مجالس العزاء بمناسبة حلول شهر محرم الحرام وملحمة عاشوراء
في بيت سماحة المرجع الديني السيد الشيرازي دام ظله بقم المقدسة

بمناسبة حلول شهر محرم الحرام، وذكرى ملحمة عاشوراء، ذكرى استشهاد خامس أصحاب الكساء، سبط الرسول وريحانته، مولانا أبي الأحرار، الإمام الحسين صلوات الله عليه وأهل بيته الأبرار وصحبه الأخيار سلام الله عليهم أجمعين، أقيمت مجالس العزاء في بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله بقم المقدسة صباح اليوم الأحد الموافق لغرّة محرم الحرام 1428 للهجرة، حضرها السادة الكرام من الأسرة الشيرازية، والعلماء، وضيوف وزوّار من خارج إيران، وجمع من المؤمنين والمحبّين لمحمد وآل محمد، صلوات الله عليهم أجمعين.
وارتقى المنبر الحسيني المقدس كلٌّ من الخطباء فضيلة الشيخ روحاني، والشيخ عالمي، والشيخ جوانمرد، وكان من أهم ما تطرّقوا إليه في حديثهم هو:
• قال سعد بن عبد الله: سألت القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف عن تأويل «كهيعص» قال سلام الله عليه: هذه الحروف من أنباء الغيب، أطلع الله عليها عبده زكريا، ثم قصّها على محمد عليه وآله السلام، وذلك أن زكريا سأل الله ربّه أن يعلّمه أسماء الخمسة، فأهبط عليه جبرئيل عليه السلام فعلّمه إيّاها، فكان زكريا إذا ذكر محمداً وعليّاً وفاطمة والحسن سلام الله عليهم سري عنه هّمه وانجلى كربه، وإذا ذكر اسم الحسين خنقته العبرة ووقعت عليه البهرة.
فقال [زكريا] عليه السلام ذات يوم: إلهي ما بالي إذا ذكرت أربعة منهم تسلّيت بأسمائهم من همومي وإذا ذكرت الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي. فأنبأه الله تبارك وتعالى عن قصّته فقال:
كهيعص، فالكاف اسم كربلاء، والهاء هلاك العترة الطاهرة، والياء يزيد وهو ظالم الحسين، والعين عطشه، والصاد صبره. فلما سمع ذلك زكريا لم يفارق مسجده ثلاثة أيام، ومنع فيهن الناس من الدخول عليه، وأقبل على البكاء والنحيب وكان يرثيه: إلهي أَتفجع خير جميع خلقك بولده، إلهي أًتنزل بلوى هذه الرزيّة بفنائه، إلهي أًتلبس عليّاً وفاطمة ثياب هذه المصيبة، إلهي أًتحلّ كربة هذه المصيبة بساحتهما.
ثم كان يقول: إلهي ارزقني ولداً تقرّ به عيني على الكِبر، فإذا رزقتنيه فافتنّي بحبّه، ثم أفجعني به كما تفجع محمداً حبيبك بولده. فرزقه الله يحيى وفجعه به وكان حمل يحيى ستة أشهر، وحمل الحسين سلام الله عليه كذلك(1).
• عَنِ الرَّيَّانِ بْنِ شَبِيبٍ عَنِ الرِّضَا سلام الله عليه فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ شَبِيبٍ إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَلْقَى اللَّهَ ولا ذَنْبَ عَلَيْكَ فَزُرِ الْحُسَيْنَ.
يَا ابْنَ شَبِيبٍ إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَسْكُنَ الْغُرَفَ الْمَبْنِيَّةَ فِي الْجَنَّةِ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله فَالْعَنْ قَتَلَةَ الْحُسَيْنِ.
يَا ابْنَ شَبِيبٍ إِنْ سَرَّكَ أَنْ يَكُونَ لَكَ مِنَ الثَّوَابِ مِثْلُ مَا لِمَنِ اسْتُشْهِدَ مَعَ الْحُسَيْنِ سلام الله عليه فَقُلْ مَتَى ذَكَرْتَهُمْ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً(2).
• من الشعراء الذين رثوا الإمام الحسين سلام الله عليه وحظوا بدعاء الأئمة الهداة الأطهار الكميت، وجعفر بن عفان الطائي وأبو هارون المكفوف والسيد الحميري ودعبل الخزاعي. وهؤلاء كانوا يرثون مولانا سيد الشهداء سلام الله عليه خفية.
وقد حَكَى دِعْبِلٌ الْخُزَاعِيُّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سَيِّدِي وَمَوْلايَ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا سلام الله عليه فِي مِثْلِ هَذِهِ الأيَّامِ فَرَأَيْتُهُ جَالِساً جِلْسَةَ الْحَزِينِ الْكَئِيبِ وَأَصْحَابُهُ مِنْ حَوْلِهِ، فَلَمَّا رَآنِي مُقْبِلاً قَالَ:
مَرْحَباً بِكَ يَا دِعْبِلُ، مَرْحَباً بِنَاصِرِنَا بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ. ثُمَّ إِنَّهُ وَسَّعَ لِي فِي مَجْلِسِهِ وَأَجْلَسَنِي إِلَى جَانِبِهِ، ثُمَّ قَالَ لِي:
يَا دِعْبِلُ أُحِبُّ أَنْ تُنْشِدَنِي شِعْراً فَإِنَّ هَذِهِ الأيَّامَ أَيَّامُ حُزْنٍ كَانَتْ عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ وَأَيَّامُ سُرُورٍ كَانَتْ عَلَى أَعْدَائِنَا خُصُوصاً بَنِي أُمَيَّةَ. يَا دِعْبِلُ مَنْ بَكَى أَوْ أَبْكَى عَلَى مُصَابِنَا وَلَوْ وَاحِداً كَانَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ. يَا دِعْبِلُ مَنْ ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ عَلَى مُصَابِنَا وَبَكَى لِمَا أَصَابَنَا مِنْ أَعْدَائِنَا حَشَرَهُ اللَّهُ مَعَنَا فِي زُمْرَتِنَا. يَا دِعْبِلُ مَنْ بَكَى عَلَى مُصَابِ جَدِّيَ الْحُسَيْنِ سلام الله عليه غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ الْبَتَّةَ.
ثُمَّ إِنَّهُ سلام الله عليه نَهَضَ وَضَرَبَ سِتْراً بَيْنَنَا وَبَيْنَ حَرَمِهِ وَأَجْلَسَ أَهْلَ بَيْتِهِ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ لِيَبْكُوا عَلَى مُصَابِ جَدِّهِمُ الْحُسَيْنِ سلام الله عليه، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: يَا دِعْبِلُ ارْثِ الْحُسَيْنَ سلام الله عليه، فَأَنْتَ نَاصِرُنَا وَمَادِحُنَا مَا دُمْتَ حَيّاً، فلا تُقَصِّرْ عَنْ نَصْرِنَا مَا اسْتَطَعْتَ.
قَالَ دِعْبِلٌ: فَاسْتَعْبَرْتُ وَسَالَتْ عَبْرَتِي وَأَنْشَأَتُ أَقُولُ الأبْيَاتَ(3):

