سماحة المرجع السيد الشيرازي دام ظله مخاطباً وفد
أئمة الجمعة والجماعة من العراق:
الفخر هو أن تكونوا أحسن علماً وأحسن تقوى وأحسن زهداً
 |
قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى
السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم
بمدينة قم المقدسة يوم الثلاثاء 23/ جمادى الأولى/
1427 للهجرة وفد من أعضاء مكتب أئمة الجمعة والجماعة
في مدن ومحافظات العراق ـ مقرّه في النجف الأشرف ـ
واستمعوا إلى وصاياه وتوجيهاته القيّمة.
في البداية تحدّث أحد فضلاء الوفد وقال:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين وصلّى
الله على محمّد وآله الطاهرين.
باسمي وباسم الإخوة وفد مكتب أئمة الجمعة والجماعة من
أغلب محافظات ومدن العراق العظيم، نشكر المرجع الديني
الكبير سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني
الشيرازي دام ظله الوارف على إتاحته الفرصة العظيمة
لنا للقاء به. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظه
ويديمه ذخراً لنا وللمذهب العظيم لأجل خدمة التشيّع،
ونودّ أن نستمع إلى كلماته الشريفة لتكون لنا مناراً
نسير به على خطى رسول الله والأئمة الأطهار صلوات الله
عليهم أجمعين.
ثمّ تحدّث سماحة السيد دام ظله وقال: بسم الله
الرحمن الرحيم
أسأل الله القريب المجيب أن يتقبّل من الجميع الطاعات
والعبادات والخدمات، وأن يرعى سيدنا ومولانا بقيّة
الله المهدي الموعود عجّل الله تعالى فرجه الشريف
الجميع برعايته، وأن يكون الإمام الرضا صلوات الله
وسلامه عليه وأخته كريمة أهل البيت فاطمة المعصومة
سلام الله عليها شفعاء للجميع في حوائج الدنيا
والآخرة.
نحن وأنتم ورثة حوزات يمتد تاريخها لقرون، وورثة
الألوف من طلاب العلوم الدينية والأساتذة وأئمة الجمعة
والجماعة والعلماء وأمثالهم. فلسنا الرعيل الأول ولسنا
الجيل الأخير، وينبغي لنا جميعاً أن نهتدي بهدي القرآن
الكريم وهدي رسول الله وفاطمة الزهراء والأئمة الإثني
عشر صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأن نتعلّم
ونقتبس من حياة العلماء الماضين حتى نكون صالحين وحتى
تتعلّم منّا الأجيال القادمة إن شاء الله تعالى.
وقال سماحته: أذكر لكم قصّة من تاريخ الحوزة
العلمية في مدينة النجف الأشرف عن أحد العلماء الماضين
والذي كان بدوره في يوم من الأيام شابّاً متعلّماً ثم
أصبح أستاذاً ثم عالماً ومرجعاً للتقليد، وهو المرحوم
الشيخ محسن خنفر.
كان ذلك في زمان الشيخ الجواهر صاحب (كتاب الجواهر)
وكان الشيخ خنفر (لعلّه) متقدّماً في مرجعيته على صاحب
الجواهر كما يستفاد من نتف من تاريخه، وقد تتلمذ على
يديه المئات، كان العشرات منهم فقهاء ومراجع أحدهم
المرحوم الشيخ محمد طه نجف.
مرض الشيخ محسن خنفر في أخريات حياته مرضاً أجلسه في
البيت وألزمه الفراش، بحيث لم يستطع مزاولة شؤون
المرجعية من التدريس، وتحقيق المسائل، والإجابة على
الأسئلة الشرعية و...، وطال به المرض إلى أن توفي
رضوان الله تعالى عليه عام 1270 للهجرة، وتوفي الشيخ
صاحب الجواهر قبله بأربع سنوات أي عام 1266 للهجرة،
وفي الفترة ما بين وفاة صاحب الجواهر إلى وفاة الشيخ
خنفر صارت المرجعية للمرحوم الشيخ مرتضى الأنصاري
رضوان الله تعالى عليه.
