فضيلة الشيخ داعي زاده دام عزّه:
التهاون في أداء الفرائض سبب رئيسي لكثير من المشاكل

تحدّث فضيلة الشيخ كاظم داعي زاده حفظه الله يوم الجمعة الموافق للثالث والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام 1427 للهجرة ضمن سلسلة المحاضرات التربوية التوجيهية التي تقام اسبوعياً في بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى الحاج السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله بمدينة قم المقدسة، وقال:
يُعدّ ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب من الأشهر الحرم ولها مكانة خاصة في ثقافة الإسلام. ويجدر بالمؤمنين والمؤمنات أن يستثمروا أيام هذه الأشهر المحترمة في التقرّب إلى الله تعالى أكثر وأكثر، خصوصاً الأيّام الخاصة بمواليد واستشهاد الأئمة الهداة الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين.
ثم تطرّق إلى ذكر جوانب من سيرة مولانا ثامن الحجج الأطهار الإمام علي بن موسى الرضا سلام الله عليه وقال: جاء في الروايات حول فضل زيارة الإمام الرضا سلام الله عليه عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي قال: «قرأت في كتاب أبي الحسن الرضا سلام الله عليه: أبلغ شيعتي أن زيارتي تعدل عند الله ألف حجّة. قال: فقلت لأبي جعفر [الجواد] سلام الله عليه: ألف حجّة؟ قال: إي والله، وألف ألف حجّة لمن زاره عارفاً بحقّه»(1).
وأضاف: لقد تعرّض الإمام الرضا سلام الله عليه بعد استشهاد أبيه سلام الله عليه لمحن عديدة، كان يقاسي منها ويتجرّع مرارتها. فهو من جهة كان يعاني من جور حكام بني العباس وأجهزتهم، ومن جهة ثانية شهد في مطلع إمامته الانقسام بين بعض أصحاب أبيه سلام الله عليه، وكان منهم فرقة الواقفة وهم جماعة وقفوا على إمامة الإمام الكاظم سلام الله عليه ولم يرجعوا لخليفته الشرعي الإمام الرضا سلام الله عليه.
كما عانى الإمام الرضا سلام الله عليه الغربة، فقد أجبره المأمون العباسي على ترك المدينة المنوّرة والعيش في خراسان، حتى قضى سلام الله عليه نحبه شهيداً غريباً. وبهذا الخصوص ذكرت الأحاديث الشريفة عن علي عن أبيه عن مخول السجستاني قال: «لما ورد البريد بإشخاص الرضا سلام الله عليه إلى خراسان كنت أنا بالمدينة، فدخل المسجد ليودع رسول الله صلى الله، فودّعه مراراً، كل ذلك يرجع إلى القبر ويعلو صوته بالبكاء والنحيب. فتقدّمت إليه وسلّمت عليه فردّ السلام، وهنّأته فقال: زرني فإني أخرج من جوار جدّي صلى الله عليه وآله فأموت في غربة وأُدفن في جنب هارون. قال: فخرجت متبعاً لطريقه حتى مات بطوس ودفن إلى جنب هارون»(2).
وأردف: يجدر بنا جميعاً أن نتبرك بكل ما له صلة بأهل البيت الأطهار سلام الله عليهم، ومن ذلك زيارة مراقدهم المقدسة. فهم سلام الله عليهم أحياء يسمعون كلامنا ويردّون سلامنا، ويعلمون بكل ما يختلج في صدورنا. فيجدر بنا أن نتوسّل إلى الله تعالى بهم دوماً لقضاء الحوائج. فكثير من الناس زاروا المرقد الطاهر لمولانا الإمام الرضا سلام الله عليه وقضيت حوائجهم، وكثير منهم رأى عجائب وكرامات عديدة، ومنها القصة التالية:
ذهب أحد الأجلاّء ذات مرّة إلى مدينة مشهد المقدسة لزيارة الإمام الرضا سلام الله عليه، وعندما وصل إلى الروضة الطاهرة كان الوقت يقترب من المغرب ولم تكن المدينة في تلك الأيام كيومنا هذا، ولا كان الزوّار كثيرين، ولذلك كان قيّم الروضة - عندما وصل هذا الزائر - علی وشك أن يقفل باب الروضة ويعود إلی بيته، فالتمسه (الزائر) أن يدعه يزور، ولكنه اعتذر طالباً منه أن يأتي صباح اليوم التالي لزيارة الإمام؛ لأنه لا يسعه أن يتأخّر أكثر من ذلك.
