سماحة المرجع الشيرازي دام ظله مخاطباً طلاباً من النجف الأشرف:
التعبئة العلمية والتقوى الحقيقة سلّما الرقي والسعادة في الدارين

قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة يوم الخميس الموافق للسادس من شهر شوال المكرّم 1428 للهجرة جمع من طلاب الحوزة العلمية من مدينة النجف الأشرف، فألقى سماحته فيهم كلمة قيّمة استهلها بالآية الشريفة: «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب»(1)، وقال:
أنتم الفضلاء وطلاب الحوزة العلمية وبالخصوص الشباب لستم الرعيل الأول. فقبلكم جاء الكثير من أمثالكم ودرسوا وكبروا وأدّى كل واحد منهم دوره وذهبوا إلى الله تعالى ليعيشوا في الآخرة بما أعدّوه في دنياهم، وسيأتي من بعدكم الكثير وسيدرسون، ولكن مَن منكم ومَن مِن الذين سيأتون بعدكم سيكون كالشيخ المفيد والشريفين المرتضى والرضيّ والشيخ الطوسي والأنصاري والمحقق الحلّي والعلاّمة الحلي وصاحب الجواهر والسيد كاظم اليزدي والآخوند الخراساني؟
ثم ما الذي ميّز هؤلاء الأجلاء عن غيرهم من العلماء ليبقوا خالدين؟ وما ميزة الذين عاشوا بسعادة في الدنيا وحظوا بآخرة عظيمة جداً؟
فأجاب سماحته: إن عمدة ما امتاز بهم العلماء الماضون كالذين ذكرتهم آنفاً هو أنهم التزموا بأمرين هما:
الأول: التعبئة العلمية. حيث كانوا يستثمرون كل لحظة من حياتهم في طلب العلم والدراسة والمباحثة، ولم يكن عندهم عطل كما هو عليه الحال اليوم في نظام الحوزة، فكانوا يدرسون شتاءً وصيفاً، وكانوا يتعرضون لأنواع الصعوبات والأذى، وكانوا يتحملون الأتعاب والمشاق ولم ينثنوا عن الدرس وكسب العلم أبداً. وكمثال عن ذلك أذكر لكم القصة التالية عن أحدهم؛ ففي أحوالهم عبرة لنا جميعاً، والقرآن الكريم يقول: «لقد كان في قصصهم عبرة»(2) :
كان الشيخ صاحب الجواهر رحمه الله تعالى يصرّ على تلامذته بالتصريح بما يرد في أذهانهم من إشكالات في جلسة الدرس، ولهذا كانت جلسات درسه غنية بالبحث والمناقشة.
في إحدى الأيام الحارة جداً من الصيف ـ حيث كانت درجة الحرارة تتعدى الأربعين ـ أنهى الأستاذ (صاحب الجواهر) الدرس ولكنّ أيّاً من التلاميذ لم يورد إشكالاً أو يسأل سؤالاً، فتعجّب الشيخ وقال: هل كان حديثي وحياً منزلاً فلم يشكل عليه أحد؟
فقال التلاميذ في جوابه: لقد كان البرغوث كثيراً ليلة أمس فلم نستطع المطالعة.
(وكانت الحشرات وبخاصة البرغوث تكثر في أيام الصيف في كربلاء المقدسة والنجف الأشرف على مشرّفيهما أفضل صلوات الله وسلامه وأتذكّر أنها كانت تغطّي السماء في بعض الليالي وتتساقط في صفحات الكتاب بكثرة تمنع الطالب من المطالعة).
فقال الأستاذ: أجل لقد كان البرغوث كثيراً وكانت المطالعة عسيرة، ولكني كنت مجبراً على التحضير، لأن دوري لا يقتصر على الاستماع مثلكم بل عليّ أن ألقي الدرس. ففكّرت ما الذي أفعله؟ فتذكّرت أنه توجد غرفة في السطح كنّا قد اتخذناها مخزناً نضع فيه الفحم والحطب والأشياء العديمة الفائدة، ففكّرت بالذهاب لتلك الغرفة غير أنها كانت وسخة ويعلوها التراب لأنها كانت مهملة، ولذلك نزعت ملابسي واكتفيت بإزار، وحملت مصباحاً ثم دخلت المخزن وأوصدت الباب لئلا تدخله البراغيث!
ولكن المشكلة أن الغرفة لم تكن نظيفة وكان الجو حاراً وكانت الحشرات والصراصير تسرح وتمرح على ظهري.
وأضاف سماحته: كما قرأت في كتب تراجم العلماء الأعلام أنه توفي أحد المراجع ممن كانت له زعامة المرجعية فدارت المرجعية بعده بين مئة مرجع، وهذا يدلّ على أنّ طلاب ذلك الزمان كانوا يجدّون في طلب العلم. فقد نقل لي إبن الشيخ عبد الكريم الحائري رضوان الله تعالى عليه ـ وهو مؤسس الحوزة العلمية بمدينة قم المقدسة ومن تلاميذ المجدد الكبير الميرزا السيد حسن الشيرازي قدّس سره الشريف صاحب ثورة التبغ المعروفة ـ أن والده كان يردّد دائماً: حوزة سامراء، حوزة سامراء!
فسألته: ومابال حوزة سامراء؟
قال: كان فيها ثلاثمئة طالب يدرسون على يد المجدد الشيرازي.
فقلت: ثلاثمئة طالب، فما الفخر في ذلك؟
قال: لقد صار كلّهم من بعد المجدد مراجع تقليد.
الثاني: التقوى الحقيقية، ومعناها مخافة الله سبحانه في كل صغيرة وكبيرة. ومفتاح التقوى هو محاسبة النفس كل يوم ولو لبضع دقائق، كما أكّدت الروايات الشريفة عن أئمة الهدى الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين، ومنها قول الإمام الكاظم صلوات الله عليه: «ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل حسناً استزاد الله، وإن عمل سيّئاً استغفر الله منه وتاب إليه»(3).
وأكّد دام ظله: أنتم وأمثالكم مكلّفون بالالتزام بالأمرين الذين ذكرتهما، فلا تضيّعوا أوقاتكم ولو بمقدار دقيقة واحدة، بل استفيدوا منها بالمطالعة والمباحثة، والتدريس وماشابه ذلك، واتقوا الله تعالى دوماً في كل حياتكم، حتى تحظوا بالمنزلة العظيمة والمكانة العلمية الرفيعة التي نالها علماؤنا الأعلام من السلف الصالح، وحتى تنالوا رضا الله جلّ وعلا، وتسعدوا في الدارين.


(1) سورة الزمر: الآية9.
(2) سورة يوسف: الآية 111.
(3) أصول الكافي/ ج2/ باب محاسبة العمل/ ص 453/ ح2.