سماحة السيد دام ظله خلال كلمة قيمة بزوّار من القطيف:
منبع السعادة لكل إنسان هو الرضا بما قسم الله تعالى وليس في غير ذلك

إن منبع السعادة لكل إنسان هو شيء واحد لا ثاني له ولا ثالث وهو ما ذُكر في القرآن الكريم مكرّراً، وفي الأحاديث الشريفة كثيراً، ألا وهو الرضا بما قسم الله تعالى.
هذا ما أكّده المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله خلال توجيهاته القيمة التي ألقاها على جمع من الزائرات والزائرين أعضاء حملة (السراج) من مدينة القطيف السعودية، في بيته المكرم بمدينة قم المقدسة، يوم الاثنين الموافق للسابع من شهر جمادى الآخرة 1427 للهجرة.
وتساءل سماحته: إن السعادة أنشودة كلّ إنسان، فكل امرئ يبحث عنها، ويسعى بكل جدّه واجتهاده أن يكون سعيداً، وبعض الناس يعيشون السعادة، وكثير منهم لا يعيشونها. فأين تكمن السعادة؟
فأجاب سماحته: إن أصل السعادة ومنبعها هو الرضا بما قسم الله جلّ وتعالى. وليست بالمال أو العلم أو الشباب أو صحة البدن أو في الوظيفة أو في الشخصية أو في العشيرة أو الأقارب الكثيرين، أو في السمعة الطيبة. بدليل أن هنالك العديد ممن توفّرت عندهم هذه الأمور لكن مع ذلك تراهم يؤخذون دوماً إلى طبيب الأعصاب، أو يقدمون على الانتحار ـ والعياذ بالله ـ .
وأضاف سماحته: إن كل إنسان سيكون سعيداً بمقدار ما يوجد في أعماق نفسه من رضا بما قسم الله سبحانه له، سواء كان شاباً أو كبير السن، وفتاة أو عجوزاً، ومتزوجاً أو أعزب، ورجلاً أو امرأة، وغنياً أو فقيراً، وجامعياً أو حوزوياً، وفي أي مجال كان. فإذا رضي مئة بالمئة، فهذا سعيد مئة بالمئة، وهكذا.
وأردف سماحته: إن الآيات المباركة في القرآن والأحاديث الشريفة عن المعصومين الأربعة عشر صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قد أكّدت هذا الأمر كثيراً. ففي دعاء الإمام زين العابدين سلام الله عليه الذي نقرأه في الأسحار من شهر رمضان المبارك والمعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي، والذي لو قرأه المرء مرّة واحدة بتأمّل وتفهّم دقيقين فإنه سيرجى عند الانتهاء منه أن يكون مستجاب الدعوة من الله تعالى، نقرأ في آخر سطر منه العبارة التالية: «ورضّني من العيش بما قسمت لي».
وشدّد سماحته بالقول: إن إمرأة فرعون كانت تعيش مع أسوأ الرجال، حيث كان طاغوتاً وجباراً وظالماً، فرضيت بما قسم الله لها، فكانت امرأة سعيدة، وصارت نموذجاً للاقتداء والتأسي. فالله تعالى في كتابه العزيز يدعو النساء والرجال إلى التعلّم منها، وهذا هو أساس السعادة.
وأوضح سماحته: إن الرضا بما قسم الله ليس معناه أن لا يسعى الإنسان في رفع مشاكله أو سدّ نواقص حياته أو دفع معاناته، بل عليه مع ذلك أن يكون قانعاً بما قسمه الله عزّوجلّ له، حتى يهنأ في معيشته وحياته.
وأكّد دام ظله: إن الذي يرضى بما قسم الله له لا يتعرّض للأمراض، ولا يرقد في مستشفى الأعصاب ولا يقتل نفسه أبداً، وهذا أمر بالغ الأهمية وله آثار إيجابية كبيرة. فيبغي لكلّ مؤمن ومؤمنة أن يعزم عليه ويعمل به دوماً، حتى يهنأ عيشه ويقضي حياته سعيداً.
بعد ذلك ألقى فضيلة السيد جعفر الشيرازي دام عزه كلمة جاء فيها:
ورد في الحديث الشريف الذي وراه الكليني رحمة الله تعالى عليه في كتابه الشريف «الكافي» ورواه الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى في التهذيب ورواه غيرهما أنه: «لَمَّا زَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله فَاطِمَةَ عليها السلام قَالُوا: بِالرِّفَاءِ وَالبَنِينَ. فَقَالَ: لا بَل عَلَى الخَيرِ وَالبَرَكَةِ»(1).
الرفاء ـ بالهمزة، وليس الرفاه حيث هو خطأ شائع ـ يعني الانسجام، والبنين واضح، وهذا الكلام يردّده الناس عندما يهنئون المرأة والرجل بزواجهما، وكان من عادات الجاهلية، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن قول هذه العبارة.
وقد يسأل أحدنا لماذا رفض النبي هذا الأمر؟ أليس الانسجام بين الزوجين أمر جيد وكذلك البنون؟
الجواب أمران: الأول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله غيّر العادات الجاهلية جميعها، حتى الحسنة منها، وبدّلها إلى الأحسن، لأن كثيراً من الوقائع ترتبط بعضها ببعض، فمن الممكن أن يكون شيء ما حسناً ولكنه مرتبط بحادثة غير مناسبة فيكون قوله داعياً لتذكّر الحادثة المرتبطة به، وهذا يسمى (بالتداعي) في علم النفس.
فالإسلام لا يحارب العادة الحسنة، وإذا أراد تغييرها من جهة فإنه يغيّرها إلى الأحسن والأفضل.
الثاني: كان المهم عند عرب الجاهلية أن تلد المرأة البنين لا البنات، والإسلام رفض هذا الشيء واعتبر البنات والبنين نعمة وأوجب الرضا بما قسم الله تعالى. فكانت كلمة (البنين) ترتبط بعادات الجاهلية فبدّلها الإسلام بقول الأحسن منها.
إن الإسلام أسّس مجموعة من السنن والعادات في كل شيء من جوانب الحياة، من صغير الأمور إلى كبيرها، قد لا يكون الالتزام ببعضها واجباً، ففيها المستحب والمكروه وما شابه ذلك، لكن يجب علينا الالتزام بها جميعاً، لأن القرآن الكريم يقول: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة»(2) ورسول الله صلى الله عليه وآله عليه كان يعمل بسنن الإسلام وآدابه كلّها، وبما إنا نعتقد أن النبي معصوم مطلقاً وليس كما ذهب إليه العامّة من أنه صلى الله عليه وآله معصوم في تبليغ الرسالة فقط، فيجدر بنا أن نتأسّى به. وفي هذا يقول الإمام أميرالمؤمنين سلام الله عليه: «ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمّه»(3) .


1/ الكافي /ج5/ باب نوادر/ ص568/ح52.
2/ سورة الأحزاب: الآية 21.
3/ بحار الأنوار/ ج14/ باب 31 ماورد بلفظ نبي من .../ ص474.