قال الزائر: إذن اسمح لي بالمبيت هذه الليلة، عند الإمام سلام الله عليه، أي في الروضة المطهّرة؛ لأني قادم توّاً من مكان بعيد.
فقال له القيّم : لا بأس، ولكني سأقفل عليك الباب وأرحل؛ ولذلك ينبغي لك إن كانت لك حاجة أن تقضيها وتكون مستعدّاً للبقاء داخل الروضة حتى الصباح ريثما أعود وأفتح الباب للزائرين.
رضي الرجل بذلك ولكنه طلب من القيّم شمعةً تعينه علی قراءة القرآن والأدعية وزيارة الإمام سلام الله عليه في الليل.
واستجاب له القيّم وأعطاه شمعة ورحل بعد أن أقفل عليه الباب من الخارج، وظلّ صاحبنا وحيداً داخل الحرم الشريف، فصلّی المغرب والنوافل، ثم بدأ الظلام يخيّم رويداً رويداً حتى أطبق على المكان ، وبعد فترة نوى الرجل أن يقرأ بعض الأدعية فأشعل الشمعة وجعل يقرأ، واستمرّ زهاء ساعتين حتى أتت الشمعة على آخرها وعاد الظلام سيّد الموقف، فأسف أنه لم يطلب من القيّم أكثر من شمعة واحدة، ولكنه فكّر في نفسه أنه ليس من المناسب أن ينام وهو عند الإمام سلام الله عليه فقرر أن يردد ما يحفظ من السور القرآنية القصار أو بعض الآيات الكريمة من السور الطوال.
يقول: وبينما أنا كذلك إذ أحسست أن شخصاً يقرأ معي القرآن ويردد الآيات التي أتلوها، وكان صوته جميلاً ‌جداً.
يقول الشخص: سكتّ فسكت الصوت، ‌وعدت فعاد، فقلت في نفسي: لعل القيّم سمح لغيري كما سمح لي بالبقاء في الحرم، وأنه هو الذي يردد معي، فقررت أن أفتّش المكان عن طريق المشي والتلمّس، ولكن دون جدوى.
فعدت إلى مكاني وشرعت بالقراءة‌ مرّة أخرى،‌ وإذا بالصوت يعود، فقرّرت أن أنصت هذه المرّة‌ لأعرف مصدر الصوت وجهته.
يقول: وإذا بالصوت ينبعث من داخل القبر الطاهر نفسه. وبقيت هكذا حتى الصباح أقرأ القرآن والإمام يردد معي وأنا أسمع.
وفي جانب آخر من حديثه تطرّق الشيخ داعي زاده إلى بيان أهمية الالتزام بالواجبات والامتثال لأوامر الله سبحانه وقال: يجب على المؤمنين أن يمتثلوا لما أمر الله تعالى به، ومنها أداء الخمس، والزكاة، والصلاة، وأداء حقوق الناس وغيرها.
كما يجدر بهم أن يلتزموا بالمستحبّات وبآداب الإسلام وسننه. فلعل سبب الكثير من المشاكل التي يتعرّض لها المرء هو التهاون والتقصير في أداء الواجبات.
على سبيل المثال: إن الاستخفاف والتهاون بالصلاة الواجبة تسلب التوفيق من الإنسان في الدنيا، فضلاً عن العقاب المترتب على ذلك في الآخرة. فقد جاء في الروايات الشريفة عن الإمام الباقر سلام الله عليه: «إن أوّل ما يحاسب به العبد الصلاة، فإن قُبلت قُبل ما سواها، وإن الصلاة إذا ارتفعت في وقتها رجعت إلى صاحبها وهي بيضاء مشرقة تقول: حفظتَني حفظَك الله، وإذا ارتفعت في غير وقتها، بغير حدودها، رجعت إلى صاحبها وهي سوداء مظلمة تقول: ضيّعتَني ضيّعَك الله»(3).


(1) بحار الأنوار/ ج99/ باب 4 فضل زيارة إمام الإنس والجن .../ ص 33/ ح5.
(2) عيون أخبار الرضا/ ج2/ دلالة أخرى/ ص 217/ ح 26.
(3) الكافي/ ج3/ باب من حافظ على صلاته أو ضيّعها/ ص 268/ ح4.