المرجع الديني سماحة السيد الشيرازي دام ظله يؤكد:
كل ما في الدنيا لا قيمة له عند الله سبحانه إلاّ
الإيمان والعمل الصالح
 |
قام جمع من الأخوة النشطاء في المجال الثقافي
والديني من مختلف محافظات إيران كطهران وإصفهان ويزد
وكاشان وغيرها بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله
العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته
المكرّم بمدينة قم المقدسة يوم الجمعة الموافق للرابع
من شهر شوال المكرّم 1427 للهجرة، لتقديم التعازي
لسماحته بمناسبة حلول الذكرى السنوية الخامسة لرحيل
المرجع الديني الكبير سماحة السيد محمد الحسيني
الشيرازي قدس سره الشريف، وألقى سماحته عليهم كلمة
قيمة قال فيها:
قال الإمام زين العابدين صلوات الله عليه في إحدى
مواعظه الشريفة: «أيها الناس ... لا تَركَنُوا إلى
زَهرةِ الدُّنيا وما فيها رُكُونَ منِ اتَّخَذَهَا
دارَ قَرَارٍ ومَنزِلَ استيطانٍ، فإنّها دارُ بُلغَةٍ
ومنزِلُ قُلعَةٍ ودَارُ عملٍ، فتزوّدوا الأعمالَ
الصَّالحةَ فيها قبل تَفَرُّقِ أيّامها وقبل الإذن من
اللَّه في خرابِها، فكانَ قَد أخرَبَهَا الَّذي
عَمَرَهَا أوّلَ مرّةٍ وابتَدَأها وهو وليُّ ميراثِها،
فأسألُ اللَّهَ العَون لنا ولكُم على تَزَوُّدِ
التّقوى، والزُّهدِ فيها. جعلنا اللَّهُ وإيّاكُم من
الزَّاهِدِينَ في عاجِلِ زَهرةِ الحياةِ الدُّنيا،
الرَّاغبينَ لآجِلِ ثوابِ الآخرةِ، فإنّما نحن به
ولهُ. وصلّى اللَّهُ على مُحَمَّدٍ النبيّ وآلِهِ
وسلّمَ، والسّلام عليكم ورحمةُ اللَّهِ وبركاتُهُ»(1).
ثم عقّب سماحته قائلاً: الناس كلّهم مبتلون بالدنيا،
حيث لابدّ لهم أن يعيشوا فيها. والدنيا فيها مظاهر
عديدة وكثيرة، كالأموال، والعلم، والتجارة، والرئاسة،
والسيادة وما شابه ذلك، وهذه كلّها لا قيمة لها عند
الله تعالى. فكل شيء ـ مهما كان ذا قيمة عند أهل
الدنيا ـ هو عند الله سبحانه لا قيمة له.
ونحن نطلب من الله تعالى كل شيء كالصحة والعافية
والغفران وعاقبة الخير، والهداية والجنة والرحمة
للأموات وما إلى ذلك لكن لا نملك ما هو قيّم كي نقرّبه
إليه سبحانه. فحتى ما نناله من توفيق الطاعة والدعاء
فهو من لطفه جلّ وعلا، كما ورد ذلك في دعاء أبي حمزة
الثمالي الذي علّمه إيّاه الإمام زين العابدين سلام
الله عليه، وفي سائر أدعيته وأدعية أهل البيت سلام
الله عليهم أجمعين.
وقال سماحته: إن الثمين عند الله سبحانه هو الإيمان
والعمل الصالح فحسب، كما في قوله تعالى: «الذين آمنوا
وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب»(2). فلا عزّ الدنيا
يعدل عند الله شيئاً ولا القدرة ولا الثروة، بل حتى
جبال الذهب هي لا شيء عنده تعالى. ولا بأس بالإشارة
إلى أن كل ما هو الآن عندنا ثمين وذو قيمة فإنه سيفقد
قيمته في زمن ظهور مولانا المفدّى الإمام بقية الله
الأعظم عجّل الله تعالى فرجه الشريف، حيث سيكون
مبذولاً ويتنعّم الناس كلّهم به. ففي ذلك الزمان
ولكثرة وفور النعم والثروات فإن الذهب والفضة والأموال
ستكون قيمتها كقيمة الحجر والتراب.
ووصف سماحته تربية الأولاد الصالحين، ومداراة الناس،
والصبر على سوء خُلُق الوالدين والزوج أو الزوجة من
مصاديق العمل الصالح وقال:
لقد وصف الله تعالى مقاطع الحياة في الدنيا بأنها
امتحان إلهي حيث قال عزّ من قائل: «ثم جعلناكم خلائف
في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون»(3). وبناء على ذلك
فإن تعامل المرء مع زملائه، وأقاربه، وأبويه، وزوجته،
ومع باقي الناس هو امتحان إلهي. لذا ينبغي للمرء أن
يجعل رضا الله نصب عينه في كل أموره حتى يخرج من
الدنيا وامتحانها مرفوع الرأس.
وقال سماحته: لقد درست عند ثلاثين أستاذاً ومنهم أخي
المرحوم أعلى الله مقامه. وكان بعض هؤلاء الأساتذة لا
يجيبون على أسئلة الطلبة أبداً أو كانوا يقولون
للسائل: تحقّق أنت بنفسك، فالعلم عزيز!
وبعضهم كأخي المرحوم كانوا يجيبون على أسئلة الطلاب
جواباً وافياً وكاملاً وبسعة صدر. وهذا التعامل يعدّ
من مصاديق العمل الصالح.
وفي جانب آخر من كلامه قال سماحته: إننا لم نعرف الله
تعالى حق المعرفة، وإن عرفنا عنه شيئاً فإنها معرفة
مجازية. لكن الذي عرف الله ـ كما ذكرت الروايات
الشريفة ـ هو رسول الله صلّى الله عليه وآله ومولانا
أمير المؤمنين سلام الله عليه فحسب. فقد قال مولانا
الرسول الأعظم: «ياعلي، ما عرف الله إلاّ أنا وأنت،
ولا عرفني إلاّ الله وأنت، ولا عرفك إلاّ الله وأنا»(4).
ومع ذلك فإن رسول الله صلّى الله عليه وآله كان يتضرّع
إلى الله تعالى ويقول: «ما عرفناك حق معرفتك»(5).
وأضاف سماحته: إن أسماء الله تعالى توقيفية. وبما أن
معرفتنا بالله سبحانه قليلة وضئيلة جداً فلا نستطيع أن
نخاطبه بأسماء نضعها له تعالى بأنفسنا.
إذاً يجب أن نتعلم أسماء الله الحسنى من النبي الأكرم
وأهل بيته الطاهرين فقط، ونتضرع بها إليه تعالى كي
يمنّ علينا بتوفيق الإيمان والعمل الصالح.
وفي ختام حديثه اعتبر دام ظله محاسبة النفس من أهم
الأمور التي تدفع لمزيد من العمل الصالح وقال: بمحاسبة
أنفسنا سنعرف عند طلب قضاء الحوائج من الله تعالى،
أيّاً من الحاجات ذات قيمة عند الله فنطلبها منه،
وأيّاً منها لا تساوي عند الله شيء فنتركها.