المرجع الديني سماحة السيد الشيرازي دام ظله
يؤكّد:
سمو النفس ورقيّها بالتحلّي بالأخلاق الفاضلة وليس
بالعلم وحده
إن العلوم كلها فنون، سواء كان علم النجارة، أو
الحدادة، أو علوم الجامعة، أو علوم الحوزة كالأصول،
والمنطق. لكن كل علم يكون ذا قيمة عندما يتأطر
بالأخلاق الفاضلة، ومنها الحلم. فإن بين العلم والحلم
ارتباطاً وثيقاً؛ ومن يبلغ درجات عالية من العلم
يتحلّى بصفة الحلم عادة.
هذا ما قاله المرجع الديني سماحة آية الله العظمى
السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في حديث له بجمع
من الفضلاء المنسوبين لمكتب سماحته بمدينة قم المقدسة.
وقال سماحته أيضاً: إن أفضل الأنبياء والمرسلين هو
رسول الإسلام مولانا النبي الأكرم صلى الله عليه وآله
ويأتي بعده في المرتبة خليل الرحمن النبي إبراهيم.
وعندما نذكر اسم أي نبي من الأنبياء ينبغي أن نسلّم
أولاً على نبينا وآله ثم على ذلك النبي. لكن هذا الشيء
لا يصدق على النبي إبراهيم فعندما نذكر اسمه ينبغي أن
نسلم عليه أولاً ثم على نبينا وآله ثانياً. وعندما
نقرأ القرآن الكريم نجد أنه يذكر هذا النبي العظيم من
خلال أخلاقه الفاضلة حيث قال عزّ من قائل: «إن إبراهيم
لأوّاه حليم»(1). وجاء في الحديث الشريف عن الإمام أمير
المؤمنين سلام الله عليه أنه قال: «يخبركم حلمهم عن
علمهم»(2)، وهم أهل البيت سلام الله عليهم.
إذن يجب على كل من يسلك طريق العلم ويبغي الرقي في ذلك
أن يواكب تحصيله للعلم بترويض نفسه على التحلّي
بالأخلاق الحسنة، وأهمها هو الحلم. وعليه أن يكون
يقظاً في المواظبة على ذلك دوماً وفي كل الأحوال.
وحول أهمية اقتران العلم بمكارم الأخلاق قال سماحته:
رُوِيَ أَنَّ صَاحِباً لأمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ سلام
الله عليه يُقَالُ لَهُ هَمَّامٌ كَانَ رَجُلاً
عَابِداً. فَقَالَ لَهُ:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صِفْ لِيَ الْمُتَّقِينَ
حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ. فَتَثَاقَلَ
سلام الله عليه عَنْ جَوَابِهِ.
ثُمَّ قَالَ: يَا هَمَّامُ اتَّقِ اللَّهَ وَأَحْسِنْ
فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ
هُمْ مُحْسِنُونَ. فَلَمْ يَقْنَعْ هَمَّامٌ بِهَذَا
الْقَوْلِ حَتَّى عَزَمَ عَلَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ
وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صلى
الله عليه وآله ثُمَّ قرأ سلام الله عليه خطبة ذكر
فيها صفات المتقين. فلما أنهى الإمام سلام الله عليه
خطبته صَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَةً كَانَتْ نَفْسُهُ
فِيهَا فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ سلام الله
عليه: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا
عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ:
هَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ
بِأَهْلِهَا(3).
وعقّب سماحته: إن هماماً كان يعرض نفسه على كل صفة من
الصفات التي ذكرها الإمام أمير المؤمنين سلام الله
عليه للمتقين، وبما أنه وجد نفسه غير متحلية بتلك
الصفات، لذاك تأثّر كثيراً بكلام الإمام وكان وقع
الكلمات عليه كالصاعقة، وبالنتيجة فارقت روحه الدنيا.
وأوضح سماحته: إن الله تبارك وتعالى أبى أن يجري
الأشياء إلاّ بأسباب، كما جعل للكون وما فيه قوانين
ونظم خاصة، فمن غير الممكن الحصول على شيء دون بذل
الجهد والسعي، سواء كان ذلك الشيء مادياً أو معنوياً.
فتحصيل ملكة الحلم بحاجة إلى جد وسعي وترويض للنفس.
فقد نقلوا أن أحد مراجع النجف الأشرف كان يدرّس بحث
الخارج، فطلب منه طلابه أن يبدأ الدرس بإلقاء بعض
المواعظ، وفي حينها لم يكن معمولاً لدى أساتذة البحث
الخارج بالنجف أن يطعّموا بحوثهم بالمواعظ الأخلاقية،
فقال المرجع:
ليس هذا من اختصاصي، فأنا مختصّ بالفقه والأصول فقط.
