ومضة مع المقدس الشيرازي
بقلم: غريبي مراد عبدالملك - دولة الجزائر

كان يوم الأحد صباحاً الفاتح من شهر يونيو عندما اتصل
بي أحد الأحبّة المقيمين باستراليا ليخبرني بالمصاب
الجلل، وبعدها اتصلت بالعلاّمة الشيخ المهتدي البحراني
حفظه الله ورعاه، فكان ردّ سماحته دام عزه إنه رجل من
رجال اشتاقوا إلى لقاء الله فاشتاق الله إلى لقائهم
فهنيئاً لهم وللمتأسّين بهم ...((فإنا لله و إنا إليه
راجعون)).
لقد كانت ابتلاءً عظيماً لكل من عرف هذا الطود الشامخ
وإنني لا أجد أن هناك تعبير عن شخصية الفقيد المقدس
سوى أنه الإنسان المسلم بإمتياز، العالم العامل العابد
الزاهد، اسمه دال على عمق علاقته بالإسلام والولاية
الإسلامية، إنما هناك تفاصيل يعلمها أقرب المقربين له
رضوان الله تعالى عليه، مثل شقيقه العلاّمة السيد
مرتضى الشيرازي وغيرهم، لكن كما يراد من حكمة أمير
المؤمنين ليس كل ما يعرف يقال وليس كل ما يقال يعرف،
كما لو أن هناك سرّ رباني لا يطلع عليه إلا من كان
أهلاً لحمله، بل إنّ كلّ عالم رباني يتحرك في علاقاته
بالناس على أساس موضوعي من خلال حجم كل واحد في مشوار
الرسالية، مثلما كان النبي صلى الله عليه وآله والأئمة
الأطهار عليهم السلام في تعاملهم من جهة مع الناس التي
تنفتح على القضايا الإسلامية العامة التي تهم واقع
المسلمين جميعاً، ومن أخرى مع المخلصين المهتمين
بالقضايا الإسلامية الخاصة والحساسة.
وجلنا لاحظ أن تفاعل المسلمين الموالين مع خبر رحيل
الفقيد المقدس الشيرازي قدس سره كان متناثراً وأغلبه
بعيد عن رؤى ومطارحات وأهداف الفقيد رضوان الله عليه،
لأن القارئ الحصيف لكتبه والمتابع الرزين لمحاضراته،
يكتشف أن قضية المقدس الشيرازي لم تخرج عن دائرة قضية
أهل بيت النبي عليهم السلام، فالحزن والأسى والألم على
العالم الرسالي كما عبّر أخي السيد أبو هاشم الموسوي،
لا يكون إلا بجميل التأسي به رضوان الله عليه في
الدعوة للإسلام الأصيل وطلب العلم ونشره ومخاطبة الناس
بالتي هي أحسن والتأكيد على الصدق في القول والعمل
والصبر على المكاره والصدع بالحق بحكمة وتواضع أمام
الله، مع تمكين الآخر من معرفة العلاّمة السيد محمد
رضا الشيرازي قدس سره، كما هو لا كما تقرؤه أنت، لأن
الصعب المستصعب الذي قليل منا يمكنه أن يستشفه في خطاب
الفقيد المقدس أنه يمثل خطاباً إسلامياً إنسانياً
تربوياً يتداخل ويتكامل بحيث يخطط لإستراتيجية رسالية
كبيرة، لإيجاد ما يشبه اللقاء الإنساني بين المسلمين
على المستوى الثقافي الاجتماعي بروحية علمية منفتحة
بعيدة عن الترسبات الذاتية ...
والجميل جداً في هذا، انني عشت مع العالم الرسالي دون
لقائه وكنت أدعو كل معارفي من عائلتي وأصدقائي وأحبابي
لمتابعة محاضراته التربوية ومطالعة كتبه والتركيز في
وجهه المنير بضياء الإسلام الأصيل، لما ورد عن الأطهار
عليهم السلام بخصوص النظر للعالم التقي النقي الرباني
وملازمة مجالسه حيّاً وميتاً، فلقد كان أول من عرّفني
بهذا العالم الجليل هو صديقي السيد محمود عدنان
الموسوي وبعدها حصلت على كتاب (ومضات) وكتاب (الإمام
المهدي عجّل الله فرجه الشريف والتفكير العالمي)، هذا
الكتيب الصغير الحجم الكبير الرؤية، بالإضافة لكتاب
(كيف نفهم القرآن؟) الذي انتفع به السنة والشيعة وكذا
كتاب (الترتّب) الخاص بالحوزويين...
ناهيك عن المحاضرات التي مهما سمعت منها فلا تمل ولا
تضجر، فخطابه يعلمك الرزانة ويملأ عقلك بالمعرفة بكل
محبّة وإثارة لوعيك ويحررك من أغلال نفسك ويهذبك بقصص
الصالحين ويعينك على فهم واقعك يأخذك عبر الزمن
والمكان ليصنع منك إنساناً رسالياً، يخاطب المرأة
والرجل والطفل والشيخ والعالم والعامي ويحترم الجميع،
لا تسمع عنه رواية للأطهار عليهم السلام، إلا ويكون قد
أخذ فيها جداً واجتهاداً ليكتشف جواهرها ويجعلها
حديثاً سائغاً للسامعين ...
إنه محمد بن محمد ومحمد، محمد العالم الجليل سلطان
العلماء والمؤلفين في زماننا، ومحمد المصطفى الرسول
صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله الأطهار عليهم السلام،
وهو الرضا بامتياز، وكيف لا وقد جاوره روحاً وجسداً
سنيناً فنهل من معين علمه، ونال جوار الله بجواره
للشهيد بكربلاء...
وفي الختام، هناك لفتة لابد من ذكرها، وقد عبّر عنها
المرجع الكبير السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله،
إنني شخصياً من العاشقين لشخصية الشهيد حسن الشيرازي
رضوان الله عليه، ولقد استفدت من كلماته ورسالته التي
ختمها بالشهادة العظمى، في ثبات اليقين ومعدن الصبر،
ومع الفقيد المقدس الشيرازي، اكتشفت الشهيد حسن حيّاً
أمامي فهناك تداخل وتواصل بين الشخصيتين يجعلك ترتفع
رسالياً بقدر قربك من الحقائق الولائية الإسلامية التي
تنضح سيرتا كل منهما رضوان الله عليها ...
سنبقى معك سيدي نتربى بسيرتك وكلماتك ووصاياك، كما
تربّينا مع المقدّس الأردبيلي، وببقائنا معكم سنوفق
لوسام الولاء الحقيقي للإسلام الأصيل ...
الجزائر... شعبان
1429هجرية