سماحة السيد دام ظله مخاطباً جمعاً من طالبات
العلوم الدينية:
كلّما تحلّى الطالب بالأخلاق الحسنة أكثر كان علمه
أزيد وأنفع وأصحّ
 |
إنّ طلاب وطالبات العلوم الدينية هم في الحقيقة
تلاميذ الإمام الصادق سلام الله عليه، وأتباع القرآن
الكريم وأهل البيت الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين.
هذا ما قاله المرجع الديني سماحة آية الله العظمى
السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله خلال كلمته
القيّمة التي ألقاها على جمع من طالبات (حوزة الزهراء
سلام الله عليها النسوية) في مدينة قم المقدّسة، يوم
الأربعاء الموافق للسادس عشر من شهر شوال المكرّم 1427
للهجرة.
وبعد أن ذكر الحديث الشريف التالي عن الإمام أمير
المؤمنين صلوات الله عليه: «يخبركم حلمهم عن علمهم»(1)
قال سماحته أيضاً: إن طلاّب العلم على نوعين: فبعض
يتعلّم كي ينتفع وينفع غيره، أي يكون هدفه من التعلّم
هو الوصول إلى الكمال المعنوي ومنه الارتقاء في طاعة
الله عزّوجلّ، وهؤلاء يسمّون بحملة العلم. وبعض يستغلّ
العلم في جعله أداة للوصول إلى مآربه ومصالحه الشخصية
ليس إلاّ.
وقال سماحته: جاء في الروايات الشريفة أن «العلم
نور يقذفه الله في قلب من يشاء»(2)
والمقصود من هذا العلم هو العلم المواكب للأخلاق
الفاضلة. فكلما يرتقي الإنسان في المعرفة والتعلّم،
يرتقي مستوى التزامه بالأخلاق الكريمة، فيتخلّى عن
الرذائل والخلق السيئ ويسمو بفضائل الأخلاق. فكما جاء
في الحديث الشريف الذي ذكرته آنفاً، أن الحلم مرآة
العلم، فكلما تحلّى المرء بالأخلاق الحسنة ازداد
علماً. ومعنى هذا أن للعلم درجات، فكلما يزداد المرء
في التزامه بالأخلاق الفاضلة وأهمّها الحلم، ترتفع
درجة استفادته من نور العلم.
وأضاف سماحته: بما أننا نعتقد أن قول الرسول
صلّى الله عليه وآله وفعله وتقريره هو حجّة وأن العلم
الحقيقي كان عنده صلوات الله عليه وآله، لذلك فإن
الكثير ممن صحبوا الرسول كانوا علماء، ولكن ليس معنى
هذا أن الصحابة كلّهم كانوا في مستوى واحد أو في درجة
واحدة. فهذا القرآن الكريم يشير إلى قسم منهم فيقول: «وممَّنْ
حولكُمْ منَ الأعرابِ مُنافقُونَ ومنْ أهلِ المدِينةِ
مَرَدُوا على النِّفاقِ لا تَعلَمُهُم نحنُ
نَعلَمُهُمْ سَنُعذِّبُهُمْ مرّتينِ ثمَّ يُرَدُّونَ
إلى عذابٍ عظيمٍ»(3).
فلم يكن اليهود أو النصارى أو المشركين هم المقصودين
في هذه الآية الشريفة، بل إنها خاطبت الذين كانوا مع
رسول الله صلّى الله عليه وآله.
وكان المقداد وأبو ذر وسلمان من الصحابة الصالحين ولكن
حتى هؤلاء اختلفت مستويات ودرجات إيمانهم أيضاً. وهكذا
هو الحال بالنسبة لزوجات النبي اللاتي عشن معه صلّى
الله عليه وآله لسنين وكنّ ـ بالظاهر ـ أقرب الناس
إليه. فبعض منهنّ كمولاتنا السيدة
خديجة الكبرى سلام الله عليها
كانت في مستوى من الرقي بحيث يقول في حقّها النبيّ
صلّى الله عليه وآله: «وأين
مثل خديجة»(4).
