المرجع الديني سماحة السيد الشيرازي دام ظله:
الشاكّ بولاية أمير المؤمنين شاكّ بالرسول الأمين وبما جاء به من الله تعالى

إن الشاكّ بولاية أمير المؤمنين سلام الله عليه يكون غير مؤمن بالرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وبما جاء به من عند الله الكبير المتعال، كما خاطب الإمام الهادي جدّه الإمام أمير المؤمنين في زيارة يوم الغدير حيث قال سلام الله عليه: «والشاكّ فيك ما آمن بالرسول الأمين»(1).
هذا ما أكّده المرجع الديني سماحة آية الله العظمى الحاج السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في توجيهاته القيمة التي ألقاها عشية عيد الغدير الأغر يوم الأحد الموافق للسابع عشر من شهر ذي الحجة الحرام 1427 للهجرة على جمع من طلاب وطالبات العلوم الدينية الأفارقة الذين وفدوا على بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة لتقديم التهاني والتبريكات لسماحته بمناسبة حلول عيد الله الأكبر، عيد الغدير الأغرّ.
وقال سماحته أيضاً: لقد ذكر القرآن الكريم الولاية الكبرى والإمامة العظمى للإمام عليّ سلام الله عليه في موارد عديدة ومنها قوله عزّ من قائل: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ»(2). وهذه الآية الكريمة ليست تهديداً للنبي المصطفى صلّى الله عليه وآله وإن كانت صيغتها صيغة تهديد وإنما المقصود بها كلُّ من لا يرضى بهذا الأمر العظيم، ليعلموا أهميته وعظمته عند الله جلّ شأنه. فالقرآن الحكيم نزل بطريقة «إيّاك أعني واسمعي يا جارة»(3) كما جاء في أحاديث أهل بيت العصمة الأطهار سلام الله عليهم.
كما أن من الإيمان برسول الله صلّى الله عليه وآله الإيمان بأمير المؤمنين سلام الله عليه وبولايته، فقد قال صلّى الله عليه وآله: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه»(4).
بعد ذلك ذكر سماحته الحديث النبوي الشريف التالي: «يا عليّ .. وأيم الله لئن يهدي الله على يديك رجُلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت»(5) وتطرّق إلى موضوع ممارسة التبليغ والهداية وقال:
إن الدنيا وما فيها من مال ومقام وجاه وشخصية وكنوز وما شابه ذلك لا تعدل عند الله شيئاً وليست لها أية قيمة.
أما تبليغ الإسلام ورسالة أهل البيت سلام الله عليهم وممارسة الهداية وإنقاذ الناس من الجهل والضلال وإخراجهم من الظلمات إلى النور، فهذه الأمور من أفضل الأعمال عند الله سبحانه وأكثرها قيمة وقدراً، بل أفضل من كل ما تطلع عليه الشمس وتغرب، كما ورد في الحديث المذكور آنفاً.
وأضاف سماحته: نحن على أعتاب شهري محرم الحرام وصفر الخير فحاولوا أن تملأوا صحيفة أعمالكم بأفضل الأعمال وهي السعي في هداية الناس إلى نور أهل البيت الأطهار سلام الله عليهم، وهذا العمل بحاجة إلى مقدّمات ثلاث هي:
1. علم واسع: فعبّئوا أنفسكم تعبئة علمية جيّدة. فالإنسان مهما يكن عالماً ومهما يدرس فإنه بحاجة دوماً إلى المزيد والمزيد من العلم والمعرفة. وقد خاطب الله تعالى نبيّه الأكرم صلّى الله عليه وآله: «وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا»(6). وكلما كان للمرء زخم علمي كبير وواسع يكن أكثر توفيقاً. فجدّوا في تعلّم علوم الإسلام من أصول وأحكام وأخلاق وآداب وسنن، واسعوا أيضاً إلى جانب ذلك في تعلّم العلوم المعاصرة من سياسة واقتصاد واجتماع وغير ذلك.
