الليلة الحادية عشرة

في ليالي شهر رمضان المبارك يتوافد العلماء والفضلاء وطلاب الحوزة العلمية ومختلف الشخصيات وعامة المؤمنين على بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في مدينة قم المقدسة.
وخلال لقائهم بسماحة السيد يدور الحديث حول المباحث العلمية والمسائل الفقهية والتاريخية والثقافية، إضافة إلى ما يتفضل به سماحته من وصايا و توجيهات.

في هذه الليلة قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازى دام ظله عدد من الفضلاء من إيران وخارجها كان منهم نجل المرجع الراحل آية الله العظمى السيد الميرزا جواد التبريزي قدس سره.
وخلال كلامه مع سماحة السيد الشيرازي دام ظله تحدث الشيخ التبريزي حول الأهمية التي كان يوليها والده رحمة الله عليه لقضية الإمام الحسين صلوات الله عليه، وللمجالس الحسينية، والشعائر الحسينية، وقال:
عندما كان أبي رحمه الله يبكي على مصائب الإمام الحسين صلوات الله عليه كان يمسح دموعه بمنديل خاص. وقد أوصى مؤكّداً أن نضع هذا المنديل في كفنه عند الدفن.
أما سماحة السيد الشيرازي دام ظله فقد أشار إلى ضرورة التأسّي بسيرة العلماء الصالحين وعمل عملهم، وعدم الاكتفاء بذكرهم أو التفاخر بهم فقط وقال: يقول مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه في إحدى خطبه التي تحوي كلمات رائعة وعجيبة والتي قال عنها ابن أبي الحديد المعتزلي (لقد قرأت هذا الكلام ألف مرة خلال خمسين سنة): «ولأن يكونوا عِبَراً أحق من أن يكونوا مفتخراً»(1) .
وتحدّث سماحته حول فضل التمسك بأئمة أهل البيت صلوات الله عليه وحبّهم وإحياء أمرهم وقال:
لقد قال المحقق الأردبيلي رضوان الله تعالى عليه وهو يشير إلى المرقد الطاهر لمولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه في مدينة النجف الأشرف:
وجدنا سوق العمل كساداً، وما نفعنا إلاّ حبّ صاحب هذا القبر
ثم نقل سماحته قصة وقال: نقل لي فضيلة السيد جواد اليزدي ـ أحد فضلاء مدينة يزد الإيرانية ـ أنه قال: كان يتردد علينا رجل مسن من الزرادشتية وكان يجلس معنا للحديث حول أمور مختلفة، فقلت له ذات مرة: ألا تسلم؟
قال: لا.
قلت له: لماذا؟
قال: لأني لم أر أمراً سيّئاً في ديني.
يقول السيد اليزدي: في إحدى جلساتي مع هذا الرجل قال لي: أذكر لك شيئاً وهو أني أحبّ إمامكم الحسين وأحضر مجالسه وأبكي عليه، وأحبّ إمامكم الرضا أيضاً وكنت أتشوّق كثيراً إلى زيارة مرقده، خصوصاً عندما كنت أشاهد مواكب السيارات في شوارع المدينة وهي تقلّ الزوّار في طريقها إلى مدينة مشهد. وذات مرة شاهدت سيارة فيها اُناس لا أعرفهم ولا يعرفونني وهم عازمون على الذهاب إلى مشهد، فتقدّمت نحوهم وقلت لهم:
أريد الذهاب إلى مشهد، فهل لي مكان في سيارتكم؟
قالوا: نعم، تفضل. فذهبت معهم إلى مدينة مشهد، وعندما وقفت أمام الروضة الرضوية المقدسة أخذتني العبرة وسالت دموعي، وطرت من الفرح والشوق، وكنت أتحاشى الدخول للصحن لأني برأي المسلمين نجس. ولكني لم أتحمّل ذلك فقرّرت أن أشتري جوراباً وألبسه وأدخل الصحن الشريف حتى لا يتنجس، ففعلت ذلك ودخلت الصحن وبكيت كثيراً هناك، فارتاحت نفسي واستقرّت وأحسست بخفتها.
ثم شاهدت الناس يطوفون حول الضريح الطاهر ويلمسونه، فقلت مع نفسي أنه يجب عليّ أن ألمسه. فخرجت من الصحن وذهبت إلى إحدى الدكاكين واشتريت قفازاً ولبسته ثم رجعت إلى الصحن الشريف ودخلت إلى المرقد ولمست الضريح، فازددت فرحاً وخفة، ولم أفرح في عمري كلّه فرحة كهذه.
يقول السيد اليزدي: انقطع عنّا هذا الرجل لفترة، وبعدها جاء أولاده وقالوا: لقد مات أبونا يوم أمس، وقبل وفاته قال لنا: إذا مت فلا تعملوا مع جنازتي أي شيء، واذهبوا إلى السيد جواد اليزدي وقولوا له تصرّف مع الجنازة كما ترى.
وعقّب سماحة السيد الشيرازي دام ظله: إن الدنيا لا تعرف شيئاً عن أهل البيت صلوات الله عليهم، وحقيقة إن عرفوا أهل البيت فسيتبعونهم. وهذا بحاجة إلى بذل الهمم من العلماء والتجار والمثقفين وخصوصاً الشباب.
من جانب آخر، سأل أحد الفضلاء من أفغانستان سماحة السيد دام ظله: توجد في أفغانستان مؤسسات خاصة لإعطاء ديون لمن يريد البحث عن العمل أو التكسب، ويشترطون الزيادة على الديون عند تسديدها، فماهي برأيكم هذه الزيادة، علماً أن تسديد هذه الديون يكون بالأقساط؟
قال سماحته: هذه الزيادة هي ربح.


(1) نهج البلاغة/ باب الخطب/ الخطبة 221.