لكنه قبِل بذلك بعد أن ألحّ عليه الطلاب كثيراً. ففي
اليوم الثاني بدأ درسه بذكر بعض المواعظ والنصائح
الأخلاقية. فأحسّ أنه لم يستطع بيان المطلب بشكل جيّد
وجذّاب، فلما أتمّ كلامه نزل من المنبر وقال: لقد
أردتم أن تحرجوني بطلبكم هذا.
كما نقلوا عن أحد كبار المراجع أنه كتب كتاباً وكانت
بعض المطالب الواردة فيه ذات إشكالات، فجاءه أحد
الطلاب وخاطبه بحدّة قائلاً:
إن مؤلفات الشيخ الأنصاري رفعت المستوى العلمي للحوزة،
أما مؤلفاتك فقد أهبطت ذلك.
فقال له المرجع: أين أنا من الشيخ الأنصاري؟ وأنت إن
كانت لديك ملاحظة أو إشكال على الكتاب فاعرضه عليّ كي
أستفيد!!
وأردف سماحته: إن هذا النوع من التعامل لم يتأتَ
اعتباطاً، فهذا المرجع الجليل روّض نفسه وجاهدها
كثيراً حتى وصل إلى هذا المستوى الراقي، وذلك بأن يحلم
عن الأقلّ كثيراً منه في المستوى العلمي.
وأكّد دام ظله: إن محاسبة النفس يومياً من أفضل طرق
ترويض النفس، والارتفاع بها إلى مستوى راقٍ وسامٍ،
علمياً وأخلاقياً.
قال مولانا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله موصياً
أباذر رضوان الله تعالى عليه: يا أبا ذر لا يكون الرجل
من المتقين حتى يحاسب نفسه أشدّ من محاسبة الشريك
شريكه، فيعلم من أين مطعمه ومن أين مشربه ومن أين
ملبسه، أَمن حلّ، أم من حرام(4).
وقال الإمام أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ سلام الله عليه:
جَاهِدْ نَفْسَكَ وحَاسِبْهَا مُحَاسَبَةَ الشَّرِيكِ
شَرِيكَهُ، وَطَالِبْهَا بِحُقُوقِ اللَّهِ
مُطَالَبَةَ الْخَصْمِ خَصْمَهُ، فَإِنَّ أَسْعَدَ
النَّاسِ مَنِ انْتَدَبَ لِمُحَاسَبَةِ نَفْسِهِ(5).
وروى الإمام الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَسْكَرِيُّ
سلام الله عليهما فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ
عَلِيٍّ سلام الله عليه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه
وآله قَالَ: أَكْيَسُ الْكَيِّسِينَ مَنْ حَاسَبَ
نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ. فَقَالَ
رَجُلٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ يُحَاسِبُ
نَفْسَهُ؟
قَالَ: إِذَا أَصْبَحَ ثُمَّ أَمْسَى رَجَعَ إِلَى
نَفْسِهِ وَقَالَ يَا نَفْسِي إِنَّ هَذَا يَوْمٌ
مَضَى عَلَيْكِ لا يَعُودُ إِلَيْكِ أَبَداً وَاللَّهُ
يَسْأَلُكِ عَنْهُ بِمَا أَفْنَيْتِهِ، فَمَا الَّذِي
عَمِلْتِ فِيهِ أَذَكَرْتِ اللَّهَ أَمْ حَمِدْتِهِ؟
أَقَضَيْتِ حَوَائِجَ مُؤْمِنٍ فِيهِ؟

أَنَفَّسْتِ عَنْهُ كَرْبَهُ؟
أَحَفِظْتِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ فِي أَهْلِهِ
وَوُلْدِهِ؟
أَحَفِظْتِيهِ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي مُخَلَّفِيهِ؟
أَكَفَفْتِ عَنْ غِيبَةِ أَخٍ مُؤْمِنٍ؟
أَعَنْتِ مُسْلِماً؟
مَا الَّذِي صَنَعْتِ فِيهِ؟
فَيَذْكُرُ مَا كَانَ مِنْهُ، فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ
جَرَى مِنْهُ خَيْرٌ حَمِدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ عَلَى
تَوْفِيقِهِ، وَإِنْ ذَكَرَ مَعْصِيَةً أَوْ
تَقْصِيراً اسْتَغْفَرَ اللَّهَ وَعَزَمَ عَلَى تَرْكِ
مُعَاوَدَتِهِ(6).
وختم سماحته حديثه قائلاً: أسأل الله سبحانه أن يوفّق
الذين وفّقوا لترويض أنفسهم أكثر وأكثر، وأن يمنّ
بالتوفيق على من لم يوفّقوا لذلك.