المرجع الديني سماحة السيد الشيرازي دام ظله:
لا تهتموا للدنيا وما فيها فإنّها عند الله أهون من
الجدي الأسك
 |
زار المرجعَ الدينيَ سماحة آية الله العظمى السيد
صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بمدينة
قم المقدسة يوم الأربعاء الموافق للسابع من شهر رجب
الأصب 1427 للهجرة جمع من الزوّار أعضاء حملة (مهد
البراق) من صفوى وحملة (نور الرضا) من سيهات
السعوديتين، وأفاض سماحته عليهم بإرشاداته القيمة
وقال:
ورد في كتاب الكافي عن الإمام الصادق سلام الله
عليه:
«مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله بِجَدْيٍ
أَسَكَّ مُلقًى عَلَى مَزبَلَةٍ مَيْتاً فَقَالَ
لأصحَابِهِ: كَم يُسَاوِي هَذَا؟ فَقَالُوا: لَعَلَّهُ
لَو كَانَ حَيّاً لَم يُسَاوِ دِرهَماً. فَقَالَ
النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله: وَالَّذِي نَفسِي
بِيَدِهِ لَلدُّنيَا أَهوَنُ عَلَى اللَّهِ مِن هَذَا
الجَديِ عَلَى أَهلِهِ»(1).
فعقّب سماحته: إن الدنيا وما فيها من زخرف
وزبرج وما شابه ذلك هي أهون عند الله من الجدي
الأَسَكّ، وهو ابن المعز الميت المشوّه كما في الحديث
الشريف. فينبغي للإنسان ـ وخصوصاً المؤمن ـ أن لا
يتنازع أو يتخاصم لأجل ملذاتها وحطامها، أو يهدر وقته
لها إلا بمقدار الحاجة.
وأوضح سماحته: إن الشارع المقدس أمرنا أن
نستفيد من الدنيا بمقدار الحاجة لا أكثر. فمثلاً يجب
على الإنسان أن يلبس الثياب للستر وصوناً لكرامته،
ويجب عليه أن يداري من يعيش معهم وما إلى ذلك، لأن هذه
الأمور من ضروريات الحياة في الدنيا، أما أن يضيّع
وقته وفكره وطاقاته وجهوده كلّها لأجل الدنيا فقط فهذا
مما لا يحبّذه الدين بل يمقته.
كما على الإنسان أن يوفّر على نفسه الراحة بمقدار
الضرورة وعلى كل من يعيش معهم من الوالدين والزوجة
والأولاد والأقرباء والأصدقاء والجيران وزملاء الدراسة
والعمل، بل يأخذ من راحته ليوفّره عليهم، دوماً وفي كل
مكان.
وحول عدم جدوى العمل للدنيا قال سماحته: لو قام
المرء بإلقاء مقدار من الذهب في البحر فصحيح أنه
سيفقده لكنه من الممكن وبعد مدّة يغوص أحد في البحر
ويعثر على الذهب فيستفيد منه، أما صرف الإنسان وقته
للدنيا وعلى الدنيا ولغير الضرورة والحاجة التي قرّرها
الدين فلا فائدة منه ولا طائل وراءه أبداً، لا لنفسه
ولا لغيره.
وخاطب سماحته الزوّار الكرام مؤكداً: إن شهر
رجب الأصب شهر فضيل كلّه بنهاره وليله، وخصوصاً ليالي
الجمع. وفيه مناسبات عظيمة وجليلة ومنها ولادة الإمام
الباقر والإمام الجواد والإمام علي ومبعث النبي الأكرم
صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ومناسبة ذكرى استشهاد
الإمام موسى بن جعفر الكاظم سلام الله عليهما، وأنتم
الآن بجوار مراقد أهل البيت سلام الله عليهم، فل
يحاول
كل واحد منكم سواء كان رجلاً أو امرأة، وخصوصاً الشباب
والشابات، الاستفادة من هذا الزمان الشريف وهذه
الأمكنة الشريفة للعزم والتصميم على عدم الاعتناء
بالدنيا إلاّ بمقدار حاجته وما يوفّر له كرامته.
وتحدّث في الزوّار الكرام سماحة آية الله السيد محمد
رضا الشيرازي دامت بركاته وألقى كلمة قيّمة استهلّها
بقول الله تعالى في كتابه الحكيم: «الذين يذكرون
الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق
السماوات والأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا
عذاب النار»(2) وقال:
إنّ الآيات الكريمة الواردة في ذكر الله سبحانه وتعالى
كثيرة، فهنالك آيات تدعو إلى ذكر الله بنحو مطلق،
وبعضها تدعو إلى ذكر الله كثيراً كقوله جلّ شأنه: «واذكروا
الله ذكراً كثيراً وسبّحوه بكرة وأصيلاً»(3). لكن
الملفت للنظر في الآية الكريمة التي تلوتها آنفاً
والتي كان النبي الأعظم صلى الله عليه وآله عندما
يستيقظ لنافلة الليل كان ينظر إلى السماء ويقرأها،
أنها لم تحدد للذكر وقتاً معيناً، فإنها وإن ذكرت
الحالات الثلاث لكنها وكما قال العلماء كناية عن دوام
ذكر الله سبحانه وتعالى. وهو خلاف الشائع بيننا بأن
نذكر الله سبحانه في أوقات معينة مثلاً في الصلاة فقط
أو عند زيارة مراقد أهل البيت سلام الله عليهم وما إلى
ذلك.
وقال سماحته: ينبغي للمؤمن أن يذكر الله تعالى
دائماً، وفي كل حالاته، ذكراً بالقلب لا باللسان فقط.
فإننا نقرأ في دعاء كميل ـ وهو كنز من الكنوز وأوصي
الجميع بالمواظبة على قراءته ـ: «حتى تكون أعمالي
وأورادي كلّها ورداً واحداً وحالي في خدمتك سرمداً».
وشدّد سماحته بالقول: إن الحكمة من دوام ذكر
الله عزّ وجلّ هو صون الإنسان نفسه من السقوط فإن
الغفلة عن ذكر الله تبارك وتعالى ولو للحظة واحدة
تؤدّي إلى زلاّت كثيرة، وسبب كثير من المشاكل والمظالم
التي تصدر من المرء تجاه والديه وزوجته وأولاده
وأقربائه وأرحامه وزملائه وأصدقائه هي الغفلة عن الله
جلّ وعلا. فقد جاء عن الإمام الصادق سلام الله عليه
أنه قال: «سمعتْ أمُّ سلمةَ النبي صلى الله عليه
وآله يقول في دعائه: اللهم ولا تكلني إلى نفسي طرفة
عين أبداً، فسألتْه في ذلك فقال صلى الله عليه وآله:
يا أمَّ سلمة وما يؤمنني؟ وإنما وكل الله يونس بن متى
إلى نفسه طرفة عين فكان منه ما كان»(4).
وأكّد دامت بركاته: إن الحياة تحتاج إلى دقّة
ويقظة وانتباه، دوماً وفي كل حال، فيجدر بالجميع أن
ينمّوا في أنفسهم حالة تذكر الله تعالى دائماً فإن ذلك
مدعاة للنجاة والتوفيق والسعادة في الدارين.