سماحة السيد دام ظله خلال كلمة بأساتذة وطلاب
الحوزة من الكاظمية المقدسة:
عليكم بعلوم أهل البيت فلا توجد علوم أوسع وأعمق من
علومهم سلام الله عليهم
 |
قال المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد
صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في كلمته التوجيهية
القيمة التي ألقاها على جمع من أساتذة وطلاب (حوزة
الثقلين العلمية) من مدينة الكاظمية المقدسة في بيته
المكرّم بمدينة قم المقدسة يوم الجمعة الموافق
للثلاثين من شهر رجب الأصبّ 1427 للهجرة:
قبل زهاء قرن نشأ وترعرع في مدينة الكاظمية المقدسة
وبجوار الإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد صلوات الله
وسلامه عليهما أحد طلاب العلم، ثم أصبح عالماً وفقيهاً
وأستاذاً كبيراً وكان يحضر درسه ثلّة جيّدة من علماء
الشيعة وعلماء المذاهب الأخرى من مدينة بغداد وباقي
المدن، وهو المرحوم العلاّمة الكبير، المجتهد الموفّق،
السيد حسن الصدر رضوان الله تعالى عليه، صاحب
التأليفات العديدة ومنها الكتاب القيّم (تأسيس الشيعة
لعلوم الإسلام).
والسيد حسن الصدر هو من تلاميذ المجدّد الشيرازي
الكبير قدس سره الشريف صاحب ثورة التنباك المعروفة،
وقد رأيت أنا شخصياً العديد من تلاميذه وسمعت منهم أن
مجلس درسه ـ ورغم عدم توفر وسائط النقل آنذاك كما هو
الحال في زماننا ـ كان يكتظّ بالعلماء وطلاب العلم،
لدقّته وغزارة علمه.
وقد ترك هذا السيد الجليل تاريخاً مشرقاً وعلماً
مفيداً وبصمات نيّرة، بل صار من كبار العلماء. فقد قال
لي العلاّمة المرحوم السيد المرعشي النجفي قدس سره
الشريف: كنت أدرس في مدينة النجف الأشرف والحوزة فيها
آنذاك مكتظّة بالمئات من الفحول والفطاحل من الفقهاء
والعلماء، ولكني ولتكميل بعض العلوم أتيت مدينة
الكاظمية المقدسة وبقيت فيها فترة كي أستفيد من درس
السيد حسن الصدر.
ثم خاطب سماحته الضيوف الكرام وقال: كل واحد
منكم يمكنه أن يكون أو أن يصبح كالسيد حسن الصدر أو
كغيره من العظماء والعلماء الذين أضاءوا التاريخ
بإنتاجاتهم العلمية العظيمة وتركوا من تراث أهل البيت
سلام الله عليهم باباً واسعاً جداً، وهذا بحاجة إلى
الالتزام بأمرين مهمين جداً وهما:
الأول: التعبئة العلمية.
اعلموا أنه لا توجد في هذه الدنيا علوم أعمق وأوسع من
علوم أهل البيت سلام الله عليهم مطلقاً. فبحارالأنوار
مثلاً هو جزء صغير من علومهم، وهكذا وسائل الشيعة
والوافي وجامع أحاديث الشيعة وغيرها من الكتب. فإن
أردتم معرفة فكر آل البيت وعلومهم في أصول الدين
وفروعه، وأخلاق الاسلام وآدابه فعليكم بالجدّ
والاجتهاد في طلب العلم، ولا تضيّعوا طاقاتكم وأوقاتكم
في غير ذلك، فربّ حديث واحد عن إمام معصوم يمكن أن
تستنبط منه فروع بل قواعد كثيرة في الأحكام، لكن ذلك
بحاجة إلى جهد كبير لا ستيعابه وفهم أبعاده. وكما قال
السيد مهدي بحرالعلوم رضوان الله تعالى عليه:
ومشي خير الخلق بابن طاب* |
يـفــتح مــنه أكــثــر الأبــــواب(1) |
الثاني: التقوى الحقيقية.
