سماحة السيد دام ظله خلال توجيهاته بطالبات حوزة
الزهراء:
رأس الخير تعلّم علوم أهل البيت سلام الله عليهم

إن عامّة الناس يقتصر فكرهم وهمتهم على المنافع
الدنيوية فقط، فترى الكثير منهم يسعى لأن يحصل على
الثروة والجاه والمنصب والشهرة أكثر من غيره. في حين
يشير القرآن الكريم إلى أن همّ المؤمنين والمؤمنات هو
الآخرة ويسعون إلى ما يوجب لهم رضوان الله تعالى
والسعادة الأبدية.
هذا ما أشار إليه المرجع الديني سماحة آية الله العظمى
السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في توجيهاته
القيمة التي ألقاها في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة
بجمع من أساتذة وطالبات (حوزة الزهراء سلام الله عليها
للعلوم الدينية) يوم الأربعاء الموافق للعاشر من شهر
ذي القعدة الحرام 1428 للهجرة.
وقال سماحته أيضاً: إن القرآن الكريم يدعو
المؤمنين والمؤمنات إلى التسابق في الخيرات بقوله عزّ
من قائل: «خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ
فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ»(1). والخير له
مفهوم واسع وكل عمل فيه خدمة للآخرين يكون مصداقاً
للخير، كإطعام الفقير، وقضاء حوائج المؤمنين وما إلى
ذلك. وهنالك أمران في قمّة الخير كله وهما العلم
والتقوى، مع شرائطهما اللازمة لهما طبعاً. فالعلم
والتقوى من أفضل الخيرات، ومن يقضي عمره في طلب العلم
والالتزام بتقوى الله تعالى ويجدّ ويجتهد في ذلك سيكون
من المبيضة وجوههم في الآخرة ويحظى بمقام القرب من
الله جلّ شأنه ومن رسول الأكرم وآله الطاهرين سلام
الله عليهم أجمعين.
ووصف سماحته الحوزة العلمية بأنها مركز للعلم
والتقوى وقال: نعم في كل زمان وفي كل حوزة نجد
أشخاصاً يدخلون الحوزة ليستغلّوها في الأمور السيّئة،
ولكن وجود هؤلاء وهم قلّة قليلة ليس له منافاة مع كون
الحوزة مركزاً للعلم والتقوى. ومثلها كمثل بيت سيدنا
رسول الله صلّى الله عليه وآله وبيوت باقي المعصومين
صلوات الله عليهم فهي بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر
فيها اسمه ولكن أشخاصاً لم يراعوا حرمة هذه البيوت
ودخلوا فيها لأمور كانت لغير تعلّم العلم والتقوى.
واعتبر سماحته العلم والتقوى بأنهما سلاحان مؤثران
وقال: يمكن للعلم أن يكون أشد فتكاً وضرراً من
السلاح النووي، هذا إذا لم يكن مصحوباً بالتقوى. فكل
الذين لم يتمسكوا بولاية أهل البيت سلام الله عليهم
وانحرفوا عنهم بمذاهب وأفكار ابتدعوها هم أصحاب علم
خلا من تقوى الله تعالى. وكذلك عمل الخير إن لم يكن عن
علم ودراية فلا ثمرة فيه أبداً، كما في الحديث الشريف
عن مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله: «من عمل
على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح»(2).
أما العلم المقرون بالتقوى فإنه منشأ خير الدنيا
والآخرة.
وفي سياق كلامه ذكر سماحته عدداً من علماء السوء
على مرّ التاريخ فذكر أحدهم وهو أبو يوسف القاضي الذي
عاش في زمن مولانا الإمام الكاظم صلوات الله عليه
وقال: جاء في الروايات الشريفة عَنْ مُحَمَّدِ
بْنِ الْفُضَيْلِ وبِشْرِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ:
قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: أَلا
أَسُرُّكَ يَا ابْنَ مُثَنًّى؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى
وقُمْتُ إِلَيْهِ.
قَالَ: دَخَلَ هَذَا الْفَاسِقُ آنِفاً، فَجَلَسَ
قُبَالَةَ أَبِي الْحَسَنِ سلام الله عليه ثُمَّ
أَقْبَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ
مَا تَقُولُ فِي الْمُحْرِمِ أَيَسْتَظِلُّ عَلَى
الْمَحْمِلِ؟ فَقَالَ لَهُ: لا.
قَالَ: فَيَسْتَظِلُّ فِي الْخِبَاءِ؟ فَقَالَ لَهُ:
نَعَمْ.
فَأَعَادَ عَلَيْهِ الْقَوْلَ شِبْهَ الْمُسْتَهْزِئِ
يَضْحَكُ، فَقَالَ: يَاأَبَا الْحَسَنِ فَمَا فَرْقُ
بَيْنِ هَذَا وَهَذَا؟
فَقَالَ: يَا أَبَا يُوسُفَ إِنَّ الدِّينَ لَيْسَ
بِقِيَاسٍ كَقِيَاسِكُمْ أَنْتُمْ تَلْعَبُونَ
بِالدِّينِ، إِنَّا صَنَعْنَا كَمَا صَنَعَ رَسُولُ
اللَّهِ صلى الله عليه وآله، وَقُلْنَا كَمَا قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله، كَانَ رَسُولُ
اللَّهِ صلى الله عليه وآله يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ فلا
يَسْتَظِلُّ عَلَيْهَا وَتُؤْذِيهِ الشَّمْسُ
فَيَسْتُرُ جَسَدَهُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ وَرُبَّمَا
سَتَرَ وَجْهَهُ بِيَدِهِ وإِذَا نَزَلَ اسْتَظَلَّ
بِالْخِبَاءِ وفَيْءِ الْبَيْتِ وفَيْءِ
الْجِدَارِ(3).
وأكّد دام ظله: إن تقوى الله تعالى والعلم
النافع هما اللذان ينفعان الإنسان في حياته وبعد
مماته. والخير الكثير منشأه العلم المقرون بالتقوى.
فيجدر بالمؤمنين والمؤمنات أن يتسابقوا في تحصيل علوم
أهل البيت سلام الله عليهم، وفي الالتزام بالتقوى
الحقيقية وأن يشجّعوا ويرغّبوا أرحامهم وأصدقاءهم
لسلوك هذا الطريق. وكل من يرتقي في هذا المجال أكثر
يستطيع أن يؤثر أكثر على علماء المذاهب والفرق الباطلة
وأن يهدي الكثير من عباد الله إلى نور أهل البيت صلوات
الله عليهم أجمعين.
 |
 |