المرجع الديني سماحة السيد الشيرازي دام ظله يؤكّد:
محاسبة النفس هي السبيل لمجاهدة النفس ونيل رضا الله عزّ وجلّ

في يوم الثلاثاء الموافق للخامس والعشرين من شهر شوال المكرّم 1428 للهجرة ذكرى استشهاد سادس أئمة الهدى الأخيار الأطهار، سيدنا الإمام جعفر الصادق صلوات الله عليه، قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم جمع من تجار وكسبة مدينة أصفهان واستمعوا إلى إرشادات سماحته التي استهلها بالحديث الشريف عن الإمام الصادق صلوات الله عليه: «ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل خيراً [حسناً] استزاد الله منه وحمد الله عليه، وإن عمل شراً استغفر الله منه وتاب إليه»(1)، وقال:
هذا الحديث الشريف له ارتباط وثيق مع كل واحد منّا دائماً، مهما كان وفي أي مكان. فالإنسان يتكلّم خلال اليوم والليلة كثيراً ويعمل كثيراً، فما أحوجه لأن يجلس وحده ويحاسب نفسه على ما قاله وعمله، وكيف تعامل مع الزبائن وزملاء العمل، ويتأمل في صحيفة أعماله، فإن كان ما قدّمه جيداً يشكر الله سبحانه عليه ويصمّم على المواصلة في هكذا أعمال، وإن كانت سيئة كبخس في الميزان والمكيال، أو غشّ وغير ذلك من الأمور غير الصحيحة يبادر إلى الاستغفار والتوبة ويعزم على عدم تكرارها.
وأوضح سماحته: يجدر بالزوج أن يراجع تصرفاته مع زوجته ويدين نفسه إن كان قد تصرّف بسوء معها ويصمم على تجنبّ ذلك. وهكذا يجدر أن تقوم الزوجة تجاه زوجها، والوالدان مع أولادهما، والأولاد مع آبائهم، والكاسب مع المشتري، والمشتري مع الكاسب، والأصدقاء وزملاء العمل والشركاء بعضهم مع بعض.
ثم ذكر سماحته قصة عن أحد الكسبة وقال: ذكر لي أحد كسبة أصفهان قصة عن زميل له وقال:
كان لأحد من زملائي الكسبة بضاعة رغب فيها أحد زملائه في العمل وأراد شراءها، إلا أنه كان فاقداً للمال حينها فاشتراها نسيئة، وبعد أن توافق مع البائع التفت إليه وقال: ليس لدي مكان أضع فيه هذه البضاعة فهل من الممكن أن أودعها عندك؟ فقبل البائع وبقيت البضاعة عنده ولم يستلم شيئاً من المال.
وبعد أيام ارتفعت قيمة البضاعة وجاء زميل آخر للبائع وقال: أنا أشتري منك البضاعة، فقال البائع: لقد بعتها، فقال زميله: إنني مستعد أن أشتريها منك بقيمة أكثر وأعطيك المبلغ نقداً ، إلا أن البائع أصرّ على رأيه وقال: لقد بعتها لآخر قبلك، ولاحقّ لي بالتصرف فيها.
فالتفت زميله إليه وقال : وهل يقال لمثلك كاسب؟!
قال له: وهل بفعل الحرام أكون ـ بنظرك ـ كاسباً؟!!
وعقّب سماحته: إن امتناع ذلك البائع وتحمله للخسارة في عدم بيعه البضاعة للثاني بربح أكثر كانا سبباً في تحوله إلى تاجر كبير.
وعلّق دام ظله موكّداًً: إن الله تعالى لا يمتحن الإنسان بالصلاة والصيام والزكاة والخمس وبباقي العبادات فحسب، بل يمتحنه في هكذا أمور أيضاً، في كل لحظة وفي كل يوم، ومحاسبة الإنسان نفسه كل يوم على كل صغيرة وكبيرة تصدر منه تصونه من اقتراف المحرّمات ومن الزلل ومن الوقوع في الهاوية. فربّ ذنب صغير يصدر من الإنسان ويستصغره ولا يتوب منه فيكون سبباً لدخوله النار ـ والعياذ بالله ـ ، وربّ حسنة واحدة تكون سبباً لدخوله الجنة كما صرّحت الروايات الشريفة عن المعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم بذلك.
كما أن محاسبة النفس تكون عوناً للإنسان في مجاهدة النفس والتغلّب عليها والتي يقول عنها مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله: «أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك»(2). فمحاسبة النفس هي السبيل لنيل عفو الله تعالى ومغفرته، وهي الوسيلة للتغلّب على شهوات النفس. فيجدر بالمؤمنين أن يواظبوا على محاسبة أنفسهم كل يوم ولو لدقائق حتى ينالوا مرضاة الله تعالى ولا يكونوا مشمولين بالحديث الشريف الذي ذكرته آنفاً عن مولانا الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه.
جدير بالذكر، أن الزوّار الكرام أقاموا مجلساً للعزاء بمناسبة ذكرى استشهاد مولانا الإمام الصادق صلوات الله عليه قبل استماعهم لإرشادات سماحة السيد دام ظله.


(1) الزهد/ حسين بن سعيد الأهوازي/ باب التوبة والاستغفار والندم/ ص 76/ ح203.
(2) عدّة الداعي/ العلاّمة ابن فهد الحلّي/ ص 307.