مجالس يوم عاشوراء الإمام الحسين سلام الله عليه
في بيت المرجع الديني سماحة السيد الشيرازي دام ظله

عظّم الله أجورنا وأجوركم بمصاب مولانا سيد الشهداء الإمام الحسين وأهل بيته الأطهار وأصحابه الأخيار سلام الله عليهم أجمعين، وجعلنا الله وإيّاكم من الطالبين بثاره مع ولده المنتقم من آل محمد مولانا المفدّى الإمام المهدي الموعود عجّل الله تعالى فرجه الشريف.
إنّ عاشوراء هو يوم الرزيّة العظمى والفاجعة الكبرى والمصاب الجلل الذي رزئ به الإسلام وجلّت وعظمت مصيبته على أهل السماوات وأهل الأرض، وهو اليوم الذي ضحى فيه مولانا أبي الأحرار الإمام الحسين بنفسه الطاهرة وبأهل بيته الأطهار وأصحابه الكرام سلام الله عليهم أجمعين في سبيل الله تعالى، وروى بدمه الطاهر شجرة الإسلام العظيم لتبقى شامخة باسقة، فأينعت بثمار التوحيد والإيمان والإباء والعزّة والكرامة والإنصاف ونصرة المظلومين ومقارعة الظالمين والفاسدين والطغاة.
بمناسبة هذا اليوم الجلل ومن الساعات الأولى لصباح يوم الثلاثاء الموافق للعاشر من محرم الحرام 1428 للهجرة شهدت مدينة قم المقدسة حضوراً منقطع النظير لمحبّي مولانا سيد الشهداء صلوات الله عليه من داخلها ومن المدن الإيرانية الأخرى وأحيوا ذكرى ملحمة عاشوراء الخالدة بمجالس العزاء ومواكب اللطم والزنجيل التي ملأت الصحن الطاهر لمرقد مولاتنا فاطمة المعصومة سلام الله عليها وشوارع المدينة وأزقتها ومساجدها وحسينياتها.
وأقيمت بهذه المناسبة المفجعة مجالس العزاء على مصاب سيدنا أبي الأحرار الإمام الحسين سلام الله عليه في بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله.
وقد حضر سماحة السيد المرجع دام ظله هذه المجالس بعد خروجه من بيته حافي القدمين برفقة السادة الكرام من الأسرة الشيرازية، وفضلاء من مكتب سماحته بمدينة قم المقدسة، معرباً دام ظله عن حزنه وتألّمه لمصائب سبط رسول الله صلى الله عليه وريحانته الإمام الحسين سلام الله عليه.
كما حضر مجالس هذا اليوم العديد من الفضلاء وطلاب الحوزة العلمية والهيئات والمواكب الحسينية من مختلف الجنسيات وقدّموا تعازيهم لسماحة السيد دام ظله وأقاموا مجالس اللطم على مصائب أهل البيت سلام الله عليهم.
وارتقى المنبر الحسيني المقدس الخطيبان الفاضلان: الشيخ روحاني والشيخ رياحي وتحدّثا حول الرزية العظمى التي حلّت في يوم عاشوراء عام 61 للهجرة على الإمام الحسين صلوات الله عليه وما جرى على أهل بيته سلام الله عليهم من مظالم ومصائب.
وكان من أهم ما تطرقوا إليه ما يلي:
• جاء في زيارة عاشوراء «السلام عليك يا ثارالله وابن ثاره» وهذا مما يدلّ على عظمة الإمام الحسين سلام الله عليه ومكانته عند جبّار السماوات والأرضين جلّ وعلا.
