بين يدي المرجع

الليلة الثالثة

في ليالي شهر رمضان المبارك يتوافد العلماء والفضلاء وطلاب الحوزة العلمية ومختلف الشخصيات وعامة المؤمنين على بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في مدينة قم المقدسة.
وخلال لقائهم بسماحة السيد يدور الحديث حول المباحث العلمية والمسائل الفقهية والتاريخية والثقافية، إضافة إلى ما يتفضل به سماحته من وصايا و توجيهات.

في بداية جلسة هذه الليلة قال أحد الضيوف لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله: هلا دللتموني على ذكر من الأذكار الشريفة، أو عمل من الأعمال المستحبّة التي تُعينني وتساعدني على استرجاع أموال لي كنت قد استقرضتها لشخصين، وأنا الآن بحاجة ماسّة إلى تلك الأموال، لأنه عليّ ديون لأشخاص آخرين وأريد تسديدها لهم، كما إني أعاني حالياً من ضعف مالي.
قال دام ظله: ذكرت الروايات الشريفة: «عَنْ دَاوُدَ الرَّقِّيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ سلام الله عليه وَلِي عَلَى رَجُلٍ مَالٌ قَدْ خِفْتُ تَوَاهُ، فَشَكَوْتُ إِلَيْهِ ذَلِكَ، فَقَالَ لِي: إِذَا صِرْتَ بِمَكَّةَ فَطُفْ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ طَوَافاً وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ عَنْهُ، وَطُفْ عَنْ أَبِي طَالِبٍ طَوَافاً وَصَلِّ عَنْهُ رَكْعَتَيْنِ، وَطُفْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ طَوَافاً وَصَلِّ عَنْهُ رَكْعَتَيْنِ، وَطُفْ عَنْ آمِنَةَ طَوَافاً وَصَلِّ عَنْهَا رَكْعَتَيْنِ، وَطُفْ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ طَوَافاً وَصَلِّ عَنْهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ ادْعُ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْكَ مَالُكَ. قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ بَابِ الصَّفَا وَإِذَا غَرِيمِي وَاقِفٌ يَقُولُ يَادَاوُدُ حَبَسْتَنِي تَعَالَ اقْبِضْ مَالَكَ»(1).
وعقّب سماحته: إن هؤلاء الخمسة، أي: عبد المطلب وأبو طالب وعبد الله وآمنة وفاطمة بنت أسد صلوات الله عليهم قد ظلمهم التاريخ كثيراً، ومنه: أنهم صلوات الله عليهم اتُّهموا بالكفر من قِبل العامة!
وأردف سماحته مخاطباً الضيف السائل: توسّل إلى الله تعالى بهؤلاء الخمسة صلوات الله عليهم وانذر بقدر استطاعتك وإمكانياتك إلى الله سبحانه نذراً بالنيابة عنهم، حتى تسترجع أموالك إن شاء الله تعالى.
من جانب آخر، استمر في جلسة هذه الليلة البحث حول الموضوع السابق الذي تم تناوله في مطلع بحوث الليلة الماضية وهو تضرّر عين المريض بسبب الدواء الذي وصفه الطبيب له، ففي هذا المجال وفي خصوص بحث ضمان الطبيب سأل أحد الفضلاء ما يلي:
لقد تفضلتم سماحتكم بأن الطبيب ضامن مطلقاً، أما صاحب كتاب «المنهاج» فقد فصّل في هذه المسألة وقال: إن كان الطبيب هو السبب بشكل مباشر فهو ضامن، وإن كان غير مباشر فلا يكون ضامناً.
أجاب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: إن هذا التفصيل بين المباشر وغير المباشر هو في مثل: الجرّاح، والحجّام، والختّان ونحوهم الذين يباشرون العلاج، فإن عليهم مع المباشرة الضمان مطلقاً حتى إن كان عارفاً وحتى إن كان قاصراً، للدليل الخاص وهو «إن لم يتبرأ» أي: لم يأخذ البراءة عن الضمان من المريض أو وليّه.
