المرجع الديني سماحة السيد الشيرازي دام ظله يؤكد:
من أراد السعادة في الدارين فليلتزم الصبر
 |
قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى
السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم
بمدينة قم المقدسة يوم الجمعة الموافق للسادس عشر من
شهر رجب الأصبّ 1427 للهجرة جمع من الإخوة والأخوات
أعضاء حملة (مهد البراق) من مدينة سيهات السعودية،
وألقى سماحته عليهم كلمة قيمة استهلها بالرواية
الشريفة التالية:
روي أن الحسن والحسين مرضا، فنذر علي وفاطمة والحسن
والحسين سلام الله عليهم أجمعين صيام ثلاثة أيام، فلما
عافاهما الله وكان الزمان قحطاً أخذ علي من يهودي ثلاث
جزات صوفاً لتغزلها فاطمة سلام الله عليها وثلاثة
أصواع شعيراً، فصاموا. وغزلت فاطمة جزة، ثم طحنت صاعاً
من الشعير فخبزته، فلما كان عند الإفطار أتى مسكين
فأعطوه طعامهم ولم يذوقوا إلاّ الماء.
ثم غزلت جزة أخرى من الغد، ثم طحنت صاعاً فخبزته، فلما
كان عند المساء أتى يتيم فأعطوه ولم يذوقوا إلا الماء.
فلما كان من الغد غزلت الجزة الباقية ثم طحنت الصاع
وخبزته وأتى أسير عند المساء فأعطوه. وكان مضى على
رسول الله أربعة أيام والحجر على بطنه وقد علم بحالهم
فخرج ودخل حديقة المقداد، ولم يبق على نخلاتها ثمرة
ومعه عليّ فقال: يا أبا الحسن خذ السلة وانطلق إلى
النخلة ـ وأشار إلى واحدة ـ فقل لها: قال رسول الله
صلى الله عليه وآله سألتك عن الله أطعمينا من ثمرك.
قال علي سلام الله عليه: ولقد تطأطأت بحمل، ما نظر
المناظرون إلى مثلها، والتقطت من أطايبها، وحملت إلى
رسول الله صلى الله عليه وآله فأكل وأكلت، فأطعم
المقداد وجميع عياله، وحمل إلى الحسن والحسين وفاطمة
سلام الله عليهم ما كفاهم. فلما بلغ المنزل إذا فاطمة
سلام الله عليها يأخذها الصداع، فقال صلى الله عليه
وآله: أبشري واصبري، فلن تنالي ما عند الله إلا
بالصبر، فنزل جبرئيل بـ(هل أتى)(1).
وقال سماحته: إن من أهم ميّزات المؤمن الصبر.
فالمؤمن يصبر في طاعة الله تعالى، ويصبر عن المعصية،
ويصبر مع زوجته، ومع أولاده وأرحامه وجيرانه وأصدقائه
وزملائه، والآباء يصبرون مع أولادهم، والأولاد يصبرون
مع آبائهم، والأستاذ مع التلاميذ، والتلاميذ مع
الأستاذ وهكذا.
وأوضح سماحته: إذا أصيب الإنسان بمرض في كليته
مثلاً فعليه أن يسعى في أخذ العلاج للشفاء، وإذا لم
يرتفع مرضه كليّاً فعليه أن يصبر لا أن يجزع أو
يتزمّر. وهكذا بالنسبة للزوجين إن كان أحدهما سيئ
الخلق فعلى الآخر أن يسعى في إصلاحه فإن لم يفلح مئة
بالمئة فعليه أن يتحمل ويصبر.
وشدّد سماحته بالقول: لا شك أن الصبر مرّ، ولكن
فيه أمرين مهمين وإيجابين جداً وهما:
الأول: لا ندم عليه ومستقبله حلو جداً.
الثاني: الإنسان الصابر يكون بعيداً عن مشاكل
الدنيا ومشاكل الآخرة.
وأكّد دام ظله: إن الصبر من أخلاق المعصومين
صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهكذا يجب على من
يسير على هديهم أن يكون متحلياً وملتزماً بالصبر، وأن
يوصي الآخرين بالصبر فهكذا أراد القرآن الحكيم منا
ورسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرين فإن
في ذلك السعادة في الدارين، كما جاء في قوله تعالى: «وتواصوا
بالحق وتواصوا بالصبر»(2).