وهو أن يقدّم المرء الله عزّوجلّ على كل شيء، على
المِلك والشهوات والرئاسة والزعامة والمال والصحّة
والراحة وما شابه ذلك، وهذا ممكن وليس بالمستحيل.
وكمثال على ذلك ذكر سماحته: أدركت في مدينة
الكاظمية، على مشرّفيها أفضل صلوات الله وسلامه،
المرحوم ميرزا علي الزنجاني الذي كان من الفقهاء
العظام، ومن تلاميذ المرحوم ميرزا محمد تقي الشيرازي
صاحب ثورة العشرين العظيمة، ومن زملاء والدي، رحمة
الله تعالى عليهم جميعاً، وكان من كبار العلماء في
الكاظمية، وكانت الأموال تجبى إليه من كبار تجّار
بغداد، لكنه كان يعيش الزهد، ولا يستفيد من الأموال
الطائلة إلاّ بمقدار الكفاف والعفاف، ولما توفي رحمه
الله لم يترك لورثته كما يترك البقال أو الخبّاز أو
كاسب بسيط.
يقول مولانا الإمام أميرالمؤمنين صلوات الله وسلامه
عليه واصفاً المتقين: «عظُم الخالق في أنفسهم، فصغر
مادونه في أعينهم»(2).
وأردف سماحته: وفي زمن المرحوم السيد حسن الصدر
عاش شخص آخر كان يخلط الحلال بالحرام، وكان المهم عنده
تمشية حاله، فقيل له ذات مرة: إنّ فعلك هذا حرام، فكان
يقول: نعم. فسألوه: لماذا تفعله إذاً؟ فقال: الحلال ما
حلّ بالكفّ!
وشدّد سماحته قائلاً: تأمّلوا في سيرة السيد
حسن الصدر والميرزا علي الزنجاني وذلك الشخص الذي كان
لايبالي بالحرام، وانظروا من بقى خالداً إلى الآن
وسيبقى خالداً إلى يوم القيامة، ومن الذي زال ذِكره
وفنى.
وأكّد دام ظله: إن أسهل الطرق للتقوى وأهمها هي
محاسبة النفس يومياً. فقد ورد في الروايات الشريفة عن
الإمام موسى بن جعفر الكاظم صلوات الله وسلامه عليهما
أنه قال: «ليس منّا من لم يُحاسب نفسه في كلّ يوم،
فإن عمل حسناً استزاد الله، وإن عمل سيّئاً استغفر
الله منه وتاب إليه»(3).
فحاولوا الاستفادة الجيّدة من نعمة الجوار العظيم
للإمامين الجوادين سلام الله عليهما الذي يغبطه عليكم
الملايين من الناس في أن تحذوا حذو السلف الصالح من
علمائنا الكبار الذين تركوا بصمات مشرقة في التاريخ
وذلك بالالتزام جيّداً بالتعبئة العلمية والتقوى
الحقيقية، واعلموا أنه بنسبة التزامكم بهذين الأمرين
تحظون بالتوفيق في الدنيا والآخرة.
وفي ختام كلمته قال دام ظله: إن المشاكل
الموجودة حالياً في العراق وفي باقي البلدان الإسلامية
ستزول قريباً إن شاء الله تعالى وذلك ببركة المعصومين
الأربعة عشر صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأسأل
الله تبارك وتعالى أن يكون ذلك عاجلاً وكاملاً. وصلى
الله على محمد وآله الطاهرين.
جدير بالذكر، أن أحد الفضلاء الحاضرين ألقى قبل كلمة
سماحة السيد كلمة عرّف فيها الحضور وشكر سماحة السيد
على إتاحته فرصة اللقاء به والاستفادة من توجيهاته
القيّمة.
كما اعتمر العمامة ـ في ختام اللقاء ـ على يد سماحة
السيد دام ظله عدد من طلاب الوفد.