سماحة السيد دام ظله مخاطباً جمعاً من الطلاب السعوديين:
اتقوا الله واجتنبوا شهوات النفس ورغباتها كي تنالوا التوفيق

قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة يوم الأربعاء الموافق للواحد والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام 1427 للهجرة، جمع من طلاب العلوم الدينية من السعودية، فأفاض سماحته عليهم بإرشاداته القيّمة وقال:
أنتم اليوم طلبة، ولكن بعد مدّة (50 سنة مثلاً) قد يصبح أحدكم مرجعاً والآخر عالماً وثالثٌ أستاذاً وربّما يكون من بينكم الوزير، وهكذا ستكون مستوياتكم وتخصصاتكم مختلفة، وسيكون فيكم من هو سعيد لمسيرته ولما وصل إليه، وقد يكون بينكم من لا يشعر بالرضا على ما فرط منه. فالعلماء الماضون كانوا في بداية أمرهم شباباً مثلكم وطلبة ضمن آلاف الطلاب، ولكن انظروا كيف وُفّقوا وصاروا علماء كباراً وبقي اسمهم وذكرهم وسيبقى إلى يوم القيامة؟
وأوضح سماحته: إن سرّ توفيق علمائنا الأجلاء هو أنهم التزموا بأمرين مهمّين، أذكرهما لكم عسى أن تلتزموا بهما لتنالوا التوفيق:
1. الاستفادة الكاملة من الوقت في تعلّم العلم، وعدم تضييع حتى لحظة واحدة فيما هو غير ضروري أو غير نافع. وعلى سبيل المثال: جنّبوا أنفسكم السفرات غير الضرورية والجلسات التي لا طائل وراءها.
2. الالتزام بتقوى الله تعالى والخوف منه في كل صغيرة وكبيرة والسعي لمرضاته جلّ شأنه، فإن ذلك يجلب عون الله دوماً.
وعقّب سماحته: كل واحد منكم سيوفَّق في حياته وفي طلب العلم بمقدار التزامه بالأمرين المذكورين أعلاه «وفي ذلك فليتنافس المنافسون»(1).
وحول أهمية الالتزام بالتقوى وما لها من آثار إيجابية قال سماحته: أذكر لكم قصّة من تاريخ الحوزة العلمية في مدينة النجف الأشرف عن أحد العلماء الماضين والذي كان بدوره في يوم من الأيام شابّاً متعلّماً ثم أصبح أستاذاً ثم عالماً ومرجعاً للتقليد، وهو المرحوم الشيخ محسن خنفر.
مرض الشيخ محسن خنفر في أخريات حياته مرضاً أجلسه في البيت وألزمه الفراش، بحيث لم يستطع مزاولة شؤون المرجعية من التدريس، وتحقيق المسائل، والإجابة على الأسئلة الشرعية و...، وطال به المرض إلى أن توفي رضوان الله تعالى عليه عام 1270 للهجرة، وتوفي الشيخ صاحب الجواهر قبله بأربع سنوات أي عام 1266 للهجرة، وفي الفترة ما بين وفاة صاحب الجواهر إلى وفاة الشيخ خنفر صارت المرجعية للمرحوم الشيخ مرتضى الأنصاري رضوان الله تعالى عليه.
ونقلوا أنه جيء للشيخ الأنصاري رضوان الله تعالى عليه بكيس كبير مملوءاً بالليرات الذهبية وكان الكيس يسع لمئة كغم، وبدون أن يفتحه الشيخ الأنصاري قال: احملوه إلى الشيخ محسن خنفر. فأتوا به إلى الشيخ خنفر فقال: ما هذا؟ قالوا: الشيخ الأنصاري يبلّغكم السلام ويقول هذا لك. فسأل عما فيه؟ قالوا: ليرات ذهبية. فجلس الشيخ خنفر وفتح الكيس وأخذ ليرة واحدة وكسر منها كسرة وأخذها وأرجع المتبقي منها في الكيس وقال: ارجعوا به إلى الشيخ الأنصاري، فهذا المقدار الذي أخذته يكفيني حالياً.
وعندما أرجعوا الكيس إلى الشيخ الأنصاري قام بتوزيع ما فيه على الفقراء والأيتام وعلى المساجد والحسينيات وعلى مجالس أهل البيت سلام الله عليهم وعلى المشاريع الخيرية الأخرى.
وبعد أيام توفي الشيخ خنفر وتبيّن أنّ المقدار الذي أخذه من الليرة كانت حاجته وحاجة عائلته للأيام المتبقية من حياته.
وأردف سماحته: في الحقيقة إن هذه القصة كانت امتحاناً كبيراً للشيخ محسن خنفر، حيث استطاع بتحمّله للمرض والفقر والألم وعدم اغتراره بمال الدنيا أن يخرج منه مرفوع الرأس. فلو أن شخصاً آخر كان بمكان الشيخ خنفر فلربما قال: قد أبقى مريضاً وفقيراً فلأغتنم هذه الفرصة وآخذ ليرات أكثر وادّخرها لليوم (الأسود) كما يعبّرون. ونحن أهل العلم نواجه ظروفاً صعبة وفي أكثر الأحيان تواجهنا ابتلاءات كثيرة فيجب أن نقي أنفسنا من الانجرار وراء شهوات النفس ورغباتها.
وأكّد دام ظله: قال الله تعالى في كتابه الكريم: «لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب»(2)، وأنتم على وتيره العلماء الماضين وفي طريقهم فاقرأوا تاريخهم واعزموا على أن تتعلّموا منهم حتى يتعلّم الآتون منكم، وهو أن تكونوا أحسن علماً وأحسن تقوى وأحسن زهداً. فعلماؤنا رضوان الله تعالى عليهم ورّثونا تراثاً ثميناً فعلينا أن نورّث الأجيال القادمة ما ورثناه من الماضين.
كما يجدر بكم أن تبذلوا المزيد من الجهد في سبيل نشر علوم أهل البيت سلام الله عليهم ليطّلع العالم على الإسلام الحقيقي، وشجعوا أقرانكم من الشباب في أن يحذوا حذوكم. واعلموا أن خدمة أهل البيت سلام الله عليهم توفيق عظيم، وفيه خير كثير.


(1) سورة المطففين: الآية 26.
(2) سورة يوسف: الآية 111.