفرض أن المريض إذا صام فستصاب إحدى عينيه بضعف في النظر، فما حكم صيام المريض في هذه الحالة؟
قال سماحته: لا إشكال في صومه. وكما قلنا قد أشار صاحب العروة إلى ذلك إشارة جيدة حيث قال: إن لا ضرر ولا حرج رخصة، إلاّ ما خرج.
فأردف السائل قائلاً: ألا توجد عزيمة في قوله تعالى: «فعدّة من أيام اُخر» وكذلك في: «من كان منكم مريضاً»؟
قال سماحته: بلى، وقد جاء في الروايات الشريفة بالنسبة الى المريض أنه: «رَوَى ابْنُ بُكَيْرٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سلام الله عليه: مَا حَدُّ الْمَرَضِ الَّذِي يُفْطِرُ فِيهِ الصَّائِمُ وَيَدَعُ الصَّلاةَ مِنْ قِيَامٍ؟ فَقَالَ: بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يُطِيقُهُ»(1).
وجاء في رواية أخرى: «عَنْ سَمَاعَةَ قَالَ: سَأَلْتُهُ مَا حَدُّ الْمَرَضِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ فِيهِ الإفْطَارُ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ، مَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ؟ قَالَ: هُوَ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهِ، مُفَوَّضٌ إِلَيْهِ، فَإِنْ وَجَدَ ضَعْفاً فَلْيَفْطِرْ، وَإِنْ وَجَدَ قُوَّةً فَلْيَصُمْهُ، كَانَ الْمَرَضُ مَا كَانَ»(2).
قال السائل: ومنه يُعلم إن الله تعالى قد تفضّل على الإنسان بالعفو، وأجاز له الإفطار فكيف نقول نحن بعدم جواز الإفطار؟
قال سماحته: نعم، إن الله تعالى قد تفضّل، ولكن ما هو حدود ما أراده الله تعالى؟ فإن البحث هو في الحدود.
وسأل أحد الحضور: هل يرد بحث الرخصة والعزيمة في مسألة السفر؟
أي نقول للمسافر: إنك في رخصة ويمكنك أن لا تصوم؟
قال سماحته: كلا، لأن هنا في السفر لم تات روايات مرخصة كالتي اتت في المرض، فتبقى الآية الكريمة بالنسبة الى المسافر على ظهورها فانه مضافاً الى الآية الكريمة «فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» الظاهرة في العزيمة عندنا دليل خاص يدل على العزيمة فيهما أيضاً وهو انه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَصَدَّقَ عَلَى مَرْضَى أُمَّتِي وَمُسَافِرِيهَا بِالإفْطَارِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ إِذَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ أَنْ تُرَدَّ عَلَيْهِ»(3وهذا الدليل وان كان كالآية الكريمة يشمل المريض ايضاً، الا ان الروايات المرخصة أخرجت المريض عن هذا الظهور، كما اخرجته عن ظهور الآية الكريمة ولو لا ذلك لقلنا القول نفسه. اذن: فالمرض ليس كالسفر، بل من المسلّمات أنه في المرض يجوز الصيام إن لم يكن فيه ضرر بالغ، فالمعصومين صلوات الله عليهم كانوا يصومون حال إصابتهم بالمرض الذي لم يكن فيه ضرر بالغ وأذى كثير، بخلاف مورد السفر. ففي السفر إلزام بعدم الصوم كما في الحديث الشريف: «ليس من البر: الصيام في السفر» ولكن في المرض لم يقل: ليس من البر الصيام في المرض، بل تفضّل وأعطى الاختيار. ولذلك كان المعصومون صلوات الله عليهم يتحمّلون المشقة في الصلاة والصيام وسائر العبادات. فهل كانوا لا يعرفون الضرر. فقد ذكرت الروايات الشريفة ـ وهو من التواتر ـ أنهم صلوات الله عليهم كانوا يتحمّلون الضرر القليل الذي لا يؤدّي إلى الموت أو العمى في أداء الواجبات، كما في قوله تعالى: «طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى». وهنا سأل السائل وقال: ألا نقول بأن ذلك من مختصّاتهم عليهم السلام؟
قال سماحته: كلا، بل يجب أن نقول أن دلالة عملهم عليهم السلام هذا يدلّ على الرخصة في الضرر القليل، وصحّة العمل معه، إذ كون الشيء من مختصّاتهم بحاجة إلى ما يثبته وهو مفقود فيما نحن فيه.


1) من لا يحضره الفقيه/ ج2/ باب حدّ المرض الذي يفطر صاحبه/ ص132/ ح1941.
2) فروع الكافي/ ج4/ باب حد المرض الذي يجوز للرجل أن يفطر/ ص 118/ ح3.
3) من لا يحضره الفقيه/ ج2/ باب وجوب التقصير في الصوم في السفر/ ص140/ ح1973.