المرجع الديني سماحة السيد الشيرازي دام ظله يؤكد:
علم بلا أخلاق علم ناقص وضارّ

قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة يوم الخميس الموافق للسابع عشر من شهر شوال المكرّم 1427 للهجرة جمع من طلاب (مدرسة الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله للعلوم الدينية)، وألقى سماحته عليهم كلمة قال فيها:
ذكرت كتب اللغة والفقه والروايات الشريفة أن ركن الشيء هو ذلك الذي بعدمه يختلّ الشيء أو يكون ناقصاً.
على سبيل المثال: إن للصلاة أجزاءً وشروطاً وأركاناً فإن أتى المصلّي بالقراءة، والقيام، والسجدتين، والتشهّد، ولم يأتِ بركوع واحد فإنّ صلاته تكون باطلة، لأن الركوع من أركان الصلاة. والحجّ أيضاً هو عبارة عن مجموعة من الأعمال كالطواف، والإحرام، وصلاة الطواف، والحلق والتقصير وما إلى ذلك، فإن أدّى الحاجّ أعمال الحجّ كلّها ولم يقف بعرفات فلن يعتبر حاجّاً، لأنه جاء في الحديث النبوي الشريف: «الحجّ عرفة»(1).
وقال سماحته: وهكذا الحال بالنسبة لطلاّب العلوم الدينية، فإن لم تكن فعالياتهم العلمية ـ كالتعلّم والتعليم والمباحثة ـ مواكبة للأخلاق الحسنة وعلى رأسها الحلم فإنها ستكون عديمة الفائدة والجدوى؛ لأنه جاء في الحديث الشريف عن الإمام الصادق سلام الله عليه: «عليك بالحلم فإنّه ركن العلم»(2).
وأوضح سماحته: توجد في داخل كل إنسان قوة تسمّى بالغضب. هذه القوة إن استعملها الإنسان فيما ينبغي وفيما لا يخرج عن الشرع والعقل فإنها مفيدة ولازمة. أما إذا استعملها فيما لا ينبغي بحيث تخرج عن طاعة الشرع والعقل فإنها ستكون مدمّرة ومهلكة. فالطاقة الكهربائية مثلاً أو الماء أو الغاز التي هي من نعم الله تعالى فيها فوائد كثيرة، ولكن إن لم تستخدم بالصورة الصحيحة فإنها ستكون مخرّبة ومدمّرة.
إذاً فينبغي للمرء أن يتصف بما يستطيع أن يسيطر به على الغضب أو يقمع شدّته وهو الحلم. ففي الواقع يمكن القول أن العلم قوة يمكن استخدامها في الخير أو الشر، والحلم هي تلك القوة التي تتحكم بالعلم وتهديه إلى الطريق القويم. فطالب العلوم الدينية إن كان يريد العلم الكثير والنافع والصحيح فعليه أن يلتزم بحسن الخلق وعلى رأسه الحلم. والعكس بالعكس أيضاً. فالعلم كالكهرباء والماء ونحوهما فيه فوائد كثيرة إن صح استخدامه، إما إن أُسيء استخدامه فإنه سيكون نقمة ووبالاً.
وتطرّق سماحته إلى سيرة أهل البيت سلام الله عليهم وقال:
إن الحلم من خصائص أخلاق أئمة أهل البيت الأطهارسلام الله عليهم، فيجدر بنا جميعاً أن نقتدي بهم، لأنه وكما ذكر الحديث الشريف عن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: «إن لكل مأموم إماماً يقتدي به»(3). وكنموذج عن ذلك أذكر لكم الروايتين التاليتين:
كان هشام بن إسماعيل والي عبد الملك بن مروان على المدينة وكان يسي‏ء كثيراً إلى الإمام زين العابدين علي بن الحسين سلام الله عليهما ويلحق به أذى شديداً، فلما عُزل أُمر به أن يوقف للناس. فمرّ به علي بن الحسين سلام الله عليه فقال له: يا ابن عم عافاك الله لقد ساءني ما صُنع بك فادعنا إلى ما أحببت. فقال: الله أعلم حيث يجعل رسالته. كما كان الإمام سلام الله عليه قد تقدّم إلى خاصته ألاّ يعرض له أحد(4).