وبعض منهنّ ـ كما نقل الشيعة والعامّة ـ كانت في مستوى
دني جداً كعائشة حيث قال صلّى الله عليه وآله مشيراً
إلى بيتها:«هاهنا الفتنة ـ
ثلاثاً ـ من حيث يطلع قرن الشيطان»(5).
وشدّد سماحته قائلاً: إن العلم المصحوب
بالأخلاق الفاضلة هو العلم النافع والثمين، وهو الذي
يكون منشأ السعادة في الدنيا والآخرة، وهو الذي
بواسطته يستطيع المرء أن يهدي الناس للحقّ والنور.
فالعلم وحده غير كاف بل يحتاج إلى تزكية النفس
وتهذيبها وتحلّيها بالأخلاق الحسنة.
ووصف سماحته الحلم بأنه مفتاح الأخلاق والفضائل وقال:
إن سبب تأكيد الروايات الشريفة على صفة الحلم تدل على
أن الحلم يعتبر بداية الكمالات والفضائل كلّها. فهذا
الإمام الحسن المجتبى سلام الله عليه بحلمه غيّر الرجل
الشامي من مبغض لأهل البيت إلى محبّ لهم سلام الله
عليهم.
وقال سماحته مشيراً إلى
أهمية صفة الحلم: إن أبانا آدم عليه السلام
هو الذي بنى الكعبة المشرّفة وهو أوّل من حجّ البيت،
أما النبي إبراهيم عليه وعلى نبيّنا وآله أفضل الصلاة
والسلام فقد جدّد بناء الكعبة، لكن عندما نقرأ القرآن
الكريم نجد أن الله سبحانه وتعالى يذكر إبراهيم
وتجديده لبناء الكعبة وكأن الخليل هو الذي بناها، كما
في قوله تعالى: «وإذْ
يَرْفعُ إبراهيمُ القواعدَ منَ البيتِ وإسماعيلُ
ربَّنا تقََّبّلْ منَّا إنّك أنتَ السَّميعُ العليمُ»(6).
وهذا يدلّ على علو ورفعة مقام إبراهيم.
ولقد كرّم الله تعالى نبيّه إبراهيم أن جعل مقامه
مكاناً للصلاة حيث قال: «واتَّخِذُوا
من مقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى»(7). وأعتقد أن
سبب ذلك هو اتصاف النبي إبراهيم عليه السلام بالحلم،
لذا نجد أن الله تعالى يصف إبراهيم بقوله عزّ من قائل:
«إنَّ إبراهيمَ لأوَّاهٌ حليمٌ»(8).
وهذا ما يدل على أهمية الحلم. فإبراهيم كانت له صفات
أخلاقية راقية أخرى كثيرة، لكن الله تعالى ذكره
بالحليم ـ وهي صفة للمبالغة ـ ليبيّن مكانة هذه الصفة
الأخلاقية الراقية عنده عزّوجلّ.
وحول الفرق بين الصبر والحلم
قال سماحته: وفرق الصبر عن الحلم أن الأول
هو ما كان خارجاً عن إرادة الإنسان كالصبر على فقدان
الأحبّة وسائر البلايا الطبيعية، أما الحلم فهو خصوص
الصبر على المسيء مع القدرة والاستطاعة على ردّه.
وأكّد دام ظله مخاطباً
الحاضرات: اسعين في الالتزام بالحلم
والتحلّي بهذه الصفة الأخلاقية الراقية أكثر وأكثر حتى
تكنّ من حملة العلم النافع، وممن يقذف الله تبارك
وتعالى في قلبه نور العلم. واعلمن أن رعاية مولانا
المفدّى الإمام صاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى
فرجه الشريف ستشمل حال كل من تسعى منكنّ وتجدّ في هذا
الطريق.
 |