سماحة السيد دام ظله خلال كلمة بزوّار من السعودية:
ليكن هدفكم في الحياة هو الله تعالى لتسعدوا في دنياكم وآخرتكم

قام جمع من الزوّار من مدينة سيهات السعودية بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة يوم الأحد الموافق للرابع من شهر رجب الأصبّ 1427 للهجرة، واستمعوا إلى إرشادات سماحته القيّمة.
في بداية كلامه ذكر سماحته رواية وقال: كان النبي صلى الله عليه وآله إذا قدم من سفر بدأ بفاطمة عليها السلام فدخل عليها فأطال عندها المكث. فخرج مرّة في سفر فصنعت فاطمة عليها السلام مسكتين من ورق، وقلادة وقرطين وستراً لباب البيت لقدوم أبيها وزوجها عليهما السلام. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله دخل عليها، فوقف أصحابه على الباب لا يدرون أَيقفون أو ينصرفون لطول مكثه عندها، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وقد عرف الغضب في وجهه، حتى جلس عند المنبر. فظنّت فاطمة عليها السلام أنه إنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله لما رأى من المسكتين والقلادة والقرطين والستر، فنزعت قلادتها وقرطيها ومسكتيها ونزعت الستر، فبعثت به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقالت للرسول: قل له صلى الله عليه وآله: تقرأ عليك ابنتك السلام وتقول اجعل هذا في سبيل الله. فلما أتاه وخبّره قال صلى الله عليه وآله: فعلت فداها أبوها، ثلاث مرّات. [وقال]: ليست الدنيا من محمد ولا من آل محمد، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله من الخير جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء ثم قام فدخل عليها .
وعقّب سماحته: الدنيا هي عبارة عن المال، والوجاهة في المجتمع، وصحة البدن وسلامته، والأولاد، وملذّات البدن كالمأكل والمشرب والمسكن وغير ذلك. هذه المجموعة ونحوها تسمّى الدنيا. والإنسان بطبعه ونفسه الأمّارة بالسوء عادة يركض وراء الدنيا وأمورها ليستفيد منها.
وأوضح سماحته: إذا كان الهدف الأول والأخير للإنسان هي الدنيا ومتعلّقاتها فإن حياته ستكون حياة متعبة. أما إذا كان هدفه هو الله سبحانه وتعالى وأن يستفيد من الدنيا بمقدار حاجته فسيكون سعيداً في الدنيا قبل الآخرة. فقد ورد في الروايات الشريفة عن الإمام الصادق عن أبيه الباقر عن آبائه سلام الله عليهم أجمعين: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عزّوجلّ أوحى إلى الدنيا أن أتعبي من خدمك واخدمي من رفضك»(1).
وشدّد سماحته: إن السعادة هي الإطمئنان في النفس، وهو أمر غير مرئيّ يعيشه الإنسان في أعماقه وهو مرتاح كلّياً. فلا المال يولّد الراحة في أعماق الإنسان ولا الأهل ولا سلامة البدن وصحته وما شابه ذلك، لأن هذه الأمور لاترفع من نفسيّة الإنسان. فقد تكون هذه الأمور مجتمعة وموجودة عند الإنسان لكنه ـ نفسياً وفي أعماقه ـ غير مرتاح، وقد يكون فاقداً لها ولكنه مرتاح نفسياً ويعيش السعادة في أعماقه.
وأضاف سماحته: إن المؤمنين الصادقين، والمؤمنات الصادقات، هؤلاء سعداء في كل حال، سواء كانوا أصحاب مال أو لا، وسواء كانوا سليمي البدن أو لا، وكان لهم أولاد أو لا. وأناس كهؤلاء يعيشون عيشة هادئة وهانئة، ولا يبتلون بأمراض الأعصاب، ولاينتحرون، ولا يكفرون بنِعَم الله تعالى مهما تداكّت عليهم المصائب، كما في تعبير الأحاديث الشريفة.
وأكّد دام ظله: كل رجل وامرأة، وشابّ وشابّة، كلّ في مجاله يمكنه أن يبلغ السعادة برفضه الدنيا، أي لا تكون الدنيا هدفه وهمّه، لا أن لا يستفيد منها بمقدار ما يحتاجه.