وذُكر أن أعرابياً جاء إلى الحسين بن علي سلام الله عليهما فقال: يا ابن رسول الله قد ضمنت دية كاملة وعجزت عن أدائها، فقلت في نفسي أسأل أكرم الناس، وما رأيت أكرم من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال الحسين: يا أخا العرب أسألك عن ثلاث مسائل فإن أجبت عن واحدة أعطيتك ثلث المال، وإن أجبت عن اثنتين أعطيتك ثلثي المال، وإن أجبت عن الكل أعطيتك الكل. فقال الأعرابي: يا ابن رسول الله أمثلك يسأل عن مثلي وأنت من أهل العلم والشرف؟ فقال الحسين سلام الله عليه: بلى سمعت جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: المعروف بقدر المعرفة. فقال الأعرابي: سل عمّا بدا لك فإن أجبت وإلاّ تعلّمت منك ولا قُوَّةَ إلاّ بِاللَّهِ.
فقال الحسين سلام الله عليه: أي الأعمال أفضل؟ فقال الأعرابي: الإيمان بالله. فقال الحسين سلام الله عليه: فما النجاة من المهلكة؟ فقال الأعرابي: الثقة بالله. فقال الحسين سلام الله عليه: فما يزين الرجل؟ فقال الأعرابي: علم معه حلم. فقال: فإن أخطأه ذلك؟ فقال: مال معه مروءة. فقال: فإن أخطأه ذلك؟ فقال: فقر معه صبر. فقال الحسين سلام الله عليه: فإن أخطأه ذلك؟ فقال الأعرابي: فصاعقة تنزل من السماء وتحرقه فإنه أهل لذلك. فضحك الحسين سلام الله عليه ورمى بصرّة إليه فيها ألف دينار وأعطاه خاتمه وفيه فصّ قيمته مائتا درهم وقال: يا أعرابي أعط الذهب إلى غرمائك واصرف الخاتم في نفقتك. فأخذه الأعرابي وقال: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
(5).
وفي جانب آخر من حديثه أكّد سماحته أهمية مواكبة التعليم للأخلاق الحسنة وقال: كان علماؤنا الأجلاء من السلف الصالح يهتمّون كثيراً بطلب العلم وتعليمه للآخرين، حتى أنهم في آخر لحظة من لحظات حياتهم لم يتوانوا عن ذلك أبداً. فقد نقلوا عن أحدهم أنه كان في فراش الاحتضار، وحينما جاء أحد زملائه لعيادته سأله عن مسألة علمية ما. فتعجّب زميله وقال: أنت في هذه الحالة وتسأل؟! قال: أيّهما أفضل أن أموت وأنا عالم بهذه المسألة أو أن أموت وأنا جاهل بها؟
كما نقلوا عن الميرزا الشيرازي أنه كان يعالج سكرات الموت، وكان الجالسون حوله لا يعلمون أحيّ هو أم ميّت، لأن عينيه كانتا مغمضتين وكانت لا تصدر منه أية حركة. لكن أحد أنجاله الذي كان عارفاً بخصائص الميرزا جيّداً نهض وجلس بالقرب منه وقرّب فمه من أذن الميرزا وتمتم فيها بمسألة فقهية. حينها تعجّب الحاضرون حيث رأوا شفتي الميرزا تتحركان وبدأ يناقش المسألة مع ولده.
وأكّد دام ظله: إن علماءنا الكرام من السلف الصالح كانوا في بداية أمرهم طلاباً مثلكم، لكنهم نالوا المراتب الرفيعة بتمسّكهم بتعاليم أهل البيت سلام الله عليهم ومنها الجدّ والاجتهاد، والتحلّي بمكارم الأخلاق وعلى رأسها الحلم. إذاً ينبغي لطلاب العلوم الدينية أن يطالعوا سيرة الأنبياء والأئمة الطاهرين والعلماء الصالحين فإن فيها الكثير الكثير من العبر النافعة والمفيدة، حيث جاء في قوله تعالى: «لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب»(6).


1/ مستدرك الوسائل/ ج10/ باب 18 وجوب الوقوف بعرفات و.../ ص34/ ح 11388.
2/ أمالي الصدوق/ المجلس التاسع والثمانون/ ص 611/ ح9.
3/ نهج البلاغة/ باب كتبه ورسائله سلام الله عليه/ ص 416/ الكتاب 45 إلى عثمان بن حنيف الأنصاري.
4/ بحار الأنوار/ ج46/ باب 5 مكارم أخلاق الإمام زين العابدين سلام الله عليه وعلمه و.../ ص 55/ ح5.
5/ جامع الأخبار/ الفصل السادس والتسعون في حق السائل/ ص 137.
6/ سورة يوسف: الآية 111.