سماحة السيد دام ظله في كلمة بطلاب من أفريقيا يؤكد:
لا تنعم البشرية إلاّ بتمسّكها بتعاليم الرسول وأهل بيته الأطهار صلوات الله عليهم

قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسه يوم الاثنين الموافق للعشرين من شهر ربيع الأول 1428 للهجرة جمع من الطلاب الأفارقة مع عوائلهم، فألقى سماحته فيهم كلمة قيمة قال فيها:
مرّت علينا في الأيام الماضية ـ أي في السابع عشر من شهر ربيع الأول ـ ذكرى مولد أشرف رسل الله، سيدنا النبي الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله، وذكرى مولد حفيده مولانا الإمام جعفر بن محمد الصادق صلوات الله عليهما. في هاتين المناسبتين الكريمتين يجدر بالجميع، ولاسيما طلاب علوم الدينية، والعلماء، والخطباء، والمدرّسين، من الرجال والنساء، أن يستفيدوا من هاتين الذكريين العظيمتين، بالعزم على عمل ما يسعدهم، ويسعد الله تعالى بهم الآخرين، حتى يكونوا سعداء في الدارين، ويكونوا سبباً لسعادة الملايين من غيرهم.
وبعد أن تلا الآية الشريفة: «وما أرسلناك إلاّ كافّة للناس بشيراً ونذيراً»(1) قال سماحته:
إن معنى (كافّة) في الآية المباركة هو أن مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله جاء بالخير الذي يعمّ ويكفي البشرية بأجمعها إلى يوم القيامة، ومانعاً للناس جميعاً عمّا هم عليه من الكفر والمعاصي والشر، بالأمر والنهي والوعيد والإنذار. فالبشر كان ـ ولا يزال وسيكون ـ في تسابق في الشر، وفي الظلم، وفي غمط كل واحد حق الآخر، وفي سرقة كل واحد مال الآخر، وما إلى ذلك، فبعث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ليجعل الكفاية للبشرية كلها. فالقرآن كفاية، والإسلام كفاية، ورسول الإسلام صلى الله عليه وآله كفاية.
وكشاهد على الخير الذي جاء به النبي المصطفى صلى الله عليه وآله للناس قال سماحته:
إن قبيلتي الأوس والخزرج كانتا من أكبر قبائل المدينة، وكانت بينهما الحروب وسفك الدماء والقتل، والسبي، والمصادرة، واستمروا على هذه الحالة لمدة ثلاثمئة سنة، يعني عشرة أجيال هم في حرب وسفك ودماء. ولكن عندما جاء النبي إلى المدينة بعد هجرته من مكّة وفي فترة قصيرة جداً صار أفراد هاتين القبيلتين إخوة متحابّين في الله. فقد أخذ صلى الله عليه وآله من القبيلتين المواثيق، وعلّمهم الإسلام، وعملوا به فصاروا إخوة. فالكفاية الأخلاقية التي جاء بها النبي هي التي صنعت هذه المحبّة بين الأوس والخزرج. وهذه من معاجز الإسلام، فهل تجدون نظيراً لهذا في التاريخ الماضي والمعاصر؟
وأضاف سماحته: عندما أسّس النبي صلى الله عليه وآله دولته الكريمة في المدينة أثار عليه المشركون وكذلك اليهود والنصارى الحروب. فقد خاض صلى الله عليه وآله أكثر من ثمانين غزوة وسرية في أقل من عشر سنين. والملفت في هذه الحروب أن الضحايا من كلا الطرفين لم تتجاوز الألف وأربعمئة.
كما أنه صلى الله عليه وآله عندما كان يخوض الحرب للدفاع عن المسلمين كان يوصي أفراد الجيش الإسلامي بوصايا أخلاقية رائعة لا نظير لها. فقد ذكرت الروايات الشريفة عن الإمام الصادق سلام الله عليه أنه قال: «إن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا بعث أميراً له على سرية أمره بتقوى الله عزّ وجلّ في خاصّة نفسه ثم في أصحابه عامة، ثم يقول: اغزوا بسم الله وفي سبيل الله تعالى، قاتلوا من كفر بالله، ولا تغدروا، ولا تغلّوا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا وليداً ولا متبتّلاً في شاهق، ولا شيخاً فانياً، ولا صبيّاً، ولا امرأة، ولا تحرقوا النخل، ولا تغرقوه بالماء، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تحرقوا زرعاً، ولا تعقروا من البهائم مما يؤكل لحمه و...»(2). فهل عهدتم مثل هذا التعامل في حروب الماضي والحاضر؟
وعن تعامل النبي صلى الله عليه وآله مع الناس بصفته قائد وزعيم قال سماحته:
جاء أعرابي إلى النبي ـ والبُرد على كتفيهـ فجذب الأعرابي أطراف الرداء جذبة شديدة حتى أثرت حاشية البُرد في صفحة عاتقه وهو يقول بخشونة بالغة:
يا محمد، احمل لي على بعيري هذين من مال الله الذي عندك، فإنك لاتحمل لي من مالك ولا من مال أبيك..
