المرجع الديني سماحة السيد الشيرازي دام ظله يوصي
بضرورة تجنّب الغضب لأنه أساس شقاء الإنسان في الدارين

قام جمع من الإخوة في مؤسسة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله الثقافية ـ فرع قضاء الهندية، وجمع من الأخوات من مدرسة زينب الكبرى سلام الله عليها النسوية بكربلاء المقدسة بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة يوم الأحد الموافق للثامن عشر من شهر رجب الأصب 1427 للهجرة، فأفاض سماحته عليهم بتوجيهاته القيّمة وقال: جاء في الروايات الشريفة عن الإمام الصادق سلام الله عليه أنه قال:
سَمِعْتُ أَبِي عليه السلام يَقُولُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله رَجُلٌ بَدَوِيٌّ فَقَالَ: إِنِّي أَسْكُنُ الْبَادِيَةَ، فَعَلِّمْنِي جَوَامِعَ الْكَلامِ. فَقَالَ: آمُرُكَ أَنْ لا تَغْضَبَ. فَأَعَادَ عَلَيْهِ الأعْرَابِيُّ الْمَسْأَلَةَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ حَتَّى رَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: لا أَسْأَلُ عَنْ شَيْ‏ءٍ بَعْدَ هَذَا، مَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله إلا بِالْخَيْرِ. قَالَ [الإمام]: وَكَانَ أَبِي يَقُولُ: أَيُّ شَيْ‏ءٍ أَشَدُّ مِنَ الْغَضَبِ؟ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْضَبُ فَيَقْتُلُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَ يَقْذِفُ الْمُحْصَنَةَ(1).
فعقّب سماحته قائلاً: إن الغضب عقدة في حياة كل إنسان، سواء كان رجلاً أو امرأة، وشاباً أو كبير السن، وعالماً أو جاهلاً، وموظّفاً أو كاسباً، وطالباً أو عاملاً، ومثقفاً أو غير مثقف. وهذه العقدة إذا لم يتخلّص الإنسان منها فإنها تجرّه إلى الويلات والزلات والمعاصي، وأحياناً إلى الجنون ودور المجانين، وأحياناً إلى ارتكاب الجرائم، وأحياناً إلى الانتحار. أما إذا عالجها وتخلّص منها فإنه يسعد في الدنيا وفي الآخرة.
وشدّد سماحته بالقول: يجدر بالمرء أن يعزم على ترك الغضب كلياً أو أن يسعى في التقليل من شدّته، وخصوصاً الوالدين في تصرفهم مع أولادهم، والأولاد في تعاملهم مع آبائهم، وهكذا في تعامل وسلوك الأرحام بعضهم مع بعض والجيران والأصدقاء وزملاء العمل والدراسة، لأن الغضب أساس شقاء الإنسان وتعاسة حياته في الدنيا والآخرة.
وأكّد دام ظله مخاطباً الضيوف الكرام: ليعزم كل واحد منكم على أن لا يغضب أبداً، واطلبوا توفيق ذلك من الله تعالى ومن أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم، خصوصاً وأنتم الآن في زيارة لمراقدهم الطاهرة والأيّام هي أيام شهر رجب الأصب حيث أجر الطاعة والعمل الصالح فيه مضاعف. فإن عزمتم على ذلك فستحظون بالتوفيق وبالتالي تأمنون أنفسكم الزلاّت والمعاصي.
ثم تحدّث فضيلة السيد حسين الشيرازي دام عزّه وألقى كلمة قال فيها:
ورد في بداية دعاء الندبة وهو الدعاء الخاص بمولانا الإمام المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف قوله سلام الله عليه: «بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها، فشرطوا لك ذلك وعلمت منهم الوفاء به فقبلتهم وقرّبتهم».
هذا المقطع من الدعاء يشير إلى أمر مهم وضروري، يعرفه المؤمنون وهو: إن الله تبارك وتعالى بالنسبة في تعامله مع الكون ومع أمور كثيرة وخصوصاً فيما يخصّ الأنبياء يعمل بعلمه جلّ وعلا، إلاّ في حالة واحدة حيث استثناها من التعامل معها بعلمه وهي النصرة لأوليائه على الأعداء حيث أوجب عزّوجلّ التحمل والصبر وجلعه أمراً موجباً لإنزال النصر. فقد ورد في الحديث الشريف عن مولانا الإمام أميرالمؤمنين سلام الله عليه أنه قال:
«والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله نقتل آباءنا وأبناءنا.... فلما رآنا الله صُدْقاً وصُبراً أنزل الكتاب بحسن الثناء علينا والرضا عنّا وأنزل علينا النصر»(2).
ثم تطرّق فضيلته إلى بيان ماعاناه مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وهو أشرف الخلق وأعزّهم عند الله تعالى خلال تبليغه رسالة ربّه وخصوصاً في شعب أبي طالب سلام الله عليه وقال:
يوجد في بيت الله الحرام بين ركن الإمام علي سلام الله عليه وركن الحجر الأسود مكان دُفن فيه ثلاثمئة نبي من أنبياء الله تعالى وقد ماتوا جوعاً وضرّاً. فالله تعالى لم يخلق الدنيا للراحة بل للبلاء والامتحان فهي راحة للكافر وليس للمؤمن. إذن ينبغي للمؤمنين والمؤمنات كافّة وخصوصاً في العراق المظلوم والجريح أن يتحلّوا بالصبر والثّبات على الحق، فإن الله سبحانه وتعالى سينزل نصره لا محالة ببركة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين، وإن طالت المدّة حيث قال عزّوجلّ: «إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد»(3).


1/ أصول الكافي/ ج2/ باب الغضب/ ص303/ ح4.
2/ كتاب سليم بن قيس/ الحديث الخامس عشر/ ص696.
3/ سورة غافر: الآية 51.