المرجع الديني سماحة السيد الشيرازي دام ظله:
أهل البيت سلام الله عليهم خير أسوة وقدوة في الصبر على مشاكل الدنيا وصعوباتها

كل امرئ في هذه الدنيا وبسبب تقلّبات الزمان يصاب بمشاكل ومصاعب مختلفة ومتنوعة، وخير ما يستعان به لحلّ هذه المشاكل والصعوبات، والخروج منهما بسلام ونجاح هو الصبر.
هذا ما أكّده المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله خلال كلمة قيمة ألقاها على جمع من الأخوات الناشطات في المجال الثقافي من مدينة يزد الإيرانية، في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة.
وقال سماحته أيضاً: عندما يتعرّض الإنسان للمشاكل والصعوبات والأزمات كابتلائه بالمرض مثلاً، أو الزواج السيئ، أو الجار السوء، عليه أن يسعى في حلّها وخلاص نفسه منها، ولكن بما أن الدنيا هي دار فتنة وبلاء، ولا يمكن رفع كل ما يتعرّض له الإنسان، إذاً ينبغي في الحالات هذه أن يبني الإنسان حياته على أساس الصبر، لأنه من أركان التوفيق في الدنيا والسعادة في الآخرة.
وبهذا الصدد ذكر سماحته رواية سبب نزول سورة (هل أتى) وقال: قال الإمام الصادق سلام الله عليه عن أبيه الإمام الباقر سلام الله عليه: «مرض الحسن والحسين عليهما السلام وهما صبيان صغيران، فعادهما رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه رجلان فقال أحدهما: يا أبا الحسن لو نذرت في ابنيك نذراً إنْ الله عافاهما. فقال: أصوم ثلاثة أيام شكراً لله عزّوجلّ وكذلك قالت فاطمة عليها السلام وقال الصبيان ونحن أيضاً: نصوم ثلاثة أيام. وكذلك قالت جاريتهم فضة. فألبسهما الله عافيته فأصبحوا صياماً وليس عندهم طعام. فانطلق علي عليه السلام إلى جار له من اليهود يقال له شمعون، يعالج الصوف فقال: هل لك أن تعطيني جزة من صوف تغزلها لك ابنة محمد بثلاثة أصوع من شعير؟ قال: نعم، فأعطاه. فجاء بالصوف والشعير وأخبر فاطمة عليها السلام فقبلت وأطاعت ثم عمدت فغزلت ثلث الصوف ثم أخذت صاعاً من الشعير فطحنته وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص لكل واحد قرصاً وصلّى عليّ عليه السلام مع النبي صلى الله عليه وآله المغرب، ثم أتى منزله فوضع الخوان وجلسوا خمستهم، فأوّل لقمة كسرها علي عليه السلام إذا مسكين قد وقف بالباب فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا مسكين من مساكين المسلمين أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله على موائد الجنة. فوضع اللقمة من يده ... وعمدت (فاطمة) إلى ما كان على الخوان فدفعته إلى المسكين وباتوا جياعاً وأصبحوا صياماً لم يذوقوا إلاّ الماء القراح.
ثم عمدت إلى الثلث الثاني من الصوف فغزلته ثم أخذت صاعاً من الشعير وطحنته وعجنته وخبزت منه خمسة أقرصة لكل واحد قرصاً، وصلّى عليّ المغرب مع النبي صلى الله عليه وآله ثم أتى منزله فلما وضع الخوان بين يديه وجلسوا خمستهم فأوّل لقمة كسرها علي عليه السلام إذا يتيم من يتامى المسلمين قد وقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، أنا يتيم من يتامى المسلمين أطعموني مما تأكلون، أطعمكم الله على موائد الجنة فوضع علي عليه السلام اللقمة من يده ... ثم عمدت فأعطته عليها السلام جميع ما على الخوان وباتوا جياعاً لم يذوقوا إلاّ الماء القراح، وأصبحوا صياماً. وعمدت فاطمة عليها السلام فغزلت الثلث الباقي من الصوف وطحنت الصاع الباقي وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص لكل واحد قرصاً، وصلّى عليّ عليه السلام المغرب مع النبي صلى الله عليه وآله ثم أتى منزله فقرب إليه الخوان وجلسوا خمستهم فأوّل لقمة كسرها علي عليه السلام إذا أسير من أُسراء المشركين قد وقف بالباب فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، تأسروننا وتشدوننا ولا تطعموننا، فوضع علي عليه السلام اللقمة من يده ... وعمدوا إلى ما كان على الخوان فأعطوه وباتوا جياعاً وأصبحوا مفطرين وليس عندهم شي‏ء.