وسأل أحد الفضلاء الحضور: وماذا إذا كان غير مباشر؟
أجاب سماحته: الطبيب غير المباشر إن صدق عليه عرفاً التسبيب وأنه هو السبب في تضرّر المريض فهو ضامن أيضاً، فإطلاق عدم الضمان على غير المباشر، كإطلاق الضمان على المباشر في غير محلّه، وبعبارة أخرى: علينا أن لا نقول بأنه لا ضمان على غير المباشر مطلقاً، لأن غير المباشر أحياناً يكون ضامناً.
وهنا أردف السائل قائلاً: إذن سماحتكم لا تقولون بالتفصيل في هذه المسألة، لقولكم بأن الطبيب ضامن مطلقاً سواء كان هو السبب بشكل مباشر أو غير مباشر؟
قال سماحته: كلا، أنا أذهب إلى التفصيل ولكن أقول: إن الطبيب الذي ينسب إليه الضرر عرفاً بأن يراه العرف هو السبب فإنه ضامن سواء كان هو المباشر أو غير المباشر. نعم غير المباشر الذي لا ينسب إليه العرف الضرر، فهو ليس بضامن، وعليه: فإن غير المباشر الذي لاينسب إليه الضرر هو كالمباشر الذي لا ينسب إليه الضرر، مثل: المجنون، والطفل، وكلّ واسطة غير مختار.
وسأل فاضل آخر: استناداً إلى ما مرّ ذكره فهل يعتبر الطبيب هو المسبب؟
قال سماحته: الموارد مختلفة ويختلف الجواب باختلافه، يعني: إذا عُدّ عرفاً هو السبب ـ وهذا موجود في الوسائل والجواهر ـ وهو المشهور وبرأيي: إن هذا كلام مقبول وفي محلّه بأن يكون الضمان تابعاً لما يعدّه العرف سبباً، ويراه أنه تسبب في ذلك.
وسأل آخر: لقد ذكرتم ليلة أمس بالنسبة لإمكانية التقاص من الطبيب: بأنه مشروط بعدم تمكّن المريض المتضرّر من أخذ حقّه بغير التقاص، وأن يكون بإذن من الحاكم الشرعي؟
قال سماحته: نعم، لأنه إن استطاع المريض المتضرّر أخذ حقّه بالمطالبة، فلا يحقّ له التقاص والتصرّف بمال غيره المودع عنده. فهنا علينا أن نجعل هذه الشروط للتقاص، لأنه على خلاف الحديث القائل: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه»(2).
وسُئل من المرجع الشيرازي: ما هو الدليل على ذلك؟
أجاب سماحته: دليله هو الحديث الشريف: لا يحلّ مال امرئ إلاّ بطبيب نفسه. مثلاً: لنفرض أن زيداً قد أودع أو إئتمن عند علي مالاً، وكان على زيد دَيناً لعليّ، فلا يجوز لعليّ التصرف بالمال المؤتمن لأنه من المحتمل أن زيد يريد تسديد ديونه من غير المال الموجود عند علي.
وسأل فاضل آخر: هل يمكن القول بأنه: جاحد وإذا كان مصداقاً للجحود جاز الاقتصاص منه؟
أجاب سماحته: قد يكون جاحداً، ولكن هذا يحتاج إلى إثبات وتنازع عند الحاكم الشرعي.
قال الفاضل نفسه: أنا وجدت في وسائل الشيعة: ست عشرة رواية تقول: إنّ جحد الحق يسوّغ الاقتصاص، ولم يعلّق صاحب الوسائل على ذلك بشيء.
قال سماحته: لاحظوا إن لفظ الرواية مطلق، ونحن نقول بالإطلاق أيضاً لأن العرف هو الذي يكشف عن إطلاق اللفظ وعن أنه هو مراد المتكلّم، وبعبارة أخرى: الطريق إلى مراد المتكلّم هذا اللفظ المطلق، لكن هذا فيما إذا كان له ظهور في كشف إرادة المتكلم وتطابق الإرادتين: الاستعمالية والجدّية، بينما الكلام فيما إذا لم يكن هذا الظهور كما فيما نحن فيه فإن إطلاق لفظ الرواية ليس له ظهور حتى بدون الشروط، فهل المتكلّم وهو المعصوم عليه السلام أراد الإطلاق حتى مع عدم توفر الشروط وحتى إذا أمكن الإثبات بدون ضرر وحرج؟
وأضاف الفاضل قائلاً: على الظاهر أن السائل ـ كما في الرواية ـ سأل ذلك ليعمل به، لأنه ليس هو كمحمد بن مسلم من الفقهاء حتى يعرف الإطلاق ونحو ذلك.
