الليلة الخامسة عشرة

في ليالي شهر رمضان المبارك يتوافد العلماء والفضلاء وطلاب الحوزة العلمية ومختلف الشخصيات وعامة المؤمنين على بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في مدينة قم المقدسة.
وخلال لقائهم بسماحة السيد يدور الحديث حول المباحث العلمية والمسائل الفقهية والتاريخية والثقافية، إضافة إلى ما يتفضل به سماحته من وصايا و توجيهات.

في هذه الليلة زار المرجعَ الدينيَ سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله عدد من فضلاء الحوزة العلمية من العراق وبرفقتهم أحد المجاهدين من عشيرة الدليم ـ حيث إن عشيرة الدليم تضم الشيعة والعامة ـ من منطقة جبلّة التابعة لمدينة الحلّة، وهو من ضحايا الإجرام البعثي الصدامي. فقد قطع لسانه فترة النظام الساقط بسبب تكلّمه على المقبور صدام، وحينها تمكن أحد الأطباء الشيعة باحتياله على البعثيين المجرمين أن يجري له عملية جراحية أنقذته من الخرس.
كما أصيبت يده اليسرى ـ من الكتف إلى الكف ـ بجراحات بالغة إثر رصاص الحقد البغيض من قبل أعداء أهل البيت صلوات الله عليهم في الفترة الأخيرة.
وتوجّه هذا المجاهد الغيور إلى سماحة السيد دام ظله قائلاً:
أنا فخور بما أصبت به، وأطلب من الله تعالى أن يقتص لي مولاي الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه يوم القيامة من المجرم صدام المقبور وأعوانه.
أما سماحة السيد دام ظله فقال له: يقول مولانا الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه: «يومُ المظلومِ على الظَّالم أشدُّ من يوم الظَّالم على المظلومِ»(1).
وتقول مولاتنا فاطمة الزهراء صلوات الله عليها في خطبتها وهي تصف يوم القيامة: «فنعم الحكم الله والزعيم محمد والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون»(2).
وقال أحد الفضلاء الحاضرين لسماحة السيد دام ظله: في هذا العالم الكبير والرحب تصب البلايا والأزمات على البلاد الإسلامية فقط وبالذات على أتباع أهل البيت صلوات الله عليهم.
فقال سماحته: لكل أزمة ومشكلة نهاية، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الزمان نهاية للبلايا والأزمات والمشاكل.
وأردف سماحته: إن محمد بن أبي عمير كان من خواصّ أصحاب الإمام موسى بن جعفر سلام الله عليهما وله مكانة سامية عند أهل البيت صلوات الله عليه. هذا الصحابي الجليل سجنه هارون العباسي سبعة عشر عاماً، وتعرّض إلى أشدّ أنواع الأذى والعذاب من قبل جلاوزة هارون. وذكر التاريخ عنه أمرين لم يذكرهما لغيره. فقد كان من المعمول لدى السلاطين أنهم ما كانوا يحضرون عمليات تعذيب الضحايا حتى لا تنسب لهم هذه المظالم. لكن هارون حضر بنفسه عندما جلدوا محمد بن أبي عمير بالسياط، هذا أولاً.
أما ثانياً فقد نقلوا في التاريخ أنه من جملة الأدوات التي كانت تستعمل لتعذيب السجناء خشبة كان طولها نصف متر وعرضها عشرون سانتيمتراً، وكانوا يجعلون فيها مسامير، وكانوا يعرّون السجين ويضربونه بهذا الخشبة. فكان بعض السجناء يغمى عليه بأول ضربة. وقد ضرب محمد بن أبي عمير بهذه الخشبة ألف ضربة.
وعقّب سماحته: على المؤمنين أن يتأسوا بإخوانهم الماضين ويتعلّموا منهم الاستقامة والثبات على الحق، ويتحمّلوا الأذى والمتاعب الدنيوية، فالعاقبة للمتقين.


(1) نهج البلاغة/ باب الحِكَم/ ص 511/ الحكمة 241.
(2) الاحتجاج/ احتجاج فاطمة الزهراء سلام الله عليها على القوم/ ص 102.