فسكت النبي هنيئة ثم قال: المال مال الله وأنا عبده..
وقال صلى الله عليه وآله: ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي؟
قال: لا؟
قال صلى الله عليه وآله: ولم؟
قال: لأنك تعفو، وتصفح، ولا تكافئ بالسيئة السيئة.
فضحك النبي ثم أمر صلى الله عليه وآله أن يحمل لـه على بعير شعير وعلى‎الآخر تمر(3).
وعقّب سماحته: فهل تجدون حاكماً، أو رئيساً، أو قائد قوات مسلحة يقترب منه شخص على غير دينه ويتصرف معه هكذا فلا يعاقبه؟ مثل هذا التصرف لو قام به شخص اليوم فإن المصير الذي سيواجهه هو أنه يُمطر بوابل من الرصاص على الأقل.
وعن كيفية تعامل أهل البيت الأطهار سلام الله عليهم مع الناس ذكر سماحته الرواية الشريفة التالية: عَنْ حَفْصِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ قَالَ: بَعَثَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (الإمام الصادق) سلام الله عليه: غُلاماً لَهُ فِي حَاجَةٍ، فَأَبْطَأَ، فَخَرَجَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سلام الله عليه عَلَى أَثَرِهِ لَمَّا أَبْطَأَ، فَوَجَدَهُ نَائِماً فَجَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهِ يُرَوِّحُهُ حَتَّى انْتَبَهَ، فَلَمَّا تَنَبَّهَ قَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سلام الله عليه:
يَا فُلانُ وَاللَّهِ مَا ذَلِكَ لَكَ، تَنَامُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ؟ لَكَ اللَّيْلُ ولَنَا مِنْكَ النَّهَارُ(4).
وشدّد سماحته قائلاً: إن الدنيا لا تعرف هذه الأمور من الإسلام، ولا تعرف أن الإسلام قد ملأ نفوس الناس الذين كانوا تحت رقعته بالخير، فيجدر بكم وأنتم تدرسون في الحوزة أن تعبئوا طاقاتكم لاستيعاب أكبر ما يمكن من تاريخ الإسلام، وتاريخ مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله، وتاريخ مولانا أمير المؤمنين، وسيدتنا فاطمة الزهراء، وباقي الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين، وطريقة تعاملهم في الحرب والسلم، وأخلاقهم مع الناس.
وختم دام ظله كلمته مؤكداً: إن كل ما في الإسلام فهو جميل، فكونوا دعاة إلى الله، ودعاة إلى سعادة البشر، وذلك بأن تعلّموهم عقائد الإسلام، وأحكامه العملية من عبادات، ومعاملات، وعقود، واجتماعيات، وسياسيات، واقتصاديات، وتربويات، وأخلاقيات. وناقشوا وباحثوا تاريخ المعصومين الأربعة عشر سلام الله عليهم حتى تكونوا في المستقبل مبشّرين للقارة الأفريقية، فتعرّفوا الناس بالإسلام الذي فيه الكفاية من الخير والنعيم والسلام، وأتحفوهم بذلك بالاستعانة بمختلف وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة.


(1) سورة السبأ: الآية 28.
(2) بحار الأنوار/ ج 19/ باب 8 نوادر الغزوات وجوامعها وما .../ ص 179/ ح 27.
(3) سنن النسائي: ج8 ص33 باب القصاص في السن. راجع مكارم الأخلاق: ص17 ب1 ف2 في تواضعه وحيائه صلى الله عليه وآله.
(4) أصول الكافي/ ج2/ باب الحلم/ ص 112/ ح7.