المرجع الديني سماحة السيد الشيرازي دام ظله يؤكد:
معرفة الواجبات والمحرّمات تصون المرء من الوقوع في الحرام

إن الذي لا يلتزم بالتقوى يعمل عملاً سيّئاً ويظنّ أنه قد عمل صالحا،ً كما يقول القرآن الكريم: «الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا»(1).
إذاً الجميع مكلّفون في الالتزام بتقوى الله تعالى وببلوغ المراتب الرفيعة في ذلك، وبأن يجعلوا تقوى الله أساس وأصل حياتهم في الدنيا، وهذا الأمر عام يشترك فيه الجميع سواء كانوا رجالاً أو نساءً، وشيوخاً أو شباباً.
هذا ما أشار إليه المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في إرشاداته القيمة التي ألقاها على جمع من الأخوات من مدينة يزد الإيرانية، في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة يوم الجمعة الموافق للتاسع من شهر ربيع الثاني 1428 للهجرة.
وقال سماحته أيضاً: ذكرت الروايات الشريفة عن الإمام الصادق سلام الله عليه أنه قال: إن من اتبع هواه، وأعجب برأيه كان كرجل سمعتُ غثاء العامّة تعظّمه وتصفه، فأحببت لقاءه من حيث لا يعرفني لأنظر مقداره ومحلّه، فرأيته في موضع قد أحدق به خلق من غثاء العامّة، فوقفت منتبذاً عنهم، متغشياً بلثام أنظر إليه وإليهم، فما زال يراوغهم حتى خالف طريقهم ففارقهم، ولم يعد، فتفرّقت العامّة عنه لحوائجهم. وتبعته أقتفي أثره، فلم يلبث أن مر بخبّاز فتغفّله، فأخذ من دكانه رغيفين مسارقة، فتعجّبت منه، ثم قلت في نفسي لعلّه معاملة.
ثم مرّ بعده بصاحب رمّان، فما زال به حتى تغفّله فأخذ من عنده رمّانتين مسارقة فتعجّبت منه، ثم قلت [في نفسي] لعلّه معاملة، ثم أقول وما حاجته [إذاً] إلى المسارقة.
ثم لم أزل أتبعه حتى مرّ بمريض، فوضع الرغيفين والرمّانتين بين يديه ومضى، وتبعته حتى استقرّ في بقعة من صحراء، فقلت له:
يا عبد الله لقد سمعت بك [خيراً] وأحببت لقاءك، فلقيتك، لكني رأيت منك ما شغل قلبي، وإني سائلك عنه، ليزول به شغل قلبي.
قال: ما هو؟
قلت: رأيتك مررت بخبّاز فسرقت منه رغيفين، ثم مررت بصاحب الرمّان فسرقت منه رمّانتين.
قال: فقال لي: قبل كل شي‏ء حدّثني مَن أنت؟
قلت له: رجل من ولد آدم من أمّة محمد صلى الله عليه وآله.
قال: حدّثني ممن أنت؟
قلت: رجل من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله.
قال: أين بلدك؟
قلت: المدينة.
قال: لعلّك جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب؟
قلت: بلى.
قال لي: فما ينفعك شرف [أهلك و] أصلك مع جهلك بما شرّفت به، وتركك علم جدّك وأبيك لئلاّ تنكر ما يجب أن تحمد وتمدح فاعله.
قلت: وما هو؟
قال: القرآن كتاب الله.
قلت: وما الذي جهلت منه؟
قال: قول الله عزّ وجلّ: «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها» وإني لمّا سرقت الرغيفين كانت سيئتين، ولمّا سرقت الرمّانتين كانت سيئتين، فهذه أربع سيئات، فلما تصدّقت بكل واحدة منها كانت أربعين حسنة، فانتقص من أربعين حسنة أربع (حسنات بأربع سيئات) بقي لي ست وثلاثون حسنة.
قلت: ثكلتك أمّك أنت الجاهل بكتاب الله تعالى، أما سمعت قول الله تعالى: «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» إنك لمّا سرقت الرغيفين كانت سيئتين ولمّا سرقت الرمّانتين كانت سيئتين، ولمّا دفعتهما إلى غير صاحبهما، بغير أمر صاحبهما، كنت إنما أضفت أربع سيئات إلى أربع سيئات، ولم تضف أربعين حسنة إلى أربع سيئات. فجعل يلاحظني، فتركته وانصرفت.
قال الصادق سلام الله عليه: بمثل هذا التأويل القبيح المستنكر يضلّون ويضلّون(2).
وأوضح سماحته: ربّ شخصين يكونان في مستوى واحد في كافة النواحي ويعملان عملاً واحداً بالظاهر، لكن عملها في الواقع مختلف، ومرّد ذلك هو نسبة إلتزامهما بتقوى الله سبحانه. فمن كان منهما ملتزماً بالتقوى أكثر فعمله أكثر قبولاً وأكثر ثواباً.
وحول طرق الالتزام بالتقوى قال سماحته مؤكّداً:
على كل إنسان ـ حسب ظروفه ـ أن يعرف المحرّمات والواجبات وخصوصاً المبتلى بها، ويسعى إلى العمل بها. فعلى الآباء أن يعرفوا مسؤوليتهم تجاه أبنائهم ولا يقصّروا أو يتماهلوا. وعلى الأبناء أن يعرفوا واجباتهم تجاه آبائهم ويلتزموا بها. وهكذا كل واحد عليه أن يعرف واجبه تجاه عائلته وعمله، ومسؤوليته أمام الله تعالى وأمام رسول الله وأهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين، ويعمل بها. وأول خطوة للالتزام بالتقوى هي معرفة الذنوب صغيرها وكبيرها، فمن لا يعرف المحرّمات يتورّط بالحرام بلا أدنى شك.
على سبيل المثال: كثير من الناس لا يعرفون معنى الإسراف ومفهومه فتراهم يسرفون في نعم الله تعالى في حياتهم اليومية ويقعون في الحرام من دون أن يعلموا بذلك. وأما الذي يعرف معنى ومفهوم الإسراف فإنه يتجنّب الإسراف في نعم الله تعالى حتى بمقدار ذرة، وبالتالي يكون مصوناً من الحرام.
وأوصى سماحته الحاضرات: توسّلن بأهل البيت صلوات الله عليهم لبلوغ المراتب الرفيعة في التقوى، حتى تكون أعمالكن أكثر قبولاً، وتكنَّ أكثر قرباً من الله عزّ وجلّ.


(1) سورة الكهف: الآية 104.
(2) تفسير الإمام العسكري/ أعظم الطاعات/ ص 44.