أفـاطـم لـو خــلت الحسين مجدلاً

وقـــد مــات عــطشان بـشط فرات

إذاً للـطــمت الــخد فــاطــم عـنده

وأجــريت دمـع العين فـي الوجنات

‏أفاطم قومي يا ابنة الخير وانـدبي

نـــجوم ســـمـاوات بــأرض فـــــلاة

وذكر في الارشاد: حتى أتى على آخرها، فلما فرغ من إنشادها قام الرضا سلام الله عليه فدخل إلى حجرته وبعث إليه خادماً بخرقة خز فيها ستمائة دينار وقال لخادمه: قل له استعن بهذه في سفرك وأعذرنا. فقال له دعبل: لا والله ما هذا أردت ولا له خرجت ولكن قل له اكسني ثوباً من أثوابك وردّها عليه. فردّها الرضا سلام الله عليه فقال له: خذها، وبعث إليه بجبّة من ثيابه(4).‏


(1) بحار الأنوار/ ج 44/ باب 30 إخبار الله تعالى أنبياءه و.../ ص 223/ ح1.
(2) وسائل الشيعة/ ج14/ باب 37 تأكّد استحباب زيارة الحسين سلام الله عليه/ ص 417/ ح 19493.
(3) مستدرك الوسائل/ ج 10/ باب 83 استحباب إنشاد الشعر في رثاء .../ ص 386/ ح2.
(4) الإرشاد/ ج2/ ص 263.