المرجع الديني سماحة السيد الشيرازي دام ظله:
يجدر بالمرء أن يستعد ليوم الحساب بإصلاح أمره وتدارك ما قصّر

قام جمع من الزوّار من مدينة العوامية من القطيف السعودية بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة يوم السبت الموافق للعاشر من شهر رجب الأصب 1427 للهجرة، واستمعوا إلى توجيهاته القيمة.
في البدء استهل سماحته الكلام بالرواية الشريفة: قال الإمام الصادق سلام الله عليه: كَانَ [للنبي عيسى عليه السلام] صَدِيقٌ مُوَاخٍ لَهُ فِي اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَكَانَ عِيسَى عليه السلام يَمُرُّ بِهِ وَيَنْزِلُ عَلَيْهِ. وَإِنَّ عِيسَى غَابَ عَنْهُ حِيناً ثُمَّ مَرَّ بِهِ لِيُسَلِّمَ عَلَيْهِ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ أُمُّهُ فَسَأَلَهَا عَنْهُ فَقَالَتْ: مَاتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: أَ فَتُحِبِّينَ أَنْ تَرَيه؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا: فَإِذَا كَانَ غَداً فَآتِيكِ حَتَّى أُحْيِيَهُ لَكِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهَا فَقَالَ لَهَا: انْطَلِقِي مَعِي إِلَى قَبْرِهِ، فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا قَبْرَهُ فَوَقَفَ عَلَيْهِ عِيسَى عليه السلام ثُمَّ دَعَا اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ فَانْفَرَجَ الْقَبْرُ وَخَرَجَ ابْنُهَا حَيّاً، فَلَمَّا رَأَتْهُ أُمُّهُ وَرَآهَا بَكَيَا، فَرَحِمَهُمَا عِيسَى عليه السلام فَقَالَ لَهُ عِيسَى: أَ تُحِبُّ أَنْ تَبْقَى مَعَ أُمِّكَ فِي الدُّنْيَا؟ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَكْلٍ وَرِزْقٍ وَمُدَّةٍ أَمْ بِغَيْرِ أَكْلٍ وَلا رِزْقٍ وَلا مُدَّةٍ؟ فَقَالَ لَهُ عِيسَى عليه السلام: بِأَكْلٍ وَرِزْقٍ وَمُدَّةٍ، وَتُعَمَّرُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَتَزَوَّجُ وَيُولَدُ لَكَ. قَالَ: نَعَمْ إِذاً. قَالَ: فَدَفَعَهُ عِيسَى إِلَى أُمِّهِ، فَعَاشَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَتَزَوَّجَ وَوُلِدَ لَهُ(1).‏
وعقّب سماحته قائلاً: يجدر بالمرء وهو في الدنيا أن يستعد دوماً ليوم الحساب في الحياة الآخرة، فينظر ما عليه من تقصير في العبادات وفي حقوق الوالدين والزوجة والأولاد والأرحام وبقية الناس كأكل المال بالباطل مثلاً أو بغش صدر منه أو غلّ، أو سوء خلق، ويسعى في جبران ما قصّر فيه.
وأضاف سماحته: فلا رجعة إلى الدنيا بعد الموت إلا للمعصومين سلام الله عليهم ولبعض المؤمنين الخلّص وذلك بالأدلة الثابتة بلا إشكال. فعلى كل إنسان أن يعمل ما بوسعه لكي يكون في الآخرة من الفائزين، لامن المقصّرين الذي يسألون الله تعالى الرجعة إلى الدنيا لإصلاح ما قصّروا فيه من الواجبات وحق الله تعالى وحق الناس. فقد ورد في الحديث الشريف عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله أنه قال: «ياعلي تارك الزكاة يسأل الله الرجعة إلى الدنيا وذلك قول الله عزّوجلّ: حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربّ ارجعون»(2) .
وأكّد دام ظله: ينبغي للإنسان أن يعزم على صلاح أمره فيتدارك ما قصّر في العبادة والطاعة والواجب تجاه الله سبحانه وتجاه نفسه والآخرين، ويصلح ما أفسد من قول وعمل وسلوك وذلك بالتمسك بتعاليم أهل البيت سلام الله عليهم والعمل بها بنية صالحة.