وتحدّث في الجمع أيضاً سماحة آية الله السيد محمد
رضا الشيرازي دامت بركاته وألقى كلمة جاء فيها:
روى الشريف الرضي رحمة الله تعالى عليه في كتابه
القيّم (نهج البلاغة) عن إمام المتقين ومولى الموحدين
مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله
وسلامه عليه أنّه قال: «إِنَّ لِلوَلَدِ عَلَى
الوَالِدِ حَقّاً، وَإِنَّ لِلوَالِدِ عَلَى الوَلَدِ
حَقّاً، فَحَقُّ الوَالِدِ عَلَى الوَلَدِ أَن
يُطِيعَهُ فِي كُلِّ شَيءٍ إلاّ فِي مَعصِيَةِ
اللَّهِ سُبحَانَهُ، وَحَقُّ الوَلَدِ عَلَى الوَالِدِ
أَن يُحَسِّنَ اسمَهُ وَيُحَسِّنَ أَدَبَهُ
وَيُعَلِّمَهُ القُرآنَ»(3).
فعقّب سماحته: هذا الحديث الشريف يمثل مفردة من
مفردات قاعدة كلية رائعة نجدها في الإسلام، وهي قاعدة
(تكافؤ الحقوق) وهذه شاملة للكلّ وبدون استثناء.
وقال: إن الله سبحانه وتعالى له حقوق علينا،
ولكنه منّة منه وتفضّلاً علينا جعل لنا حقوقاً عليه؛
ففي حديث آخر يقول الإمام أميرالمؤمنين سلام الله
عليه: «والحق أجمل الأشياء في التواصف وأوسعها في
التناصف.... ولو كان لأحد أن يجري ذلك له ولا يجري
عليه لكان ذلك لله عزّوجلّ خالصاً دون خلقه»(4).
إذاً فلا يمكن لأحد أن يتصوّر أن له حقوقاً على
الآخرين وليس على الآخرين من حقوق عليه، فهذا التصور
هو سبب لنشوء كثير من المشاكل في المجتمع. فالزوج
مثلاً يفكّر دائماً فيما على زوجته من حقوق له ولا
يفكّر فيما عليه من حقوق لزوجته. وهكذا أيضاً تفكّر
الزوجة. أما إذا فكّر الإنسان دوماً ما له وما عليه من
حقوق فإن كثيراً من المشاكل سترتفع.
وحول الحديث الشريف المذكور آنفاً قال سماحته:
حق الوالد على الولد هو أن يطيع الولد أبويه في كل شيء
إلاّ في معصية الخالق جلّ وعلا. وعلى الآباء أيضاً أن
لا يحجفوا بأبنائهم ولا يسيئوا استخدام هذا الحقّ، لأن
له نتائج مريرة، ويكون نوعاً من أنواع الظلم. بل ينبغي
أن تكون العلاقة بين الطرفين علاقة حميمة.
أما حق الولد على الوالد، فهو أن يُحسن اسمه ويُحسن
أدبه ويعلّمه القرآن. ومعناه أن يعلم الأبوان أنهما
مسؤولان عن تربية أبنائهم وتهذيبهم، إلى جانب
مسؤولياتهم المعيشية والاقتصادية، لا أن يتركوا تربية
أولادهم للتلفاز والفضائيات والانترنت.
وفي ختام حديثه أوصى سماحته الحاضرين بقوله:
أنتم الآن في ضيافة أهل البيت، وهم سلام الله عليهم
لهم الولاية التكوينية، وكرمهم شعبة من كرم الله جلّ
شأنه، فادعوا لأولادكم وأولادهم كي يكونوا صالحين
ومؤمنين وقانتين وورعين وعابدين وخدومين ومباركين.
وادعوا لأنفسكم واطلبوا حاجاتكم الدينية والدنيوية
والفردية والاجتماعية، وادعوا للمؤمنين والمؤمنات
لاسيما في العراق ولبنان المظلومين الذي يعيشون الآن
وضعاً مأساوياً صعباً جداً، بالفرج والنصر.