كلمة سماحة السيد دام ظله حول خصائص خدمة القضية
الحسينية
بجمع من العلماء والمبلغين من محافظة إصفهان
 |
على أعتاب شهر محرم الحرام وحلول ذكرى ملحمة
عاشوراء وكالسنوات السابقة قام بزيارة المرجع الديني
سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي
دام ظله في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة يوم
الأربعاء الموافق للسابع والعشرين من شهر ذي الحجة
الحرام 1427 للهجرة، جمع من العلماء وأساتذة الحوزة
العلمية، وأئمة الجمعة والجماعة والمبلّغين من محافظة
اصفهان، للاستفادة من إرشادات سماحته.
ومع أنّ وعكة صحيّة قد ألمّت بسماحته إلاّ أنه حضر
شخصياً وشكر الوافدين زيارتهم ودعا الله تعالى لهم
بالمزيد من التوفيق وأن تشملهم رعاية مولانا المفدّى
الإمام المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف،
وألقى كلمة قيّمة فيهم استهلّها بالآية الشريفة:
«ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المنافسون»(1) وقال:
إنّ مضمون هذه الآية الشريفة يخصّ درجات الجنة
والمنافسة في الأعمال الصالحة، وإنّ من مصاديقها
المهمة جداً قضية مولانا سيد الشهداء سلام الله عليه
وملحمة عاشوراء. فسيحلّ علينا شهر محرم الحرام لسنة
1428 للهجرة بعد بضعة أيام وسيتنافس الناس عامة في
إحياء قضية الإمام الحسين سلام الله عليه والشعائر
الحسينية. وبالطبع سيحظى هذا التنافس بين رجال العلم
والمبلغين والمؤلفين والخطباء بأهمية كبرى وإجلال
أكثر.
وأضاف سماحته: ففي إطار المشاركة في إقامة العزاء
الحسيني من البديهي أن نجد تفاوتاً في مستوى اهتمام
المعزّين وما يقدّمونه من خدمة، لكن رجال العلم عليهم
أن يهتموا أكثر ويبذلوا قصارى جهدهم في خدمة مبادئ
النهضة الحسينية المقدسة، باعتبارهم قدوة للناس
ومعلّمين لهم. فالأهمية التي يوليها علماؤنا هذا اليوم
للقضية الحسينية هي ثمرات ما أولاه علماؤنا الأجلاّء
من السلف الصالح. فقد جاء في الحديث الشريف عن مولانا
الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: «الدالّ على الخير
كفاعله»(2) و«من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها
الى يوم القيامة»(3).
وأوضح سماحته: إن الله سبحانه خصّ الإمام الحسين سلام
الله عليه باستثناءات تكوينية وتشريعية متعددة.
على سبيل المثال: حرّم أكثر الفقهاء أكل التراب للشفاء
ولغيره وإن كان تراب مراقد المعصومين، لكنهم استثنوا
من ذلك التربة الحسينية المطهرة. وهذه خصيصة لم نجدها
للكعبة المشرفة التي شرّفها الله تعالى باسمه العظيم
واختارها بيتاً له.
واعتبر سماحته سيرة العلماء من السلف الصالح بأنها خير
مثال في مجال التنافس في خدمة مبادئ عاشوراء وقال: ذكر
والدي المرحوم وقال:
في أيام شبابي كنت في مدينة سامراء وكانت المدرسة التي
أدرس فيها تقيم مجلساً للعزاء في عشرة محرم من كل سنة
وكان الطلاب يعطلون الدراسة في هذه الأيام ويصبّون جلّ
اهتمامهم في إقامة مواكب العزاء والمشاركة في المجالس.
وفي أيام عاشوراء من إحدى السنين، تصوّر أحد الطلاب أن
المطالعة والمباحثة قد تكون لها أهمية أكثر من
المشاركة في مجالس العزاء، وظنّ في قرارة نفسه أنّ
حضوره في مجالس العزاء وعدمه سيّان، فصمّم على أن
ينتهز العطلة في عشرة محرم الأولى بالاهتمام بالمطالعة
والمباحثة أكثر من اهتمامه بالمشاركة في العزاء. فكان
يطالع ويتباحث وحده واقتصر حضوره في مجالس العزاء على
مدة ارتقاء الخطيب المنبر. ولكن بعد أن انقضت العشرة
الأولى من محرم أصيب بألم شديد في عينيه وطال به الألم
لمدة عشرة أيام فحُرِم ع
لى أثر ذلك من الحضور في حلقات
الدروس.