وخاطب سماحته الحاضرين بالقول: الشهر الذي نحن في الآن هو شهر رجب الأصبّ، وهو شهر فضيل، وأنتم الآن في أماكن شريفة بجوار مولاتنا كريمة أهل البيت فاطمة المعصومة سلام الله عليها، وستكونون بجوار مولانا الإمام الرضا صلوات الله وسلامه عليه، فحاولوا الاستفادة من هذا الزمان الشريف ومن هذه الأماكن الشريفة في العزم على أن لا يكون هدفكم هي الدنيا، وصمموا على الارتقاء بأنفسكم في هذا الأمر أكثر وأكثر. وليكن هدفكم هو الله تبارك وتعالى عبر التمسّك بأهل البيت سلام الله عليهم الذين جعلهم الله الوسيلة إليه جلّ وعلا.
بعد ذلك تحدّث سماحة السيد محمد رضا الشيرازي دامت بركاته وألقى كلمة استهلها بالحديث الشريف عن الإمام أميرالمؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وهو: «إذا لم تكن حليماً فتحلّم، فإنه قلّ من تشبّه بقوم إلا أو شك أن يكون منهم» وقال:
إن حصول المَلَكات الفاضلة في النفس البشرية يتمّ على نحوين:
الأول: أن تكون المَلَكة بالفطرة والجبلّة. يعني يولد الفرد وتولد معه الملكة، أي هي حاصلة بالفطرة عند الفرد دون سعي وتكلّف. وكمثال على ذلك ذكروا في أحوال حاتم الطائي أنه كان كريماً وجواداً وهو طفل رضيع، كما نقلوا عن أخيه أنه كان بخيلاً وشحاحاً وهو طفل رضيع. وهذا النوع من الملكات لا توجد إلاّ عند قليل من الناس.
الثاني: تكلّف النفس وحملها على تحصيل الملكة. فمثلاً قد يولد الفرد وهو إنفعاليٌّ؛ فعليه في هذه الحالة أن يسعى في كبح انفعال نفسه ويحملها على التحلّم. فإن كرّر الفرد هذا الأمر لمرّات ومرّات فإنه سيوفّق لأن يكون الحلم ملكة في نفسه وبالنتيجة يكون إنساناً حليماً. وهكذا في تحصيل بقية الملكات الفاضلة كالصدق والأمانة والوفاء وطاعة الله تعالى.
وقال سماحته: إن الله جل شأنه أودع في الإنسان قدرة كبيرة وهائلة على التحوّل، يستطيع بها الإنسان أن يغيّر حاله إلى الأحسن والأفضل، والأمثلة على ذلك كثيرة. فعباد الله الصالحون كانوا مثلنا أناساً عاديين لكنهم بعزمهم وتصميمهم على الارتقاء بأنفسهم نحو المراتب العالية صاروا من خيرة عبادالله تعالى، ومنهم فضيل بن عياض ومالك بن دينار وإبراهيم بن أدهم وعبد فرّار وغيرهم.
وفي ختام كلامه أوصى سماحته الضيوف بقوله: عند زيارتكم لأهل البيت سلام الله عليهم اعزموا على العمل لتحصيل الملكات الفاضلة، واطلبوا الحاجات لكم ولأرحامكم وأقاربكم وأصدقائكم جميعاً. واطلبوا من الإمام سلام الله عليه أن يكشف الله سبحانه وتعالى الغُمّة عن هذه الأمّة وبالخصوص عن المؤمنين في العراق ولبنان الجريحين، فإنهم يعيشون معاناة كبيرة وآلاماً هائلة، وأقلّ واجب علينا تجاههم هو الدعاء لهم بالفرج والنصر إن شاء الله تعالى.


1/ أمالي الصدوق/ المجلس الحادي والأربعون/ ص 234/ ح7.
2/ مستدرك الوسائل/ ج5/ باب 28 استحباب الدعاء في جوف الليل/ ص207/ ح1.
3/ نهج البلاغة/ باب المختار من حِكَمه سلام الله عليه/ ص 506/ ح 207.