وأقبل علي بالحسن والحسين عليهم السلام نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وهما يرتعشان كالفراخ من شدة الجوع، فلما بصر بهم النبي صلى الله عليه وآله قال: يا أبا الحسن شد ما يسوؤني ما أرى بكم، انطلق إلى ابنتي فاطمة. فانطلقوا إليها وهي في محرابها قد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع وغارت عيناها فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وآله ضمّها إليه وقال: وا غوثاه بالله أنتم منذ ثلاث فيما أرى! فهبط جبرئيل فقال: يا محمد خذ ما هيأ الله لك في أهل بيتك. قال: وما آخذ يا جبرئيل ؟ قال: هَلْ أَتى‏ عَلَى الإنسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهرِ ... »(1) .
فعقّب سماحته: لاشك أن مولاتنا الزهراء سلام الله عليها كان باستطاعتها أن تقول (ياالله) لرفع ما كانت تعانيه، والله سبحانه يستجيب لها. كما كان بإمكان رسول الله صلى الله عليه وآله أن يدعو الله جلّ شأنه في شفاء سبطيه الحسن والحسين سلام الله عليهما، لكنهما سلام الله عليها فضّلاً التحمّل والصبر على ذلك. وهذا ما يدل على أهمية الصبر وفضله.
وشدّد سماحته: ولأهمية الصبر نجد أن الله عزّوجلّ قد ذكر الصبر في كتابه العظيم، كراراً ومراراً، ومدح الصابرين وبشّرهم بالفلاح. على سبيل المثال: وصف سبحانه وتعالى المؤمنين بقوله عزّ من قائل: «والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر»(2) . فكل من تصيبه مشكلة وخرج عن إرادته حلّها أو رفعها فعليه أن يتحلّى بالصبر.
وأكّد دام ظله: إن الأجر الذي يُعطى للإنسان يوم القيامة، ومقام القرب من الله تبارك وتعالى في الآخرة، له ارتباط وثيق بمقدار صبر الإنسان في الحياة الدنيا. فبمقدار ما يصبر المرء على مرارة الدنيا ومشاكلها ومتاعبها وصعوباتها، ينال الأجر والقرب من البارئ تعالى، فضلاً عن ما يحصّله من ثمرات الصبر في الدنيا، ومنها التوفيق في أموره كلّها.
بعد ذلك تحدّث فضيلة السيد حسين الشيرازي دام عزّه وقال:
من أسماء الله سبحانه وتعالى (الخلاّق). وهو جلّ وعلاقه خلق الكثير والكثير من كل شيء. فقد خلق من بني آدم مثلاً الملايين والملايين، ومن ذرات التراب المليارات والمليارات. ولكن هنالك أشياء لم يجعل الله تعالى منها إلا القليل، ومنها (العقل) و(الصبر). فقليل مما خلق الله سبحانه ينعم بهاتين النعمتين العظيمتين.
ومن المؤسف أن الكثير من الناس لاينتفعون من نعمة (العقل) التي أنعم الله بها عليهم، فتراهم في أكثر الأحوال يتبعون رغبات النفس وأميالها وشهواتها، غير مكترثين بضوابط العقل.
وقال فضيلته: إن من أفضل الأمور في تغليب العقل على الشهوات والرغبات محاسبة النفس، لما لها من الآثار الإيجابية الكثيرة في توفيق المرء وسعادته. يقول الإمام الكاظم سلام الله عليه: «ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كل يوم فإن عمل حسناً استزاد الله وإن عمل سيئاً استغفر الله منه وتاب إليه»(3) .
وفي ختام كلامه أجاب فضيلة السيد حسين الشيرازي حفظه الله تعالى على أسئلة الحاضرات.


1/ بحار الأنوار/ ج35/ باب 6 نزول هل أتى/ ص237/ ح1.
2/ سورة العصر.
3/ أصول الكافي/ ج2/ باب محاسبة العمل/ ص453/ ح2.