المرجع الديني سماحة السيد الشيرازي دام ظله:
ينبغي للمؤمن أن ينظر إلى من هو دونه في المقدرة حتى يستوجب الزيادة من الله عزّوجلّ

زار المرجعَ الدينيَ سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرم بمدينة قم المقدسة يوم السبت الموافق للرابع من شهر جمادى الآخرة 1427 للهجرة جمع من المؤمنين والمؤمنات أعضاء (حملة نور الرضا سلام الله عليه) من مدينة سيهات السعودية، فأفاض سماحته عليهم بإرشاداته القيمة وقال:
إن الله تعالى جعل النعيم في الآخرة، والراحة في الجنة، أما الدنيا فهي دار مشاكل. وكل إنسان مهما كان عنده من النعم بالدنيا لابدّ وأنه يشعر بنواقص في حياته. ومشاكل الدنيا أحياناً تصل إلى مستوى بحيث تضغط على نفس الإنسان، وقد يشتدّ الضغط حتى يبلغ بصاحب المشاكل إلى الانتحار ـ والعياذ بالله ـ أو تحطم الأعصاب أو الجنون أو إلى مراتب قريبة من ذلك.
وقال سماحته: الدنيا لا تتغير عن كونها دنيا، لأن الله سبحانه أراد أن تكون فيها المشاكل والمتاعب والمآسي ليختبر عباده، كما في قوله عز من قائل: «ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون»(1) وقد يدفع الإنسان قسماً من المشاكل أو يرفعها ببركة الصدقة والدعاء وصلة الأرحام وأعمال الخير والإحسان. لكن ما هو علاج بقية المشاكل التي يخرج عن إراداته حلّها ودفعها؟
فأجاب سماحته: إن العلاج نجده عند أهل البيت سلام الله عليهم حيث هم النور وكلامهم نور. فقد جاء عن الإمام الصادق سلام الله عليه أنه قال لحمران بن أعين: «يا حمران! انظر إلى من هو دونك في المقدرة؛ ولا تنظر إلى مَن هو فوقك في المقدرة، فإن ذلك أقنع لك بما قُسِمَ لك، وأحرى أن تستوجب الزيادة من ربّك»(2).
وأوضح سماحته: فالذي يشكو من الفقر ـ مع ما في الفقر من آلاف المشاكل ـ إذا حاول أن يزيل الفقر عن نفسه ولم يستطع فمن غير الصحيح أن تتحطم أعصابه أو ينهار ويذهب على أثر ذلك إيمانه ويفقد صحته، بل يجدر به أن ينظر إلى من هو أشدّ منه فقراً، من الجيران والأرحام وغيرهم من الناس، عندها سيرى أنه أفضل منهم، فيحمد الله تعالى على ما عنده مقارنة إلى ما يفقده غيره. عند ذلك ستخفّ عليه شدّة ما يعانيه من الفقر. وهكذا ينبغي التصرف لمن يعاني من المرض، أو المبتلى بالعدو وبجار سوء، وللرجل المبتلى بزوجة سوء، والمرأة المبتلية بزوج سوء، والأب والأم المبتليين بأولاد سوء، والأولاد المبتلين بأب سيّئ وأم سيئة. فبما أن أغلب المشاكل لا يمكن رفعها فيجدر بالجميع أن يعالجوها بالنظر إلى من هم أشدّ منهم مشاكل أو دونهم في المقدرة على دفع قسم مما يعانوه.
وخاطب سماحته الحاضرين فقال: كل واحد منكن أنتُنّ أيتها المؤمنات، وكل واحد منكم أنتم أيها المؤمنون لا بد أنكم تعانون من مشاكل، متفاوتة في نوعها وشدّتها، فينبغي لكم علاجها وذلك بأن تفكّروا بأرحامكم وأقاربكم وأصدقائكم وممن تعرفونه وانظروا أي نعمة مفقودة عندهم وهي عندكم موجودة، فهذا الأمر يخفّف عنكم ألم مشاكلكم وأحياناً يزيلها أو يساعدكم على نسيانها. وعليكم أن لا تنسوا نعم الله تبارك وتعالى وأدّوا شكره على كل حال حتى لا يذهب إيمانكم.
وأكّد دام ظله: نحن في شهر مهم وهو شهر جمادى الآخرة، وبين أيام ذكرى استشهاد سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها وأيّام ذكرى ميلادها الميمون في العشرين من الشهر، وأنتم الآن في جوار كريمة أهل البيت فاطمة المعصومة سلام الله عليها التي جاء في حقّها عن الإمام الصادق سلام الله عليه: «من زارها وجبت له الجنة»(3)، وستذهبون لزيارة الإمام الرضا سلام الله عليه، حاولوا أن تكون إحدى استفاداتكم من هذه المناسبة الزمنية ومن هذه المناسبة المكانية ومن سفرتكم وزيارتكم المباركة أن تعزموا وتصمموا على أن تعملوا بوصية الإمام الصادق سلام الله عليه الآنفة الذكر، حتى لا تقصّروا في الواجب، وتحفظوا إيمانكم وعقلكم وحياتكم فإن ذلك يستتبع السعادة في الآخرة أيضاً.
