المرجع الديني سماحة السيد الشيرازي دام ظله يؤكّد:
اعملوا لله تعالى وجاهدوا النفس لتنالوا رضا الله ورضا رسوله الأكرم وأهل بيته الطاهرين

كلُّ من يعمل في سبيل الله، ويجاهد نفسه، تشمله الرعاية الإلهية، وينال رضا الله تعالى، ورضا رسوله الأكرم وأهل بيته الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ويكون التوفيق حليفه في أموره وحياته كلّها، وهذا ما صرّح به القرآن الكريم في قوله عزّ من قائل: «والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا»(1).
هذا ما أكّده المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله خلال كلمة قيّمة ألقاها على جمع من الإخوة والأخوات الناشطين في المجال الديني والثقافي من مدينة إصفهان، في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة في اليوم السابع عشر من شهر جمادى الآخرة 1427 للهجرة.
كما أوضح سماحته: لنفرض أن شخصين يعملان معاً في مكان واحد، فأيّ منهما بذل ما في وسعه في سبيل الله وجاهد نفسه سيكون مشمولاً بلطف الله، وسيحظى برعاية أهل البيت ومولانا الإمام صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف.
وبيّن سماحته أهميّة عزم الإنسان وتصميمه في العمل وقال: من يذهب إلى السوق ولا يعزم على العمل فيه لن يوفّق في كسب شيء ما. وهكذا من لم يعزم على المطالعة للامتحان أو على تهذيب نفسه فلن يحالفه النجاح والتوفيق. والقاعدة ذاتها تنطبق على من يسعى لنيل رضا الله تعالى ورعايته. فعليه أن يعزم ويترجم عزمه إلى الواقع وذلك بأن يبذل سعيه لأجل الله تعالى ويجاهد النفس لمرضاته عزّوجلّ حتى ينال التوفيق.
وقال سماحته: كل إنسان يستطيع تشخيص سلوكه وتصرفه هو على صواب أم على خطأ وذلك بأن يتجنّب فعل ما يراه سيّئاً من أفعال الآخرين وأن يكون المبادر في فعل ما يراه حسناً من غيره.
وأردف سماحته: إن الكثير من المشاكل والنزاعات التي تقع في العائلة وبين زملاء العمل والشركاء سببها أن كلٌّ من طرفي النزاع أو الخلاف يتصور أن الطرف المقابل هو المقصّر في واجبه أو عمله؛ في حال لو امتنع أحدهما عن ردِّ الفعل السلبي وغضَّ الطرف قليلاً عن سلوك طرفه المقابل فلن تجد المشاكل أو النزاعات طريقاً بينهما؛ وهذا من مصاديق مجاهدة النفس.
وأكّد دام ظله: اعزموا على العمل لله تبارك وتعالى وجاهدوا أنفسكم دوماً في كل الأمور لكي تنالوا توفيق الله ورضاه جلّ وعلا وتكونوا مصداقاً للآية الشريفة.
بعد ذلك تحدّث في الجمع فضيلة السيد حسين الشيرازي دام عزّه وألقى كلمة قال فيها:
لقد خلّد التاريخ كثيراً من الرجال والنساء الأحرار الذين ناصروا أهل البيت سلام الله عليهم بلسانهم وأيديهم، ومنهم الزرقاء بنت عدي الهمداني.
فقد حضرت هذه المرأة معركة صفّين في ركب الإمام أميرالمؤمنين سلام الله عليه وكانت راكبة جملاً أحمر وهي تحضّ الرجال على قتال معاوية بقولها:
ألا إن خضاب النساء الحناء، وخضاب الرجال الدماء، والصبر خير في الأمور عواقب. إيه إلى الحرب قُدُماً، غير ناكصين، فهذا يوم له ما بعده.
وبعد استشهاد مولانا الإمام علي سلام الله عليه طلبها معاوية للحضور عنده وقال لها: والله، يا زرقاء لقد شركت عليّاً في كلّ دم سفكه! فقالت: أحسن الله بشارتك. قال لها: وقد سرّك ذلك؟ قالت: نعم، والله لقد سرّني قولك، فإني بتصديق الفعل. فقال معاوية: والله، لوفاؤكم له بعد موته أحبّ من حبّكم له في حياته(2).
وقال فضيلته: أما الرجال الذين أرخصوا أنفسهم في سبيل الله تعالى وأهل البيت سلام الله عليهم فمنهم عمرو بن حمق الخزاعي.
كان عمرو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الخلّص وكان من خواص أصحاب الإمام علي سلام الله عليه وقال ذات مرة للإمام سلام الله عليه:
واللّه ما جئتك لمال من الدنيا تعطينيها، ولا لالتماس السلطان ترفع به ذكري [ما جئتك‏] إلاّ لأنّك ابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، وأولى الناس بالناس، وزوج فاطمة سيّدة نساء العالمين، وأبو الذريّة التي بقيت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، وأعظم سهماً للإسلام من المهاجرين والأنصار. واللّه لو كلّفتني نقل الجبال الرواسي ونزح البحور الطوامي أبداً حتّى يأتي عليّ يومي، وفي يدي سيفي أهزّ به عدوّك وأقوّي به وليّك، ويعلي به اللّه كعبك ويفلج به حجّتك، ما ظننت أنّي أدّيت من حقّك كلّ الحقّ الذي يجب لك عليّ. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: اللّهم نوّر قلبه واهده إلى الصراط المستقيم، ليت أنّ في شيعتي مائة مثلك .
وقال فضيلته: لمّا صار الأمر إلى معاوية انحاز (عمرو) إلى شهر زور من الموصل. وكتب إليه معاوية أن سارع إلى الدخول في أمري، فلم يقدم عليه عمرو بن الحمق، فبعث إليه من قتله وجاء برأسه [إليه‏] فبعث به [معاوية] إلى امرأته [و هي في سجنه‏] فوضع في حجرها، فقالت: سترتموه عنّي طويلاً وأهديتموه إليّ قتيلاً، فأهلاً وسهلاً من هديّة غير قالية ولا بمقلية، بلّغ أيّها الرسول عنّي معاوية ما أقول طلب اللّه بدمه، وعجّل له الويل من نقمه، فقد أتى أمراً فريّاً وقتل برّاً تقياً، فأبلغ أيها الرسول معاوية ما قلت. فبلّغ الرسول [معاوية] ما قالت، فبعث إليها فقال لها: أنت القائلة ما قلت؟ قالت: نعم غير ناكلة عنه ولا معتذرة منه .


1/ سورة العنكبوت: الآية 69.
2/ بلاغات النساء/ لابن طيفور /ص33.
3/ بحار الأنوار/ ج34/ الباب الرابع والثلاثون/ ص276.
4/ الاختصاص/ للشيخ المفيد/ في عمرو بن الحمق الخزاعي/ ص15.