ومن طبع الناس غالباً أنهم لا يسألون عن الشخص إذا مرض
أو غاب لسبب ما، وإن كان شخصاً مهماً بل ينسونه بسرعة،
لا يزورونه ولا يسألون عنه فأصبح الشيخ خنفر هذا
المرجع الكبير والمربّي لعشرات الفقهاء لا يمتلك ما
يسدّ به حتى قوت عائلته.
ونقلوا أنه جيء للشيخ الأنصاري رضوان الله تعالى عليه
بكيس كبير مملوءاً بالليرات الذهبية وكان الكيس يسع
لمئة كغم، وبدون أن يفتحه الشيخ الأنصاري قال: احملوه
إلى الشيخ محسن خنفر. فأتوا به إلى الشيخ خنفر فقال:
ما هذا؟ قالوا: الشيخ الأنصاري يبلّغكم السلام ويقول
هذا لك. فسأل عما فيه؟ قالوا: ليرات ذهبية. فجلس الشيخ
خنفر وفتح الكيس وأخذ ليرة واحدة وكسر منها كسرة
وأخذها وأرجع المتبقي منها في الكيس وقال: ارجعوا به
إلى الشيخ الأنصاري، فهذا المقدار الذي أخذته يكفيني
حالياً.
وعندما أرجعوا الكيس إلى الشيخ الأنصاري قام بتوزيع ما
فيه على الفقراء والأيتام وعلى المساجد والحسينيات
وعلى مجالس أهل البيت سلام الله عليهم وعلى المشاريع
الخيرية الأخرى.
وبعد أيام توفي الشيخ خنفر وتبيّن أنّ المقدار الذي
أخذه من الليرة كانت حاجته وحاجة عائلته للأيام
المتبقية من حياته.
فعقّب سماحته قائلاً: لقد رحل الشيخ محسن خنفر
وبعده بزهاء عشر سنوات توفي الشيخ الأنصاري ومرّ على
وفاتهما زهاء 150 سنة وكلاهما مدفونان في الروضة
العلوية المقدسة قرب باب القبلة، لكن آثارهما وقصصهما
لن تموت إلى قيام الساعة.
يقول الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: «هلك
خزّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي
الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة»(1).
وأردف سماحته: في الحقيقة إن هذه القصة كانت
امتحاناً كبيراً للشيخ محسن خنفر، حيث استطاع بتحمّله
للمرض والفقر والألم وعدم اغتراره بمال الدنيا أن يخرج
منه مرفوع الرأس. فلو أن شخصاً آخر كان بمكان الشيخ
خنفر فلربما قال: قد أبقى مريضاً وفقيراً فلأغتنم هذه
الفرصة وآخذ ليرات أكثر وادّخرها لليوم (الأسود) كما
يعبّرون.
وقال سماحته: نحن أهل العلم نواجه ظروفاً صعبة
وفي أكثر الأحيان تواجهنا ابتلاءات كثيرة فيجب أن نقي
أنفسنا من الانجرار وراء شهوات النفس ورغباتها. جاء في
الروايات الشريفة: «أن الإمام علي بن أبي طالب
صلوات الله وسلامه عليه سمع رجلاً يقول: اللهم إني
أعوذ بك من الفتنة. فقال: أراك تتعوّذ من مالك وولدك،
يقول الله عزّ وجلّ: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة)
ولكن قل: اللهم إني أعوذ بك من مُضلات الفتن»(2).
وشدّد سماحته بالقول: إن رمز سعادة الماضين
وسرّ التوفيق الإلهي الذي حظوا به هو تحمّلهم لمصاعب
الدنيا ومشاكلها ومشاقّها، وعدم اغترارهم بزخرفها
وملذّاتها، وبذلك خلّدهم التاريخ علماء عظاماً، ولذلك
نقرأ في الحديث الشريف: «العلم نور يقذفه الله في
قلب من يشاء»(3).