قال سماحته: لاحاجة إلى السؤال والجواب إذا أمكن إثباته.
وسأل فاضل آخر: ماذا لو رفض التحاكم عند الحاكم الشرعي؟
أجاب سماحته: أنا أذكر لكم مثالاً لتقريب ذلك: لنفرض أنكم تطلبون زيداً كذا مقدار من المال، وزيد يتجاهل ذلك، ولكن إذا طلبتم منه أن يسدّده لكم، أجاب وقام بتسديده، فهل يحق لكم بعد ذلك التقاص منه؟ حتماً تجيبون بالنفي، فلماذا ترفضون الإطلاق هنا؟
قال الفاضل: أنا ذكرت ما هو موجود في الروايات الشريفة؟
قال سماحته: وأنا ذكرت ذلك مع الإتيان بقرينة لكي أقول أنه: لا يُعلم بأن الأمر له ظهور، ولا أدّعي بالإنصراف، بل أريد أن أقول بأن المسألة فيها قصور من حيث الظهور.
وسأل أحد الفضلاء الحضور من المرجع الشيرازي قائلاً: ذكرت الروايات الشريفة ما مضمونه بأن السائل يسأل المعصوم سلام الله عليه بأنه: أعطيت لزيد مالاً على أن يصرفه في الأمور الخيرية، ولكنه لم يقم بذلك، ثم إنّ زيداً بعدها بأيام أودع عندي مالاً غير المال الذي أعطيته إياه، فهل يحق لي أن آخذ هذا المال عوضاً عن ذلك الذي طلبت من زيد أن يصرفه في الأمور الخيرية؟ فيأذن المعصوم سلام الله عليه للسائل بذلك دون أن يسأله أو يستفسر منه شيئاً؟
قال سماحته: في غير الإنكار المستلزم للتحاكم ربما لا تجدون فقيهاً يقول بذلك.
وسأل فاضل آخر: وما تقولون حول هذه الروايات المزبورة؟
أجاب سماحته: يجب أن يكون ظهور أولاً، ويجب أن يكون هذا الظهور محرزاً ثانياً، وأما الذي نحن بصدده فهل هو محرز أم لا، إذا شككنا في الظهور فالأصل هو عدم الظهور، وأما إذا أحرزنا الظهور وشككنا في تطابقه مع إرادة المتكلّم، وأن المتكلّم أراد تطابق الإرادتين: الاستعمالية والجدية، فلا إشكال فيه. واما إذا كان في الظهور شك فأراه إما محرز عدم الظهور، أو الشك في الظهور المساوي لعدم الظهور.
من جانب آخر سأل أحد الحاضرين حول الوشم فقال: هل إن الوشم الذي يستخدم لزرع الحاجب، يعتبر زينة للنساء؟
أجاب سماحته: بما ان موضوع الزينة هنا غير واضح، فيُرجع فيه إلى العرف، فإن عدّه العرف زينة وجب على المرأة ستره عن غير المحارم، وإلاّ فلا.
وسأل أحد الضيوف: إن تبدّلت ـ مثلاً ـ عباءة شخص مع شخص آخر وكان ذلك عن قصد، فهل يحقّ للمتضرّر أن يأخذ عباءة ذلك الشخص تقاصاً من دون إخباره بأخذه لها، أو يجب أن يخبره و يطالب بذلك؟
قال سماحته: حتى إذا كان الذي قام بالتبديل متعمّداً في عمله وقاصداً لذلك، فإنه ان كان يعرفه المتضرر ويستطيع الوصول اليه، فانه لا يجوز له أن يأخذ عباءة ذلك الشخص تقاصاً، الا مع الشرطين السابقين، وهما كالتالي:
الأول: إنحصار الطريق في التقاص، وذلك لقصور الدليل عن الإطلاق.
الثاني: أخذ الإذن من الفقيه الجامع للشرائط، وذلك حتى لا تحدث الفوضى في المجتمع.


1) فروع الكافي/ ج4/ باب النوادر/ ص544/ ح21.
2) نهج الحق وكشف الصدق/ الفصل السابع في الحجر وتوابعه و.../ ص493.