المرجع الديني سماحة السيد الشيرازي دام ظله:
ازرعوا الخير في الدنيا كي تحصدوا الخير في الآخرة

زار المرجعَ الدينيَ سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله ببيته المكرم بمدينة قم المقدسة يوم السبت الموافق للتاسع والعشرين من شهر جمادى الآخرة 1428 للهجرة جمع من الزوّار السعوديين أعضاء حملتي (نور الرضا) و(العقيلة) واستمعوا إلى إرشاداته القيمة التي استهلها سماحته بالرواية الشريفة التالية: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «أنتم في ممر الليل والنهار في آجال منقوصة وأعمال محفوظة والموت يأتيكم بغتة، فمن يزرع خيراً يحصد غبطة، ومن يزرع شراً يحصد ندامة»(1).
ثم عقّب سماحته بالقول: إن مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله يعبّر في هذا الرواية الشريفة عن حقيقة الليل والنهار بأنهما ممر.
إذن؛ فالإنسان مهما عاش في هذه الدنيا، ومهما عمّر فيها، فإن مدة حياته تكون بمثابة ممر، ليس إلاّ. فمثلاً لو سألنا شخصاً عمره أربعين سنة: كيف قضيت هذه السنين من عمرك؟ لقال كما قال القرآن الكريم: « قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ»(2). وهذه الحقيقة لا يصدّق بها أغلب الناس إلاّ بعد مماتهم.
وأضاف سماحته: صحيح أن الفترة التي يقضيها المرء في هذا الممر قصيرة ولكن لها دوراً مصيرياً ومؤثراً وبالغاً جداً على حياته فيما بعد الممات. فما يزرعه الإنسان في هذا الممر يحصد ناتجه في الآخرة، فإن زرع خيراً حصد خيراً، وإن زرع شراً ـ والعياذ بالله ـ حصد شراً. وربّ هذا الشر يكون كلمة واحدة، أو نظرة واحدة، أو خطوة واحدة.
وخاطب سماحته الزوّار مؤكداً: أنتم في سفرة فضيلة ومقدسة، وسفرة طاعة الله والقرب إليه جلّ وعلا، وهي زيارة مراقد أهل البيت الأطهار صلوات الله عليهم، فحاولوا خلال هذه الزيارة وفي غيرها من الأوقات أن تلقنوا أنفسكم هذا الكلام الصادر عن مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله، فإن واجهتم مشكلة مالية، أو سياسية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، أو عائلية، أو نفسية، أو صحية، ولم تستطيعوا رفعها أو حلّها، فلا تغتموا لها ولا تتعبوا أنفسكم من أجلها، لأنها بمثابة ممر سرعان ماتنتهي وتزول.
وتحدّث في الجمع أيضاً آية الله السيد محمد رضا الشيرازي دامت بركاته وقال:
إن إحدى الصفات المهمة في المؤمن والتي يجب أن ترافقه إلى آخر حياته بل يجب أن ترافقه أيضاً في عالم الآخرة هي الأمل برحمة الله تبارك وتعالى.
وأضاف: قال الله تعالى في كتابه الكريم: «ومَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ»(3) وقال: «ولا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ»(4). وهاتان الآيتان الشريفتان تبينان حقيقة وهي: أن القنوط واليأس من رحمة الله علامتي الضلال والكفر، وأن الأمل برحمة الله علامتي الإيمان والهدى. فالكافر يصيبه اليأس لأنه يعتمد على منطق العلم، والمؤمن لا ييأس من رحمة الله سبحانه في أي ظرف من الظروف، لأنه يعتمد على منطق الدين. وليس معنى هذا أن منطق العلم ضد منطق الدين، بل لأن الأخير فوق الأول، ولأن العلم يعتمد على المعادلات المادية فقط. وبهذا الخصوص نقرأ في مناجاة مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه المعروفة بالمناجاة المنظومة:

إلهي لئن عذّبتني ألف حجة

فحبل رجائي منك لا يتقطّع

ونقرأ أيضاً في دعاء كميل: «فبعزّتك ياسيدي ومولاي أُقسم صادقاًً لئن تركتني ناطقاً لأضجّنّ إليك بين أهلها ضجيج الآملين».
وذكرت الروايات الشريفة أيضاً عن الإمام الصادق صلوات الله عليه أنه قال: «إِنَّ آخِرَ عَبْدٍ يُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ فَيَلْتَفِتُ فَيَقُولُ اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ: أَعْجِلُوهُ، فَإِذَا أُتِيَ بِهِ قَالَ لَهُ: عَبْدِي لِمَ الْتَفَتَّ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا كَانَ ظَنِّي بِكَ هَذَا. فَيَقُولُ اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ: عَبْدِي مَا كَانَ ظَنُّكَ بِي؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ كَانَ ظَنِّي بِكَ أَنْ تَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي وتُدْخِلَنِي جَنَّتَكَ.
قَالَ: فَيَقُولُ اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ: مَلائِكَتِي وعِزَّتِي وجَلالِي وآلائِي وارْتِفَاعِ مَكَانِي مَا ظَنَّ بِي هَذَا سَاعَةً مِنْ حَيَاتِهِ خَيْراً قَطُّ، ولَوْ ظَنَّ بِي سَاعَةً مِنْ حَيَاتِهِ خَيْراً مَا رَوَّعْتُهُ بِالنَّارِ. أَجِيزُوا لَهُ كَذِبَهُ وأَدْخِلُوهُ الْجَنَّةَ»(5).
إذن؛ يجب على المؤمن أن يتحلّى بحسن الظن والرجاء والأمل بالله تعالى، فهذه الأمور من أسباب النجاة في الآخرة.
وخاطب السيد رضا الشيرازي دامت بركاته الزوّار الكرام: أنتم في سفرتكم هذه قد قدمتم إلى الله تعالى وإلى أوليائه، فحاولوا عند دخولكم المراقد الطاهرة أن تدخلوا بمنتهى الأمل والرجاء، وبروحية من لا يخرج إلاّ وحاجاته مقضية.
كما يجدر بكم أن توسعوا آفاقكم في الدعاء. فبعض الناس يعيشون ذاتهم فقط، وبعض يعيشون هموم الآخرين كما كان المعصومون الأربعة عشر صلوات الله عليهم. فأشركوا الآخرين في دعائكم بأن تدعوا للمؤمنين والمؤمنات كافة، وبالأخص في العراق الجريح حيث يعيش شعبه المظلوم والأبي أقسى أنواع المشاكل والمآسي.


(1) بحار الأنوار/ ج68/ باب 64 الاجتهاد والحث على العمل/ ص176/ ح15.
(2) سورة الكهف: الاية 19.
(3) سورة الحجر: الآية 56.
(4) سورة يوسف: الآية 87.
(5) وسائل الشيعة/ج15/ باب16 وجوب حسن الظن بالله و.../ ص 231/ ح20354.