وأضاف سماحته: أنتم على وتيره العلماء الماضين
وفي طريقهم فاقرأوا تاريخهم وتعلّموا منهم حتى يتعلّم
الآتون منكم، فعلماؤنا رضوان الله تعالى عليهم ورّثونا
تراثاً ثميناً فينبغي أن نورّث الأجيال القادمة ما
ورثناه من الماضين. فلا ينبغي لأحدكم أن يفكّر في
المشرب الحسن أو الأكل الأفضل أو الثياب الأحسن أو
البيت الأحسن والأرفه وما شابه ذلك من الماديات وأمور
الدنيا الفانية. فمولانا رسول الله صلى الله عليه واله
لم يكن بيته في المدينة أحسن البيوت، ولم يكن بيت
الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه أحسن بيت في
الكوفة.
فهذه الأمور ليست فخراً للعلماء، بل الفخر والمهم هو
أن تكونوا أحسن علماً وأحسن تقوى وأحسن زهداً.
وفي جانب آخر من حديثه قال سماحة السيد الشيرازي
حفظه الله ورعاه: توجد في أطراف مدينة سامراء
منطقة تسمى بـ (الخلفاء) تقع بالقرب من المأذنة
المعروفة بـ (الملوية) التي تبعد عن الروضة العسكرية
الطاهرة حوالي كيلومترين، هذه المنطقة فيها قبور
سلاطين بني العباس ومنهم الطاغية المجرم المتوكّل الذي
ظلم وطغى زهاء عشرين سنة وذبح الآلاف من شيعة أهل
البيت سلام الله عليهم وشرّد الآلاف منهم، وسجن
الألوف، لو ذهب أحدكم إلى هذه المنطقة فلن يجد أي أثر
لقبور العباسيين حتى آجرة واحدة.
وقد قرأت في كتاب (مآثر الكبراء في تاريخ سامراء)
أنه: ذات مرّة ذهب أحد أحفاد طغاة بني العباس مع
مجموعة من أصدقائه إلى سامراء، وكان مرقد الإمامين
العسكريين سلام الله عليهما آنذاك في حجرة صغيرة وكان
شيعة أهل البيت ومحبّوهم يأتون لزيارتهما وأمّا عامّة
الناس فكانوا يأتون ويقرأون الفاتحة.
جاء هذا العباسي مع أصدقائه إلى مرقد الإمامين
العسكريين سلام الله عليهما وقرأوا الفاتحة ثم ذهبوا
إلى قبور العباسيين. فقال أحدهم للحفيد العباسي: لقد
كان آباؤك خلفاء وملوكاً وقد حكموا نصف المعمورة، وكان
بيدهم الحول والطول والمال والجيش والرجال والسلاح
وكلّ شيء، وهؤلاء (وأشار إلى مرقد الإمامين العسكريين
سلام الله عليهما) كانوا أسراء بيد آبائك، فما بال
قبورهم مشيّدة وتزورها الناس ولا أثر لقبور آبائك؟
فقال العباسي: لأن هؤلاء (وأشار إلى الإمامين الهاديين
سلام الله عليهما) كانوا مع الحق، وآبائي كانوا على
باطل.
وأكد دام ظله: أنتم ونحن على وتيرة السلف
الصالح من العلماء الكبار وعلى طريقهم وسنوفّق بمقدار
ما نتعلّم منهم ونحذو حذوهم، وأهم ما يجب تعلّمه منهم
هو كيف نتصرّف عندما يأتينا كيس من الذهب.
أسأل الله تعالى سبحانه وتعالى ببركة أهل البيت سلام
الله عليهم أن يوفّقنا جميعاً لهذا النوع من الاتباع
والاقتداء، كما أسأله تبارك وتعالى ببركة أهل البيت أن
يكون عراق المستقبل في القريب العاجل عراق أمن وسلام،
ومكتظّاً بمئات الألوف من العلماء والطلاب والمثقفين
والزوّار والمستفيدين معنوياً ومادياً من نعمة جوار
الإمام أمير المؤمنين والإمام الحسين وباقي الأئمة
الأطهار سلام الله عليهم، وأن نكون ممن يحتذي حذو آل
الرسول الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين،
والأتقياء والزهاد من علماءنا الماضين.
وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.