اليوم الخامس من محرم الحرام

ارتقى المنبر الحسيني في هذا اليوم (الاثنين) الخطباء الأفاضل: الشيخ شفيعي، وحاجيان، وروحاني دام عزّهم، وكان من أهم ما تطرّقوا إليه في أحاديثهم ما يلي:
• إن البكاء محبوب عند الله تعالى وفي جميع الأديان، سواء كان من خشية الله، أو على نكبة.
وأما البكاء على مآسي أهل البيت الأطهار صلوات الله عليهم وبالذات مأساة واقعة الطف فإنه مستحبّ، وعليه ثواب عظيم. وقد كان الأنبياء والأئمة عليهم السلام _ الذين هم المثل العليا للإنسان الفاضل ـ لا يكفكفون دموعهم إذا انبجست أبداً.
ذكرت الروايات الشريفة أنه: لَمَّا انصَرَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله مِن أُحُدٍ رَاجِعاً مَرَّ صلى الله عليه وآله عَلَى دُورٍ مِن دُورِ الأنصَارِ مِن بَنِي عَبدِ الأشهَلِ، فَسَمِعَ البُكَاءَ والنَّوَائِحَ عَلَى قَتلاهُم، فَذَرَفَت عَينَاهُ وبَكَى، ثُمَّ قَالَ:
لَكِنَّ حَمزَةَ لا بَوَاكِيَ لَهُ. فَلَمَّا رَجَعَ سَعدُ بنُ مُعَاذٍ وأُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ إِلَى دَارِ بَنِي عَبدِ الأشهَلِ أَمَرَا نِسَاءَهُم أَن يَذهَبنَ فَيَبكِينَ عَلَى عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله، فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله بُكَاءَهُنَّ عَلَى حَمزَةَ خَرَجَ إِلَيهِنَّ وهُنَّ عَلَى بَابِ مَسجِدِهِ يَبكِينَ قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: ارجِعنَ يَرحَمُكُنَّ اللَّهُ فَقَد وَاسَيتُنَّ بِأَنفُسِكُنَّ(1).
كما أن النبي المصطفى صلى الله عليه وآله عندما علم باستشهاد سيدنا جعفر بن أبي طالب سلام الله عليهما في معركة مؤتة قال: على مثل جعفر فلتبك الباكية(2).
وكتب الشهيد الثاني قدّس سرّه في كتابه (مسكن الفؤاد): قد ورد البكاء في المصائب عن النبي صلى الله عليه وآله ومن قبله من لدن آدم عليه السلام وبعده من آله وأصحابه مع رضاهم وصبرهم وثباتهم. فأوّل من بكى آدم عليه السلام على ولده هابيل ورثاه بأبيات مشهورة وحزن عليه حزناً كثيراً، وإن خفي شي‏ء فلا يخفى حال يعقوب عليه السلام حيث بكى حتى ابيضّت عيناه من الحزن على يوسف عليه السلام(3).
وعن أنس بن مالك قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وآله على سيف الفتن وكان ظئراً لإبراهيم عليه السلام، فأخذ رسول الله صلى الله عليه يقبّله ويضمّه إلى صدره. ثم دخل عليه بعد ذلك وإبراهيم عليه السلام يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله تبكي؟
فقال: يا ابن عوف أنها رحمة، ثم أتبعها بأخرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلاّ ما يرضي ربّنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون(4).
• لقد اتصف جيش الأمويين الكفرة بصفات ذميمة ومخزية كالوحشية والخسّة والدناءة وقسوة القلب. فقد قاموا بعد انتهاء معركة الطف بأفعال يندى لها جبين الإنسانية، ومنها أنهم بعد استشهاد مولانا الإمام الحسين صلوات الله عليه أقبلوا على سلبه، فأخذ أحدهم قميصه، وأخذ آخر عمامته، وجاء آخر فرأى الخاتم في إصبع الإمام ـ بأبي هو وأمّي ـ والدماء عليه، فقطع إصبعه وأخذ الخاتم، وأراد رجل منهم أخذ تكة سروال الإمام وكان لها قيمة. يقول هذا الملعون:
كنت فيمن قتل الحسين [سلام الله عليه] بكربلاء، فلما قتل رأيت عليه سراويلاً وتكة حسنة بعد ما سلبه الناس، فأردت أن أنزع منه التكة، فرفع يده اليمنى ووضعها على التكة، فلم أقدر على دفعها، فقطعت يمينه، ثم هممت أن آخذ التكة، فرفع شماله فوضعها على تكته، فقطعت يساره، ثم هممت بنزع التكة من السراويل فسمعت زلزلة، فخفت وتركته، فألقى الله عليّ النوم فنمت بين القتلى، فرأيت محمداً صلى الله عليه وآله أقبل ومعه عليّ وفاطمة فأخذوا رأس الحسين فقبّلته فاطمة ثم قالت: ياولدي قتلوك قتلهم الله، من فعل هذا بك، فكان يقول: قتلني شمر وقطع يداي هذا النائم، وأشار إليّ، فقالت فاطمة لي: قطع الله يديك ورجليك وأعمى بصرك وأدخلك النار، فانتبهت وأنا لا أبصر شيئاً وسقطت منّي يداي ورجلاي ولم يبق من دعائها إلاّ النار(5).


(1) مستدرك الوسائل/ ج2/ باب 58 جواز النوح والبكاء على الميت/ ص 384/ ح3.
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد/ ج15/ الفصل الخامس في شرح غزاة مؤتة/ ص 70.
(3) مسكن الفؤاد/ للشهيد الثاني قدس سره/ ص 100.
(4) المصدر نفسه/ ص 101.
(5) مقتل الخوارزمي/ ج2/ ص 102.