المرجع الشيرازي دام ظله:
لنتعلّم الرضا بما قسم الله تعالى من مولانا رسول الله وآله الطاهرين

يبحث الناس كلّهم عن السعادة، ويظن معظمهم أن السعادة في المال أو العلم، في حين إن السعادة ليست في تحصيل هذين الأمرين أو باقي الأمور المادية. فكثير من الأغنياء تراهم لا يشعرون بالرضا من حياتهم، وكثير من العلماء صار علمهم سبباً لشقائهم.
إن السعادة الحقيقة هي رضا الإنسان عن حياته وعما قدّره الله سبحانه له، وهذا الأمر إن آمن به الإنسان وطبّقه في شؤون حياته كلّها فهو سعيد وإن كان فقيراً من الناحية المالية، وإذا فقده فهو شقي وإن كان غنياً أو صاحب جاه أو شهادة علمية عالية.
هذا ما أشار إليه المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في إرشاداته القيمة التي ألقاها بعوائل من مدينة أصفهان في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة يوم الخميس الموافق للعاشر من شهر ربيع الثاني 1429 للهجرة.
وقال سماحته أيضاً: إن أسعد الناس هم الأنبياء عليهم السلام، وعلى رأسهم أشرف الأولين والآخرين مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله. فعندما أسس صلوات الله عليه وآله دولة الإسلام في المدينة كان تحت تصرفه أموال كثيرة بحيث كان يعطي لبعض الأشخاص مئة ناقة. وكان أحياناً لا يوجد عنده صلوات الله عليه وآله حتى درهم واحد، وكان صلوات الله عليه يشد الحجارة على بطنه لئلا يشعر بالجوع.
كما أنه صلوات الله عليه وآله لقي في بداية دعوته أذى كثيراً من قريش ومن المشركين، حتى أنهم كانوا يرمونه بالحجارة فيدمى صلوات الله عليه من رأسه الشريف إلى قدميه الشريفتين. ومع كل ذلك كان صلوات الله عليه وآله في قمة السعادة لأنه كان راضياً عما يقوم به، فلم يشكُ صلى الله عليه وآله ما لقيه من القوم إلى ربّه عزّ وجلّ ولم يلعنهم بل كان صلى الله عليه وآله يرفع يديه الكريمتين بالدعاء ويقول: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون»(1).
وهكذا كان حفيده الإمام الحسين سلام الله عليه، فقد نزلت يوم عاشوراء صحيفة من السماء إلى مولانا الإمام الحسين صلوات الله عليه كتب فيها ما مضمونه: إنا قد جعلنا السماوات والأرضين والملائكة والجنّ كلهم طوع أمرك، فَأْمر فيهم بما تريد من إهلاك هؤلاء الكفرة الذين خرجوا لقتالك، أو اختر لقاء ربّك، فاختار سلام الله عليه لقاء الله تعالى(2).
وأضاف سماحته: يقول مولانا الإمام زين العابدين صلوات الله عليه في دعائه الشريف المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي الذي يضم أرقى المضامين الأخلاقية المعنويّة: «ورضّني من العيش بما قسمت لي»(3). ومعنى الرضا في قول الإمام هو رضا القلب بكل ما قدّره الله تبارك وتعالى، أي أن يكون الإنسان راضياَ عما قدّره الله تعالى له من أعماق نفسه، وهذا هو السبيل الوحيد للسعادة، وإلا فلا سعادة في غير ذلك. فعلى الإنسان أن يكون راضياً عما قُدّر له ومطيعاً لله سبحانه، سواء كان في أعلى الجبل أو في قاع البئر، وغنياً كان أو فقيراً.
وشدّد سماحته قائلاً: يجدر بالمؤمنين جميعاً أن يتعلّموا صفة الرضا بالتقدير الإلهي من مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة الهداة الأطهار من آله سلام الله عليهم، فإنّ تعلّم هذا الأمر أفضل وأثمن من تعلّم العلوم المعهودة. فحري بالمؤمنين أن يتأمّلوا في سيرة الأنبياء وأولياء الله سبحانه، وأن يتدبّروا في الأدعية المروية عن المعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم كدعاء أبي حمزة الثمالي وذلك لتعلّم هذه الخصلة الحميدة والرفيعة.
وأكّد دام ظله: ليسع المؤمنون والمؤمنات إلى التخلّق بصفة الرضا ـ وهي أغلى وأثمن كنز ـ لينعموا بالسعادة، وخير معين في هذا المجال هو محاسبة النفس يومياً والتوسّل إلى الله جل شأنه بأهل البيت الأطهار صلوات الله عليهم لنيل توفيق ذلك.


(1) إيمان أبي طالب عليه السلام/ للسيد الفخار/ الفصل الثاني/ ص 144.
(2) راجع أصول الكافي/ج1/ باب أن الأئمة سلام الله عليهم يعلمون متى يموتون و.../ ص260/ح8.
(3) مصباح الكفعمي/ دعاء السحر لعلي بن الحسين سلام الله عليهما رواه حمزة الثمالي/ ص601.