اليوم الحادي عشر من محرم الحرام
في مجالس هذا اليوم (الأحد) ارتقى المنبر الحسيني
فضيلة الخطيب ذاكري، وفتاحي، وصادقي، وجابري دام
عزّهم، وتطرّقوا في أحاديثهم إلى مايلي:
• بعد أن استشهد مولانا الإمام الحسين سلام الله عليه
تسابق الكفرة على نهب بيوت آل الرسول وقرّة عين البتول
حتى جعلوا ينتزعون ملحفة المرأة على ظهرها، وخرج بنات
آل رسول وحريمه يتساعدن على البكاء ويندبن لفراق
الحماة والأحباء. وروى حميد بن مسلم قال:
رأيت امرأة من بني بكر بن وائل كانت مع زوجها في أصحاب
عمر بن سعد، فلما رأت القوم قد اقتحموا على نساء
الحسين سلام الله عليه وفسطاطهن وهم يسلبونهنّ أخذت
سيفاً وأقبلت نحو الفسطاط وقالت: يا آل بكر بن وائل
أتسلب بنات رسول الله صلى الله عليه وآله، لا حكم إلا
لله، يا لثارات رسول الله صلى الله عليه وآله، فأخذها
زوجها وردّها إلى رحله.
قال الراوي ثم أخرج النساء من الخيمة وأشعلوا فيها
النار، فخرجن حواسر، مسلّبات، حافيات، باكيات، يمشين
سبايا في أسر الذلة، وقلن: بحق الله إلا ما مررتم بنا
على مصرع الحسين سلام الله عليه، فلما نظر النسوة إلى
القتلى صحن وضربن وجوههن.
قال: فو الله لا أنسى زينب بنت علي سلام الله عليهما
تندب الحسين سلام الله عليه وتنادي بصوت حزين وقلب
كئيب: يا محمداه صلّى عليك ملائكة السماء هذا الحسين
مرمّل بالدماء، مقطّع الأعضاء وبناتك سبايا إلى الله
المشتكى وإلى محمد المصطفى وإلى عليّ المرتضى وإلى
فاطمة الزهراء وإلى حمزة سيد الشهداء، يا محمداه هذا
حسين بالعراء تسفى عليه الصبا قتيل أولاد البغايا،
واحزناه واكرباه، اليوم مات جدّي رسول الله صلى الله
عليه وآله(1).
• عن مسلم الجصاص قال دعاني ابن زياد لعنة الله عليه
لإصلاح دار الإمارة بالكوفة فبينما أنا أجصّص الأبواب
وإذا أنا بالزعقات قد ارتفعت من جنبات الكوفة، فأقبلت
على خادم كان معنا فقلت: ما لي أرى الكوفة تضج؟ قال:
الساعة أتوا برأس خارجي خرج على يزيد، فقلت: من هذا
الخارجي؟ فقال: الحسين بن علي سلام الله عليهما.
قال: فتركت الخادم حتى خرج ولطمت وجهي حتى خشيت على
عيني أن تذهب وغسلت يدي من الجص وخرجت من ظهر القصر
وأتيت إلى الكناس، فبينما أنا واقف والناس يتوقعون
وصول السبايا والرءوس إذ قد أقبلت نحو أربعين شقة تحمل
على أربعين جملاً فيها الحرم والنساء وأولاد فاطمة
سلام الله عليها وإذا بعلي بن الحسين سلام الله عليهما
على بعير بغير وطاء وأوداجه تشخب دماً وهو مع ذلك يبكي
ويقول:
يا أمة السوء لا سقيا
لربعكم يا
أمة لم تراع جدنا فينا
لو أننا ورسول الله يجمعنا
يوم القيامة ما كنتم تقولونا
تسيرونا على الأقتاب عارية
كأننا لم نشيد فيكم دينا
وقال: ثم إن أم كلثوم أطلعت رأسها من المحمل وقالت
لهم: صه يا أهل الكوفة تقتلنا رجالكم وتبكينا نساؤكم،
فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء، فبينما هي
تخاطبهن إذا بضجة قد ارتفعت، فإذا هم أتوا بالرءوس
يقدمهم رأس الحسين سلام الله عليه وهو رأس زهري قمري
أشبه الخلق برسول الله صلى الله عليه وآله ولحيته
كسواد السبج قد انتصل منها الخضاب ووجهه دائرة قمر
طالع والرمح تلعب بها يمينا وشمالاً، فالتفتت زينب
فرأت رأس أخيها فنطحت جبينها بمقدم المحمل حتى رأينا
الدم يخرج من تحت قناعها وأومأت إليه بخرقة وجعلت
تقول:
يا هلالاً لمّا استتم
كمالاً
غاله خسفه فأبدا غروباً(2)
• لقد کان قتل ريحانة رسول الله صلی الله عليه وآله
من أعظم الأحداث الجسام التي روّع بها المسلمون
وامتحنوا بها امتحاناً شاقاً وعسيراً، کما انها من
أفجع الأحداث العالمية، فقد کانت القسوة التي قوبلت
بها عترة النبي صلی الله عليه وآله من أفظع ما جری في
تاريخ العالم.
فقد مارس أولئك الجفاة الممسوخون من جيش يزيد جميع
ضروب الخسة وألوان اللوم. وتنکروا لجميع القيم
الإنسانية والأعراف السائدة، وما قننه الناس من معاني
الفضيلة والأخلاق، فقتلوا الرجال والأطفال والنساء بعد
أن حرموهم من الماء، ومثّلوا بتلك الجثث الزواكي,
وحملوا الرؤوس الطاهرة على الحراب, وسبوا ودائع الرسول
الأعظم صلی الله عليه وآله علی أقتاب الجمال يطاف بهن
في الأقطار والأمصار، ليظهر الطاغية قهره لآل النبي
صلی الله عليه وآله وتغلّبه عليهم، وکل هذه الأحداث
جرت بأمره وإلحاحه، فهو المسؤول عنها.
أما الملعون ابن زياد فلم يكن سوى آلة وأداة بيده,
ومنفّذ لرغباته.