• عن زرارة قال: قال أبو عبد الله [الصادق] سلام الله عليه:
يا زرارة إن السماء بكت على الحسين أربعين صباحاً بالدم، وإن الأرض بكت أربعين صباحاً بالسواد، وإن الشمس بكت أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة، وإن الجبال تقطّعت وانتثرت، وإن البحار تفجّرت، وإن الملائكة بكت أربعين صباحاً على الحسين سلام الله عليه، وما اختضبت منّا امرأة ولا ادهنت ولا اكتحلت ولا رجلت حتى أتانا رأس عبيد الله بن زياد، وما زلنا في عبرة بعده، وكان جدّي إذا ذكره بكى حتى تملأ عيناه لحيته وحتى يبكي لبكائه رحمة له من رآه، وإن الملائكة الذين عند قبره ليبكون فيبكي لبكائهم كل من في الهواء والسماء من الملائكة، ولقد خرجت نفسه سلام الله عليه فزفرت جهنم زفرة كادت الأرض تنشق لزفرتها، ولقد خرجت نفس عبيد الله بن زياد ويزيد بن معاوية فشهقت جهنم شهقة لو لا أن الله حبسها بخزانها لأحرقت مَن على ظهر الأرض من فورها، ولو يؤذن لها ما بقي شي‏ء إلاّ ابتلعته ولكنها مأمورة مصفودة، ولقد عتت على الخزان غير مرة حتى أتاها جبرئيل فضربها بجناحه فسكنت، وأنها لتبكيه وتندبه وأنها لتتلظى على قاتله ولو لا من على الأرض من حجج الله لنقضت الأرض وأكفأت بما عليها، وما تكثر الزلازل إلاّ عند اقتراب الساعة، وما من عين أحبّ إلى الله ولا عبرة من عين بكت ودمعت عليه، وما من باك يبكيه إلاّ وقد وصل فاطمة سلام الله عليها وأسعدها عليه ووصل رسول الله وأدّى حقّنا، وما من عبد يحشر إلاّ وعيناه باكية إلاّ الباكين على جدّي الحسين سلام الله عليه فإنه يحشر وعينه قريرة والبشارة تلقاه والسرور بيّن على وجهه والخلق في الفزع وهم آمنون، والخلق يعرضون وهم حدّاث الحسين سلام الله عليه تحت العرش وفي ظل العرش لا يخافون سوء يوم الحساب، يقال لهم: ادخلوا الجنة فيأبون ويختارون مجلسه وحديثه(1).‏
• كان من أهم خصائص نهضة الإمام الحسين سلام الله عليه أنها كانت تطلب الآخرة بالجد والعمل، وقد انعكس ذلك على أصحابه وأهل بيته فكان ذلك منطقهم رغم الصعوبات والمحن.
ونحن عندما نربط الواقع ببعض قيم الطف فإننا نستقيها من منابعها، فلنتأمل بعض الجوانب المؤثرة التي تعكس بسالة تلك النخبة الأبطال الذين تحولوا إلى قدوة بالتصاقهم بمحور العطاء والجدّ في الحياة الإمام الحسين سلام الله عليه. فإن أردنا الآخرة فعلينا أن ندرس واقعة الطف عبر مواقف تلك الرموز البطلة، ومنها موقف مولانا علي الأكبر ابن الإمام الحسين سلام الله عليهما الذي تنبع مواقفه البطولية من مرجعيتها التي تربّى عليها منذ صغره في بيت الرسالة.
تقول الرواية:
ثم سار صلوات الله عليه حتى نزل الثعلبية وقت الظهيرة فوضع رأسه فرقد ثم استيقظ فقال:
قد رأيت هاتفاً يقول: أنتم تسرعون والمنايا تسرع بكم إلى الجنة.
فقال له ابنه عليّ: يا أبة أفلسنا على الحق؟
فقال: بلى يا بني والذي إليه مرجع العباد.
فقال: يا أبة إذن لا نبالي بالموت.
فقال له الحسين سلام الله عليه: جزاك الله يا بني خير ما جزى ولداً عن والد(2).


(1) الكامل في الزيارات/ الباب السادس والعشرون بكاء جميع ما .../ ص 81/ ح6.
(2) بحار الأنوار/ ج 44/ باب 37 ما جرى عليه بعد بيعة الناس/ ص 367.