في ذكرى أحزان الثامن من شوال
تأملات فقهية وتاريخية

تمرّ علينا في الثامن من شهر شوال ذكرى أليمة على
قلوبنا وقلوب كلّ المؤمنين. وهي ذكرى هدم مراقد أئمة
أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم الذين ثووا في
البقيع. ومن عظم مأساة هذه الفاجعة أنها لم تقتصر على
هدم مراقد أئمة أهل البيت سلام الله عليهم وهم: الإمام
الحسن المجتبى والإمام السجاد والإمام الباقر والإمام
الصادق سلام الله عليهم. بك شملت مجموعة أخرى من
الأولياء ـ في مكّة والمدينة ـ لعل من أبرزهم: عبد
المطّلب؛ جدّ النبي الأعظم صلى الله عليه وآله.
وأبوطالب؛ عمّ النبي صلّى الله عليه وآله، وأم
المؤمنين؛ السيدة خديجة الكبرى رضوان الله عليها. فلقد
هدمت مراقدهم والقباب التي كانت عليها.
إن من الجفاء للنبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وأهل
بيته سلام الله عليهم أن تمرّ علينا هذه الذكرى
الأليمة دون أن نتوقف عندها قليلاً ونذكّر بها
وبالمسؤولية الملقاة على عاتق المسلمين في هذا المجال.
فهدم المراقد في البقيع جريمة بكل المقاييس.
إنّ عملية هدم المراقد المطهّرة في البقيع تتناقض مع
كلّ القيم؛ فهي تحمل طابع التناقض مع ذاتها أولاً، ومع
القيم الدينية ثانياً، ومع الحالة الحضارية ثالثا، ومع
واقع الأمّة الإسلامية وتاريخها رابعاً. فإذا كان هدم
القبور واجباً شرعياً، فلماذا هدمت بعضها دون بعضها
الآخر؟ وإذا كانت الأبنية عليها بدعة وحراماً شرعاً،
فلماذا نرى مرقد النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله ما
يزال مشيّداً ولم يؤمر بهدمه إلى الآن؟ ولا نظنّ القوم
يعملون بالتقية في هذا المجال؛ لأنهم ينكرونها ويقولون
إنه لا تقيّة إلاّ مع الكفّار؟ أم تراهم يكفّرون كل
المسلمين؛ وليس ذلك ببعيد عنهم! ولكنهم غير قادرين على
حل التناقض الكامن في هذه العملية على كل حال.
إنّ البيوت التي هدمت في البقيع هي من البيوت التي أمر
الله تعالى أن ترفع ويذكر فيها اسمه؛ قال السيوطي في
كتابه (الدر المنثور): عندما نزل قوله تعالى: (في
بُيوتٍ أذِنَ اللهُ أنْ تُرْفَعَ وَيُذكَرُ فيهَا
اسمُهُ) (سورةالنور: الآية 36) قام رجل وقال: يا
رسول الله ما هي هذه البيوت؟ فقال النبي صلّى الله
عليه وآله: إنها بيوت الأنبياء فقام أبوبكر وأشار إلى
بيت عليّ وفاطمة سلام الله عليهما وقال: هل هذه منها؟
فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: نعم، من أفاضلها.
وإننا نسأل: هل يكون رفع هذه البيوت ـ التي أمر الله
برفعها ـ بهدمها وتحويلها إلى يباب؟ وهل يعتبر هدم
قبور هذه الصفوة الطيبة تعبيراً عن المودّة التي أمر
الله تعالى المسلمين لأصحابها حيث قال: (قُلْ لا
أسْألُكُمْ عَلَيهِ أجْراً إلاّ المَوَدَّةَ في
القُرْبى)؟! أم هو التعظيم الذي أشارت إليه الآية
الكريمة في قوله تعالى: (ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّم
شَعائِرَ اللهِ فَإنَّها مِنْ تَقْوَى القُلوبِ)
(سورة الحج: الآية 32).
إنه من الواضح جداً أن هذه العملية تتناقض مع القيم
الدينية والثوابت القرآنية أيضاً. ولا شك أنّ التعامل
مع أحفاد رسول الله صلّى الله عليه وآله بهذا النحو
وهدم مراقدهم والمنع من زيارتها، يعبّر عن حالة غير
حضارية.
لقد كانت المراقد موجودة في مكّة المكرّمة والمدينة
المنوّرة حتى في أيام حكم الرسول صلّى الله عليه وآله
ولم نسمع أنه أمر بهدمها أو نهى عن زيارتها، بل عدّت
جزءاً من الشعائر المهمّة، ففي مكّة قبر لهاجر زوجة
النبي إبراهيم سلام الله عليهما وكذلك قبر ابنه
اسماعيل سلام الله عليهما، وفوقه بناء وهو المسمّى
اليوم بحجر اسماعيل، وهكذا قبور كثير من الأنبياء سلام
الله عليهم. لم يأمر النبي صلّى الله عليه وآله ولا
الذين جاءوا من بعده بهدم أيّ من تلك القبور. ولا
يقتصر وجود المراقد المطهّرة عند المسلمين على الحجاز
بل هي موجودة في أكثر أقطارهم، وهذا هو واقع الأمّة
وتاريخها الممتدّ لأكثر من ألف عام!
يقول ابن تيمية في كتابه «الصراط المستقيم»: (عندما تم
فتح القدس كانت لقبور الأنبياء هناك أبنية، ولكن ـ
يدّعي أنّ ـ أبوابها كانت مغلقة حتى القرن الرابع
الهجري). ونحن نسأل: إذا كانت هذه الأبنية ـ كما يزعم
بعضهم ـ بدعة وضلالة فلماذا لم يهدمها المسلمون؟
ولماذا لم يؤمر بهدمها؟ وهل هذا إلاّ تناقض مع الواقع
التاريخي لهذه الأمة طيلة ألف عام؟
إذاً هذه الحادثة التي وقعت في البقيع لا يمكن أن
تبرّر، لا من الناحية القرآنية ولا من الناحية
الحضارية ولا من ناحية واقع الأمّة وتاريخها ولا من
الناحية المنطقية.
والأمر الأهم هنا هو أن نسأل: هل تقع علينا مسؤولية
إزاء حدث سامراء الجلل، أو كلّ يمشي في دربه ويقول: لا
شأن لي بالأمر؟! وما الذي يمكن أن نفعله في هذا
المجال؟ لا شكّ في وجود مسؤولية في هذا المجال، فإذا
كان هتك حرمة مؤمن عادي من المحرّمات العظيمة، فكيف
بهتك حرمة هؤلاء الأولياء العظماء ومنهم أم المؤمنين
وسبط النبي؟ أو ليس هذا منكراً وهتكاً لأعظم الحرمات
فيجب النهي عنه؟
يقول المرجع السيد الشيرازي الراحل أعلى الله
درجاته في موسوعة الفقه: لا يشترط في النهي عن
المنكر أن يكون مؤثراً على نحو الفور، فإذا كان القول
مرّة لا يؤثر، ولكن القول مرّات كثيرة وخلال مدّة
طويلة مؤثراً، فإنه يجب. كما لا يشترط أن يكون النهي
علّة تامّة للتأثير.
من ذلك كلّه ينبغي للمؤمنين والمؤمنات المشاركة في رفع
الظلامة التي وقعت في البقيع وسامراء عن أهل البيت
سلام الله عليهم فلعلّ هذه المشاركة تكون وثيقة من
وثائق شفاعتهم عند النبي صلّى الله عليه وآله وأهل
البيت سلام الله عليهم أجمعين في يوم القيامة ... وقل
اعملوا؟!