المرجع الشيرازي:
شهر رمضان المبارك ربيع التقوى

قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله جمع من أعضاء (هيئة اﻹمام السجّاد سلام الله عليه لتعليم وقراءة القرآن) من طهران مع عوائلهن، وذلك في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة يوم الخميس الموافق للثامن من شهر رمضان المبارك 1431 للهجرة، واستمعوا إلى توجيهات سماحته القيّمة.
استهلّ سماحته حديثه بالآية الشريفة التالية: «ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»(1)، وقال:
إن الله تبارك وتعالى فرض الصيام على الأمة الإسلامية كما فرضه من قبل على الأمم السابقة، وإن الهدف من شهر رمضان والصيام هو أن يكون الإنسان صاحب تقوى.
وقال سماحته: إن التقوى أمر بسيط وسهل وميسور بشرط أن يصمّم الإنسان عليه، أي على الإلتزام والتحلّي به. والتقوى هو ما جسّده المعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم بأقوالهم وبأفعالهم وبسيرتهم.
وأوضح سماحته: يسعى الإنسان في حياته بالدنيا إلى أن يصون بدنه ويحميه من الميكروبات حتى يكون سليماً ولا يصاب بالأمراض، وإذا سلم بدن الإنسان فإنه سيكون معافى وتسهل حياته ويسعد فيها. وهكذا هو الحال بالنسبة للإنسان المتّقي، إي إن التقوى يصون نفس الإنسان وروحه من المعاصي والذنوب والآثام التي تؤدي إلى وقوع الإنسان في المهالك وتشقيه بالدنيا والآخرة.
وأضاف سماحته: إن سبب الكثير من الأمراض الخطيرة والمزمنة هو الغضب والإنهيار العصبي، وأما التقوى يمنع الإنسان ويحصّنه من الإنزلاق إلى الغضب وبالتالي من الوقوع في المعاصي والذنوب.
وأردف سماحته: لقد جعل الله سبحانه و تعالى للصوم فوائد كثيرة وجمّة، وعلى رأس هذه الفوائد وأهمها هو أن ينال الإنسان التقوى ويتحلّى به. فشهر رمضان المبارك هو ربيع التقوى.
وأشار سماحته إلى أن التقوى في الصيام على مراحل ورتب وقال:
إن التقوى الذي يجب على الصائم أن يلتزم به هو على مراحل ورتب، ومنها:
أولاً: التقوى من المفطرات. أي على الصائم أن يبتعد عن المفطرات، وهي المفطرات العشر التي ذكرها الفقهاء في الرسائل العملية، وهذه تسمى مرحلة صحّة الصيام، أي بابتعاد الإنسان عن المفطرات يكون صومه صحيحاً.
ثانياً: التقوى من المحرّمات. وهو اجتناب المحرّمات كظلم الآخرين، أو أكل مال الآخرين ومال اليتيم بغير الحق، وغيرها من المحرّمات، وهذه أهم من الأولى لأنه بالإلتزام بها يُقبل الصوم. وبعبارة أخرى: على الصائم أن يلتزم بالابتعاد عن المفطرات وفي الوقت نفسه يبتعد عن المحرّمات كلها حتى يصحّ صومه ويُقبل. فإذا ابتعد الصائم عن المفطرات وأتى بحرام واحد فإنه سيكون صائماً على الظاهر ولكنه عند الله تعالى سيكتب: لا صيام له، وذلك لارتكابه الحرام. فالمهم هو قبول الصيام عند الله تعالى وليس صحّة أدائه فقط.
إذن من فوائد التقوى أيضاً أنه يجعل صيام الإنسان مقبولاً عند الله تعالى.
وبيّن سماحته أن التقوى لا ينحصر في الامتثال بالواجبات والانتهاء عن المحرّمات وقال:
إن للتقوى مصاديق كثيرة، ومنها حسن الخلق، أي التعامل الحسن مع الناس وحتى مع الأعداء ومع أصحاب الخلق السيئ، وتحمّل الإساءة والأذى من الآخرين وعدم الردّ عليهم بالمثل، والإحسان إلى الناس وبالأخص الإحسان إلى الوالدين، فقد ذكرت الروايات الشريفة: «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله فَقَالَ: رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ عَجَائِبَ؟! فَقُلْنَا: يَارَسُولَ اللَّهِ وَمَا رَأَيْتَ حَدِّثْنَا بِهِ فِدَاكَ أَنْفُسُنَا وَأَهْلُونَا وَأَوْلادُنَا؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي قَدْ أَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ فَجَاءَهُ بِرُّهُ بِوَالِدَيْهِ فَمَنَعَهُ مِنْهُ»(2).
كما إن من مصاديق التقوى هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق الضوابط التي ذكرها الفقهاء بالنسبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ذكرت الروايات الشريفة: «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي فِي الْمَنَامِ قَدْ أَخَذَتْهُ الزَّبَانِيَةُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَجَاءَهُ أَمْرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُهُ عَنِ الْمُنْكَرِ فَخَلَّصَاهُ مِنْ بَيْنِهِمْ وَجَعَلاهُ مَعَ الْمَلائِكَةِ»(3).
وشدّد سماحته بقوله: إن شهر رمضان المبارك هو موسم إصلاح النفس وتربيتها وتهذيبها وعلى رأس ذلك الالتزام بالتقوى. فيجدر بالمؤمنات والمؤمنين أن يسعوا إلى إصلاح أنفسهم وأن يحثّوا الآخرين ويشجّعوهم على أن يقوموا بالعمل نفسه، من الأقارب والأرحام والأصدقاء والزملاء.
وأكّد المرجع الشيرازي دام ظله: إن ملاك التقوى هو أن يعمل الإنسان العمل الحسن ويحثّ الآخرين عليه، وأن يجتنب السوء والعمل السيئ وأن يحثّ الآخرين على اجتنابه.
إذاً ليصمم المؤمنات والمؤمنين على أن يكونوا من المتّقين كل حسب قدرته وطاقاته، وأن يزيدوا من التزامهم بالتقوى حتى يرتقوا في ذلك ويبلغوا المراتب الرفيعة، وبالأخصّ في هذا الشهر الفضيل شهر رمضان المبارك، وعليهم أن يتعلّموا ذلك من أهل البيت الأطهار صلوات الله عليهم.


1) سورة البقرة: الآية 183.
2) الأمالي للصدوق/ المجلس الحادي والأربعون/ ص 230/ ح1.
3) مستدرك الوسائل/ ج12/ باب وجوبهما وتحريم تركهما/ ص 181/ ح14.