سماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته:
إن مولاتنا فاطمة سلام الله عليها حلقة الوصل بين النبوة والإمامة

ضمن سلسلة دروس الأخلاق التي تقام اسبوعياً في بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله بمدينه قم المقدسة، تحدّث في يوم الجمعة الموافق للثامن عشر من شهر جمادى الآخرة 1427 للهجرة سماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته، وتطرّق في كلامه إلى مناسبة ذكرى مولد سيدة نساء العالمين، الصديقة الكبرى مولاتنا فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها وقال:
ورد في الروايات الشريفة: عن المفضل بن عمر قال: «قلت لأبي عبد الله الصادق عليه السلام كيف كان ولادة فاطمة ؟ فقال: نعم، إن خديجة عليها السلام لما تزوّج بها رسول الله صلى الله عليه وآله هجرتها نسوة مكّة، فكنّ لا يدخلن عليها، ولا يسلّمن عليها، ولا يتركن امرأة تدخل عليها، فاستوحشت خديجة لذلك، وكان جزعها وغمّها حذراً عليه صلى الله عليه وآله، فلمّا حملت بفاطمة، كانت فاطمة عليها السلام تحدّثها من بطنها، وتصبّرها، وكانت تكتم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله، فدخل رسول الله يوماً فسمع خديجة تحدّث فاطمة عليها السلام، فقال لها: يا خديجة مَن تحدّثين؟! قالت: الجنين الذي في بطني يحدّثني ويؤنسني، قال: يا خديجة هذا جبرئيل يخبرني [يبشرني‏] أنّها أنثى، وأنها النسلة الطاهرة الميمونة، وأنّ الله تبارك وتعالى سيجعل نسلي منها، وسيجعل من نسلها أئمّة، ويجعلهم خلفاءه في أرضه بعد انقضاء وحيه.
فلم تزل خديجة عليها السلام على ذلك إلى أن حضرت ولادتها، فوجّهت إلى نساء قريش وبني هاشم: أن تعالين لتلين منّي ما تلي النساء من النساء، فأرسلن إليها: أنت عصيتنا، ولم تقبلي قولنا، وتزوّجتِ محمداً يتيم أبي طالب فقيراً لا مال له، فلسنا نجي‏ء، ولا نلي من أمرك شيئاً، فاغتمّت خديجة عليها السلام لذلك.
فبينا هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة سمر طوال كأنّهنّ من نساء بني هاشم، ففزعت منهنّ لمّا رأتهنّ، فقالت إحداهنّ: لا تحزني يا خديجة، فإنا رسل ربّك إليك، ونحن أخواتك، أنا سارة، وهذه آسية بنت مزاحم وهي رفيقتك في الجنّة، وهذه مريم بنت عمران، وهذه كلثوم أخت موسى بن عمران، بعثنا الله إليك لنلي منكِ ما تلي النساء من النساء، فجلست واحدة عن يمينها، وأخرى عن يسارها، والثالثة بين يديها، والرابعة من خلفها، فوضعت فاطمة عليها السلام طاهرة مطهّرة.
فلما سقطت إلى الأرض أشرق منها النور حتى دخل بيوتات مكّة. ولم يبق في شرق الأرض ولا غربها موضع إلا أشرق فيه ذلك النور، ودخل عشر من الحور العين، كلّ واحدة منهنّ معها طشت من الجنّة وإبريق من الجنّة، وفي الإبريق ماء من الكوثر، فتناولتها المرأة التي كانت بين يديها فغسّلتها بماء الكوثر، وأخرجت خرقتين بيضاوين أشدّ بياضاً من اللبن و أطيب ريحاً من المسك والعنبر، فلفّتها بواحدة وقنّعتها بالثانية، ثم استنطقتها فنطقت فاطمة عليها السلام بالشهادتين، وقالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ أبي رسول الله سيد الأنبياء، وأن بعلي سيد الأوصياء، وولدي سادة الأسباط، ثم سلّمت عليهنّ وسمّت كلّ واحدة منهنّ باسمها، وأقبلن يضحكن إليها.
وتباشرت الحور العين، وبشّر أهل السماء بعضهم بعضاً بولادة فاطمة عليها السلام، وحدث في السماء نور زاهر لم تره الملائكة قبل ذلك، وقالت النسوة: خذيها يا خديجة طاهرة مطهّرة زكيّة ميمونة بورك فيها وفي نسلها، فتناولتها فرحة مستبشرة، وألقمتها ثديها فدرّ عليها، فكانت فاطمة عليها السلام تنمي في اليوم كما ينمي الصبيّ في الشهر، و تنمي في الشهر كما ينمي الصبيّ في السنة» (1).
وقال سماحته: إن مولاتنا الزهراء سلام الله عليها هي حلقة الوصل بين النبوة والإمامة، وفي الوقت ذاته هي منشأ كثير من الخير والبركات. فذريّة رسول صلى الله عليه وآله منها، والسادة الكرام والأئمة الأحد عشر صلوات الله عليهم أجمعين منها أيضاً سلام الله عليها، بصريح القرآن الكريم، حيث قال عزّ من قائل: «إنّا أعطيناك الكوثر، فصلّ لربّك وانحر، إن شانئك هو الأبتر».
وأضاف: نستنتج من الرواية التي ذكرتها أعلاه أن المعصومين الأربعة عشر سلام الله عليهم أجمعين هم نور ربّاني، ويمتازون عن البشر وإن كانت لهم خصائص بشرية. فهذه مولاتنا الزهراء سلام الله عليها تحضر الحور ولادتها المباركة، ويتناولنها بقماش الجنّة ويغسّلنها بماء الكوثر، فأي خصوصية كهذه كانت لغير فاطمة سلام عليها والمعصومين سلام الله عليهم.
وأكّد دامت بركاته: ينبغي أن نشكر الله سبحانه وتعالى على نعمته العظيمة علينا بمعرفة مولاتنا سيدة نساء العالمين وأبيها وبعلها وبنيها الأطياب الأخيار، وأن نشكر كذلك والدينا اللذين علّمانا حبّ المعصومين سلام الله عليهم. وينبغي لنا أيضاً أن نربّي أولادنا على حبّ النبي المختار ووصيّه علي الكرّار وبضعته الطاهرة فاطمة والأئمة الهداة الأطهار من ذريّتها صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.


1/ عوالم فاطمة الزهراء سلام الله عليها/ للمحدّث الكبير عبد الله البحراني/ باب كيفية ولادتها/ ص17/ح1.