سماحة السيد الشيرازي خلال كلمته بزوار من البصرة:
أحسنوا سيرتكم في الدنيا لتنالوا النعيم الأبدي في الآخرة

قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة يوم الاثنين الموافق للرابع والعشرين من شهر جمادى الآخرة 1428 للهجرة جمع من الزوّار العراقيين من أهالي مدينة البصرة، واستمعوا إلى توجيهات سماحته القيمة.
في البدء استهل سماحته الكلام بالرواية الشريفة التالية: «إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله مرّ بقبر يحفر قد انبهر الذي يحفره، فقال له: لمن تحفر هذا القبر؟ فقال: لفلان بن فلان. فقال: وما للأرض تشدّد عليك؟ إن كان ما علمت لسهلاً حسن الخلق. فلانت الأرض عليه حتى كان ليحفرها بكفّيه. ثم قال: لقد كان يحبّ إقراء الضيف، ولا يقري الضيف إلاّ مؤمن تقيّ» .
ثم عقّب قائلاً: هذا الرواية تصدق علينا جميعاً وعلى غيرنا. فكل امرئ مهما كان عمله ومهما كانت ظروفه المعاشية إن كانت سيرته مع الناس سيرة حسنة فسيرى ثمرات تعامله في عالم البرزخ قبل عالم الآخرة، وذلك بأن يكون قبره روضة من رياض الجنة، فضلاً عما له من النعيم الدائم في الآخرة. والعكس بالعكس أيضاً.
وأثار سماحته تساؤلاً، وهو: كيف يمكن للإنسان وقد عاش في الدنيا أربعين سنة أو خمسين أو مئة وكانت سيرته سيئة بأن يكون معذّباً في الآخرة لملايين السنين؟
ثم أجاب عليه بقوله: حال هذا الإنسان كحال من يرتكب خطأ في مشيه فيسقط لظهره مثلاً على شوكة أو مسمار مثبت أو صخرة صغيرة أو حصاة حادة فتدخل في ظهره لبضعة ثوان فيصيبه الشلل إلى آخر عمره.
وشدّد سماحته بالقول: أنتم أيها المؤمنون، وأنتن أيتها المؤمنات، وأخص بالذكر الشباب والشابات، حاولوا من بداية حياتكم أن تكون سيرتكم سيرة حسنة. فيجدر بالزوج أن يحسّن سيرته مع زوجته، والزوجة تحسّن سيرتها مع زوجها، والأولاد يراعون حرمة آبائهم وأمهاتهم، والآباء والأمهات يراعون حقوق أولادهم بأن يربّوهم تربية صالحة وحسنة وذلك بالحكمة والموعظة الحسنة وبالأخلاق الفاضلة.
وبهذا الصدد ذكر سماحته قصة مفادها:
عاش في الأيام السالفة في العراق أخوان مع بعضهما. وكان الأخ الأكبر تاجراً ثرياً، أما الأخ الأصغر فكان يعمل عنده لأنه لم يكن يملك شيئاً، وكان الأخ الأكبر بمثابة الوالد لأخيه الصغير، حيث كان يدير حياته ويرعاه. وقد عمل هذان الأخوان مع بعضهما لسنين وكأنهما شريكان، ولم يكن بينهما أي حساب. فالأخ الأصغر عاش وتزوّج وكوّن عائلة بمال أخيه الأكبر، الذي سمح لأخيه أن يأخذ من ماله كلما احتاج وبدون أن يستأذنه، ولم يعلم أحد بذلك حتى أبناؤهما، إلى أن مرّت السنين فمات الأخ الأكبر. وحينما كان الأخ الأصغر مشغولاً بمراسم دفن أخيه الأكبر كانت عائلة الأخير قلقة ومضطربة حيث كانوا يظنون أن العم سيضع يده على كل الأموال والممتلكات، بل وعلى إرثهم أيضاً، لأنهم لم يكونوا يملكون مستمسكاً أو وثيقة تدلّ على ملك أبيهم للأموال والممتلكات، أو ما يدلّ على أن أباهم كان شريكاً لأخيه الأصغر. فباتوا في حيرة من أمرهم أيصبرون أم يفتحون الكلام مع عمّهم حول الأمر المذكور؟
ولكن بعد أيام زارهم العمّ وعزّاهم بوفاة والدهم وفاجأهم بقوله:
كان أكثر الناس يتصورون بأنني وأخي المرحوم كنا شريكين وربما أنتم أيضاً كان لكم التصوّر نفسه، لكن الحقيقة هي شيء آخر. فهذه الأموال كلّها هي من مكاسب ثروة أخي المرحوم، وأنا لا سهم لي فيها، لأني منذ البداية عملت معه بصفتي عاملاً ليس إلاّ. وهذه مفاتيح المحلاّت والأسواق وكل ممتلكات أبيكم أضعها بين أيديكم. فإن كنتم راغبين في أن أستمر على عملي هذا بصفتي السابقة فسأبقى، أما إذا كنتم غير راغبين فسأجمع كل السجلاّت والإضبارات والعقود والأملاك وأُسلّمها إليكم يوم غد.
أما عائلة المرحوم الذين لم يكن بحسبانهم هذه المفاجأة وتقوى الله وحفظ الأمانة من عمّهم فشرعوا جميعاً بالبكاء وأجابوا عمّهم: ومن أفضل منك؟ ابقَ واستمرَّ.
وأكّد دام ظله مخاطباً الزوّار الكرام: أنتم في سفرة زيارة، وهي سفرة عبادة وطاعة، حاولوا أن ترجعوا إلى بلدكم وأهليكم بأحسن تحفة وذلك بأن تعزموا على طاعة الرحمن جلّ جلاله، ومخالفة الشيطان دوماً وفي كل الأحوال. ومن مصاديق ذلك أداء الحقوق، وتلافي التقصير.
وختم سماحته كلمته: أسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح أمر العراق ببركة الإمام أمير المؤمنين وأهل البيت صلوات الله عليهم، وأن تكون هذه السنة هي آخر سنة للمظالم والمآسي، وأسأله جلّ وعلا أن ينعم على العراق بلد أهل البيت، وبلد سيدنا ومولانا بقية الله الإمام المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف، وبلد أبي الفضل العباس سلام الله عليه، وبلد مسلم بن عقيل وسبع الدجيل وباقي أبناء الأئمة عليهم السلام بالأمن والأمان والنعمات، وأن تفتح أبواب العراق إلى المؤمنين والمؤمنات في العالم.


(1) قرب الإسناد/ ج1/ ص36.