وأردف سماحته: كان المرحوم آقا ميرزا محمد أرباب من
كبار علماء مدينة قم المقدسة، وقد أصيبت عيناه بضعف
شديد حيث كان يصعب عليه النظر، وبقي مصاباً بذلك لسنين
حتى اضطرّ أن يضع النظارات. وصمم ذات مرة أن يذهب
لزيارة الإمام الحسين سلام الله عليه فذهب إلى مدينة
البصرة وركب قطاراً قاصداً مدينة كربلاء المقدسة،
ولكنه لكثرة الراكبين لم يجد مكاناً له إلا في إحدى
الممرات التي كان مليئة بعرب من البادية وكانت أقدامهم
ملطخة بالطين لأنهم قضوا الطريق المؤدّي لمحطة القطار
مشياً على الأقدام وكان الجو حينها ممطراً.
وعندما وصل القطار قرب مدينة كربلاء قال ميرزا محمد مع
نفسه: هؤلاء الأشخاص من الزوّار المخلصين للمولى سيد
الشهداء سلام الله عليه، ولعلّي أجد شفاء عينيّ في
الطين الملصق بأقدامهم. فنهض وتناول مقداراً من الطين
من قدم أحدهم دون أن يشعر بذلك، ومسح على عينيه. وبعد
عدّة أيام من وجوده في كربلاء وحينما كان يقرأ القرآن
صباحاً انتبه أنه يقرأ بلا نظارة، وبقي هكذا إلى أن
وافته المنيّة.
وعقّب سماحته: هذه القصّة تدلّ على أنّ تراب الزائر
الحسيني المخلص أيضاً فيه الشفاء وليس فقط تراب كربلاء
وتراب المرقد الحيسني الطاهر.
واعتبر سماحته خدمة القضية الحسينية ملاكَ التوفيق
الذي حظي به العلماء الماضون وقال: من مواكب العزاء
المشهورة في العراق عزاء طويريج. ويمتاز هذا العزاء
أنّ المشاركين فيه ينطلقون صوب كربلاء المقدسة في يوم
العاشر من محرم الحرام مهرولين وهم يضربون بأيديهم على
الرؤوس، لذا تُعدّ المشاركة فيه صعبة على بعض الناس.
وفي إحدى السنين وفي يوم عاشوراء وعندما كان هذا
العزاء منطلقاً نحو كربلاء كان السيد بحر العلوم يشاهد
هذا العزاء لكنه فجأة التحق بهذا العزاء وبدأ يهرول مع
المعزّين ويضرب بيده على رأسه. فسأله الناس: سيدنا هذا
لا يليق بشأنكم، فقال: لقد رأيت مولاي الإمام صاحب
العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف ضمن
المعزّين فكيف لا أشارك فيه.
وقد كان للسيد بحر العلوم أخ يدعى السيد جواد بحر
العلوم وكان من فطاحل العلماء ويرجع نسب كثير من
السادة الطباطبائيين إليه، ومنهم المرحوم آية الله
البروجردي رحمه الله تعالى، وكان كأخيه قمة في الورع
والزهد ولكن كان غير معروف لدى معظم الناس، حتى أني
شخصياً وللعقد الرابع من عمري ما كنت أعلم أن للسيد
بحر العلوم أخاً هو السيد جواد، فهو لم يشتهر كما
اشتهر السيد بحر العلوم، والسبب في ذلك أن السيد بحر
العلوم كان يولي اهتماماً كبيراً لقضية عاشوراء، فقد
كان رحمه الله حسينياً بما في الكلمة من معنى.
وفي ختام حديثه أوصى سماحته الحاضرين مؤكداً: ليسعَ
كلُّ واحد منكم في الامتثال للمبادئ السامية التي
لأجلها نهض الإمام الحسين سلام الله عليه، وأن يهدي
الآخرين لها.
كما يجدر بكم أن تكونوا ممن يقدّم خدمة أكثر وأفضل
خلال شهري محرم وصفر في سبيل إحياء قضية مولانا سيد
الشهداء سلام الله عليه.