2.أخلاق فاضلة: فالتزموا بأخلاق الإسلام الراقية كالصبر والحلم والمرابطة والاستقامة، مع كل من تتعاملون معه سواء كان مسلماً أو غير مسلم. فكلما يكون الإنسان حسن الخلق يكون موفّقاً أكثر. وكلما كانت أخلاق الممارس للهداية أحسن اهتدى بسببه اُناس أكثر. وكلما كانت أخلاق المرء أفضل كانت أعماله أثمن وأكثر قيمة عند الله جلّ وعلا. وأوصيكم بهذا الصدد أن تقرأوا المجلّد العشرين من موسوعة بحار الأنوار الذي تضمّن بين طياته قصص عن مولانا رسول الله صلّى الله عليه وآله في ابتداء بعثته المباركة، وما تعرّض له وهو أشرف الأولين والآخرين من متاعب نفسية وجسدية في سبيل هداية الناس وإرشادهم لدين الله سبحانه. واقتدوا أيضاً في ذلك بالأئمة الميامين الطاهرين فقد جاء في الروايات الشريفة أن رجلاً نصرانياً قال للإمام محمد الباقر سلام الله عليه: أنت بقر.
قال: أنا باقر.
قال: أنت ابن الطبّاخة.
قال: ذاك حرفتها.
قال: أنت ابن السوداء الزنجية البذية.
قال: إن كنت صدقت غفر الله لها وإن كنت كذبت غفر الله لك.
قال الراوي: فأسلم النصراني(7).
ولكم خير أسوة أيضاً في السلف الصالح من علمائنا الماضين رضوان الله تعالى عليهم. فقد نقلوا في أحوال الشيخ نصير الدين الطوسي رضوان الله تعالى عليه أنه ذات مرّة كتب له شخص ما رسالة كان فيها سبّ وشتم. ومن جملة ما كتبه فيها: أنت كلب.
فأجابه الشيخ الطوسي: وأما قولك عنّي كلب فهذا خطأ، لأن الكلب يمشي على أربع وأنا أمشي على رجلين. والكلب حيوان مُشعِر وأنا لست هكذا. والكلب فصله غير فصل الإنسان، فالكلب نابح وأنا ناطق.
وعقّب سماحته قائلاً: كان بإمكان الشيخ الطوسي أن ينزل العقوبة بذلك الشخص بإشارة منه لأنه في حينها كان له موقع سياسي مهم، وكان من كبار علماء عصره، لكنه حلم عن ذلك الشخص واكتفى بجواب توضيحي فقط.
3. تأسيس المؤسسات. اعلموا أن هذا الأمر من الباقيات الصالحات. فليسع كل واحد منكم في تأسيس وإنشاء مؤسّسات ثقافية ودينية واجتماعية. وحاولوا أن تهدوا الآخرين بواسطة قلمكم علاوة على ممارستكم بالعمل واللسان، وذلك بممارسة التأليف عبر إصدار المجلات والكتب، فهذا الأمر من جملة العمل المؤسساتي.
وختم دام ظله حديثه مؤكّداً ومخاطباً للحاضرين:
إن ممارسة الهداية من أهم الأعمال عند الله سبحانه وأفضلها كما قلت آنفاً، وكان هدف مولانا سيد الشهداء الإمام الحسين صلوات الله عليه من تضحيته بدمه الطاهر وبمهجته الطاهرة يوم عاشوراء هو هداية الناس، كما نقرأ في زياراته سلام الله عليه: «وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة»(8).
وأنتم الآن بعيدون عن أهاليكم وبلدكم، وقد نذرتم أنفسكم في سبيل الله سبحانه وفي سبيل رسوله الأكرم وأهل بيته الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فاسعوا إلى الاستفادة مما ذكرته لكم حتى توفّقوا لخدمةٍ أكثر وهداية اُناس كُثَّر.
وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.


(1) بحار الأنوار/ ج97/ باب 5 زياراته صلوات الله عليه المختصة بـ .../ ص 361.
(2) سورة المائدة: الآية 67.
(3) بحار الأنوار/ ج 34/ ص 384.
(4) أصول الكافي/ ج1/ باب فيه نكت ونتف من التنزيل .../ ص 420/ ح 42.
(5) تهذيب الأحكام/ ج6/ باب 62 الدعوة إلى الإسلام/ ص 141/ ح2.
(6) سورة طه: الآية 114.
(7) المناقب لابن شهر آشوب/ ج4/ فصل في معالي أموره سلام الله عليه/ ص 207.
(8) الكامل في الزيارات/ زيارة أخرى .../ ص 222.