بعد ذلك تحدّث في الضيوف الكرام فضيلة السيد حسين الشيرازي دام عزّه وتطرّق إلى بيان فضل شهر رجب الأصب وأهمية تهذيب النفس فيه، فقال:
إن معنى كلمة رجب كما ذكرت جملة من كتب اللغة هو: الحياء، والخجل، والوجل، والتهيّب، والتعظيم.
وإن شهر رجب هو من الأشهر الحُرُم الأربعة، وقد انفرد عن الأشهر الحُرُم الثلاثة الأخرى ذي القعدة وذي الحجة ومحرم الحرام. وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل البيت سلام الله عليهم في فضل هذا الشهر الشريف روايات كثيرة، منها:
قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: إن الله تعالى نصب في السماء السابعة مَلَكاً يقال له الداعي، فإذا دخل شهر رجب ينادي [نادى‏] ذلك المَلك كل ليلة منه إلى الصباح: طوبى للذاكرين، طوبى للطائعين، ويقول الله تعالى: أنا جليس من جالسني، ومطيع من أطاعني، وغافر من استغفرني، الشهر شهري، والعبد عبدي، والرحمة رحمتي، فمن دعاني في هذا الشهر أجبته، ومن سألني أعطيته، ومن استهداني هديته، وجعلت هذا الشهر حبلاً بيني وبين عبادي، فمن اعتصم به وصل إليّ (3).
وقال صلى الله عليه وآله: ألا إِنَّ رَجَباً شَهْرُ اللَّهِ الأصَمُّ، وَهُوَ شَهْرٌ عَظِيمٌ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الأصَمَّ لأنَّهُ لا يُقَارِبُهُ شَيْ‏ءٌ مِنَ الشُّهُورِ حُرْمَةً وَفَضْلاً عِنْدَ اللَّهِ (4).
وقال صلى الله عليه وآله أيضاً: رجب شهر الله الأصبّ، يصبّ الله فيه الرحمة على عباده (5).
وقال مولانا الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: ‏شهر رجب شهري، وشعبان شهر رسول الله صلى الله عليه وآله، وشهر رمضان شهر الله عزّوجلّ (6).
وقال الإمام موسى الكاظم سلام الله عليه: رَجَبٌ شَهْرٌ عَظِيمٌ، يُضَاعِفُ اللَّهُ فِيهِ الْحَسَنَاتِ وَيَمْحُو فِيهِ السَّيِّئَاتِ‏(7) .
وفي هذا الشهر الفضيل العديد من المناسبات العظيمة كمولد الإمام محمد الجواد ومولد الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليهما، والمبعث النبوي الشريف. فينبغي للمؤمن أن يستثمر ساعات وأيّام وليالي هذا الشهر العظيم ومناسباته العظيمة في تهذيب نفسه وتزكيتها، وتحليتها بفضائل الأخلاق أكثر وأكثر، وأن يسعى أيضاً في تخلية نفسه من رذائل الأخلاق والطبائع السيئة. فكما أن الحسنات مضاعفة في هذا الشهر، كذلك كل من يعزم ويسعى في صلاح نفسه، وإصلاح أمره، ينل التوفيق أكثر وأكثر.


1/ الكافي/ ج8/ حديث الذي أحياه عيسى عليه السلام/ ص337/ ح532.
2/ من لا يحضره الفقيه/ ج4/ باب النوادرو.../ ص368.
3/  الإقبال/ للسيد إبن طاوس/ فصل فيما نذكره من حديث الملك الداعي/ ص628.
4/ وسائل الشيعة/ ج10/ باب26 استحباب صوم رجب كله .../ ص475/ ح13887.
5/  بحار الأنوار/ ج94/ باب 55 فضائل شهر رجب وصيامه .../ ص36/ ح16.
6/ مسار الشيعة / للشيخ المفيد قدس سره/ باب شهر رجب/ ص56.
7/ من لا يحضره الفقيه/ ج2/ باب 27 ثواب صوم رجب.../ ص92/ ح1822.