بعد ذلك ألقى سماحة السيد محمد رضا الشيرازي دامت بركاته كلمة قال فيها: روى الشريف الرضي رحمة الله تعالى عليه في كتابه (نهج البلاغة) عن إمام المتقين ومولى الموحدين، عليّ أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: «الله الله في القرآن، لا يسبقكم بالعمل به غيركم»(4) . وهذا الحديث الشريف فيه معانٍ متعددة، ونكتفي بالإشارة إلى اثنين منهما:
الأول: إن القرآن الكريم يحوي مجموعة من القيم ومن الأحكام والتعاليم الأخلاقية والآداب الاجتماعية. وينبغي للمؤمنين أن يكونوا سبّاقين إلى تجسيد هذه القيم والتعاليم وتطبيقها.
فمن الظواهر الشائعة في المجتمع أن بعض الأفراد ينظر إلى الواقع القائم الذي يعيشه ويحاول أن يطابق نفسه معه أو يكون مثله. وهذه الحالة تعتبر خطأ ينبغي للمؤمن أن يتجنّبها، وعليه في مجال المعنويات أن يكون نظره دائماً إلى القمم لا إلى واقع المجتمع، وعليه أن يكون دائماً متفوّقاً وسبّاقاً، أو على الأقل في الرعيل الأول.
فإحدى القيم التي ينادي بها القرآن الكريم هو الصدق، ومن النموذج الأعلى في الصدق بعد النبي الأكرم ومولاتنا الزهراء والأئمة الهداة الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أبوذر الغفاري الذي قال في حقّه رسول الله صلى الله عليه وآله: «ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على أصدق لهجة من أبي ذر»(5) . فلنحاول أن نكون كأبي ذر أو قريبين من مستواه، فإنّ «من طلب شيئاً ناله أو بعضه»(6) كما قال أميرالمؤمنين سلام الله عليه.
كما إن إحدى القيم في القرآن هو العفو، وأحد المثل العليا في العفو بعد المعصومين هو مالك الأشتر الذي ذهب إلى المسجد ليستغفر لمن رماه بالأوساخ. وهكذا في بقية القيم. فإذا صممنا على ذلك فسنكون كذلك إن شاء الله تعالى.
الثاني: إن القيم التي ذكرها القرآن تعتبر ركائز للحضارة. وإذا أردنا نحن المسلمين أن ننقذ أنفسنا من الواقع القائم في مجتمعنا كالتخلف مثلاً، فعلينا التمسّك والعمل بالقيم التي وردت في كتاب الله المجيد، فهي الحلّ لا غيرها.
فالكفّار الأجانب عملوا بنسبةٍ ما بقيم القرآن فسبقونا. فكلّ ما نجده اليوم من تقدّم في بلادهم إنما هو ببركة عملهم بالقرآن ولو في حدود. أما نحن فأهملنا آيات الكتاب الحكيم ونسيناها وأعرضنا عنها فابتلينا بالمشاكل والتخلف في أكثر المجالات.
إنّ الأجانب ـ كما قال والدي المرحوم المرجع الراحل قدس سره ـ طبقّوا الحرية في حياتهم من خلال استفادتهم المحدودة من قوله تعالى: «ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم»(7) . أما نحن فتعاني بلادنا قمع الرأي وهضم الحقوق ومصادرتها.
وهم عملوا بالشورى في كل أمورهم الحياتية بدءاً من البيت إلى أرقى مستوى، من خلال قوله عزّوجلّ: «وأمرهم شورى بينهم»(8) ونحن نعاني من الدكتاتورية واستبداد الرأي.
وها هم اليوم في طريقهم إلى أن يصبحوا أمة واحدة، والمسلمون متفرقون.
والقرآن الكريم يقول: «إنّما المؤمنون إخوة»(9) أما نحن فالمنطق الحاكم علينا أنه إذا جاءنا أحد من غير بلدنا فنقول: (هذا أجنبي). فنحن أعرضنا عن قيم القرآن فتأخّرنا، والآخرون أخذوا بها فتقدّموا. إذاً ينبغي لنا العودة إلى القرآن الكريم، ففي ذلك سعادتنا في الآخرة والدنيا.


1/ سورة الأنبياء: الآية 35.
2/ فروع الكافي/ ج8 /ص244/ ح338.
3/ مستدرك الوسائل/ ج10/ باب 74 استحباب زيارة فاطمة بنت موسى بن جعفر سلام الله عليهم بقم/ ص368/ ح1.
4/ نهج البلاغة/ الكتاب 47 من وصية له سلام الله عليه للحسن والحسين سلام الله عليهما.../ ص421.
5/ بحار الأنوار/ ج22/ باب12 كيفية إسلام أبي ذر رض / ص404/ ح15.
6/ غرر الحكم / فوائد السعي والجد/ ص 444/ ح10133.
7/ سورة الأعراف: الآية 157.
8/ سورة الشورى: الآية 38.
9/ سورة الحجرات: الآية 10.