سماحة السيد الشيرازي دام ظله في كلمة هامّة حول
تعظيم الشعائر الفاطمية:
اقتدوا بعلماء السلف الصالح في نذر النفس لإيصال رسالة
أهل البيت إلى البشرية
 |
في الأيام الفاطميّة ـ ذكرى استشهاد مولاتنا فاطمة
الزهراء سلام الله عليها ـ وخلافاً لشهر محرم الحرام
وصفر الخير ورمضان المبارك ـ يلاحظ وجود فراغ في
الجانب التبليغي حيث ترى ـ ومع الأسف ـ أنّ النشاطات
والفعاليات التبليغيّة ليست بالمستوى المطلوب.
لكن ـ على الرغم من ذلك ـ هنالك مَن يشمّر عن ساعديه
للقيام بالعمل الإرشادي والتبليغي في الأيام المذكورة
متكلاً في ذلك على الله سبحانه وطالباً العون والمدد
من الصديقة الكبرى مولاتنا فاطمة الزهراء سلام الله
عليها.
من بين القلائل الذين يحيون هذه المناسبة ويقومون بدور
تبليغي فيها أعضاء (قافلة الزهراء سلام الله عليها
التبليغية) حيث يقومون في الأيام الفاطمية الأولى
بشدّ الرحال إلى مناطق إيران الحدودية المحرومة
ويمارسون عملهم الإرشادي والتبليغي هناك.
وقد قام أعضاء هذه القافلة بعد أن أنهوا عملهم
التبليغي في الأيام الفاطمية الأولى بزيارة المرجع
الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني
الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بقم المقدسة في يوم
الأربعاء 17 جمادى الأولى 1427 للهجرة، فأفاض سماحته
عليهم ببعض وصاياه وتوجيهاته القيّمة، حيث استهلّ
سماحته الكلام بقول الله عزّ وجلّ: «فأما الزبد
فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك
يضرب الله الأمثال»(1) وقال:
إن الله تبارك وتعالى قد شبّه أحوال الدنيا بالسيل
الذي يجرف ـ خلال حركته ـ الكثير من الأشياء الخفيفة
كالشوك ونشارة الخشب والتبن وما شابه ذلك. ولأن هذه
الأشياء خفيفة فهي تُرى على سطح الماء ولكن بعد مدّة
تزول وتختفي وتبقى الأشياء النافعة والمفيدة.
وأضاف: لقد شاءت إرادة الله تعالى أن لا تخلو
أمور الدنيا من المشاكل. لذلك ترى أن أفضل مَن خلق
الله تعالى ومَن لأجلهم خلق الكون والأفلاك وهم فاطمة
وأبوها وبعلها وبنوها صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين
قد تعرّضوا خلال تبليغهم رسالة ربّهم إلى أشد أنواع
الأذى والظلم والاعتراض والمخالفة.
وأوضح سماحته: إن لم يواجه المؤمنون المبلّغون
ردود فعل سلبية أو مشاكل خلال ممارستهم للتبليغ في
مكان ما فلعلّ مردّه التضحيات التي بذلها السلف
الصالح، وما تحمّلوه من المتاعب والمشاق في هذا
السبيل.
وبعد أن أشار إلى تاريخ بعض المناطق الشيعيّة وجهود
ومساعي علماء التشيع في إيصال رسالة أهل البيت سلام
الله عليهم لساكنيها قال سماحته: على سبيل المثال
إن مدينة إصفهان ـ وهي إحدى المدن المعروفة بتمسّكها
بالتشيّع والتي ينطلق منها الكثير من المبلّغين إلى
نقاط العالم ـ كان أهلها في فترة من الزمن لا يكتفون
بردّ الفعل السلبي تجاه المبلّغين وعلماء التشيّع بل
كانوا لا يطيقون سماع كلمة (الشيعة). ولكن إثر جهود
وتضحيات العلماء الأعلام كالعلاّمة المجلسي والمحقّق
الكركي رضوان الله تعالى عليهما باتت إصفهان اليوم
إحدى المدن الكبرى المتمسّكة بالولاء والحبّ لآل بيت
رسول الله صلى الله عليه وآله.
وأردف سماحته: إن التعامل السلبي مع المبلّغين
الشيعة اليوم أقلّ من الماضي وإذا راجعتم كتاب (شهداء
الفضيلة) للعلاّمة الأميني رضوان الله تعالى عليه
يتّضح لكم مدى الأذى والمشاق والتعذيب الذي تعرّض له
السلف الصالح في نشر علوم أهل البيت سلام الله عليهم،
فإنّ بعضهم كان يُلقى حيّاً في النار.
وقال سماحة السيد الشيرازي حفظه الله تعالى:
قبل زهاء ألف سنة كانت الدراسة والتأليف والتحقيق
عملاً شاقّاً جدّاً، حيث إن جمع بضعة أحاديث كان
يتطلّب فترة سنة من الزمن، وربّ شخص كان يصرف الكثير
من الجهود ويتحمّل الكثير من مشاقّ السفر كي يسمع من
فاضلٍ ما حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: «عليّ
مع الحقّ والحقّ مع عليّ يدور معه حيث ما دار»(2)
أو «فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني»(3).
وكان في ذلك الزمان جمع حديث واحد أصعب من تهيئة عدد
من الكتب في زماننا الحاضر، بل إن كل من كان يحمل معه
ورقة فيها حديث حول منقبة من مناقب مولاتنا الزهراء
سلام الله عليها، كان يعرّض نفسه للخطر.
في ذلك الزمان كان شاب يسكن في الكوفة وقد بذل عمره في
خدمة علوم أهل البيت سلام الله عليهم وجمع الكثير من
الأحاديث التي تذكر ولاية آل الرسول صلى الله عليه
وآله في أوراق وعرضها على زملائه وقال لهم: أريد أن
أخرج بهذه الأوراق خارج الكوفة لأنشرها في بقية
المناطق. فقالوا له: نتخوّف عليك من ذلك.
وبما أنه كان مصمماً على ذلك مهما كلّف الثمن، اقترح
عليه زملاؤه أن يذهب إلى مدينة البصرة لأن فيها قليلاً
من الشيعة وحذّروه من الذهاب إلى مدينة إصفهان. ولكنه
اختار الذهاب إلى مدينة إصفهان ليبلّغ ما كتبه في
أوراقه. فشدّ الرحال إلى إصفهان وتحمّل عناء السفر
كالجوع ووجود الحيوانات الضارية والسرّاق والجلاوزة
الذين كانوا مأمورين بقتل كلّ من يدعو إلى التشيّع،
وشرع بممارسة عمله التبليغي ونشر ما كتبه في أوراقه
حتى استشهد على أثر ذلك.
وعقّب سماحته: إن مقام هذا الشاب وعلماء السلف
الصالح الذين بجهودهم تحوّلت إصفهان إلى مدينة شيعية
سيكون عظيماً جداً يوم القيامة، والمثيب لهم هو مولانا
رسول الله والأئمة الهداة من آله صلوات الله وسلامه
عليهم أجمعين.
واعتبر سماحته تحمّل المشاق والمشاكل في العمل
التبليغي من البديهيات وقال: يجب أن لا نخاف الأذى
والمشاكل في سبيل نشر ثقافة أهل البيت سلام الله عليهم
أو ننأى بأن
فسنا
عن ذلك، بل يجب الاقتداء بالسلف الصالح في نذر أنفسنا
للصعوبات والأذى. فهذا «عطيّة» أحد علماء
ومفسّري الكوفة تحمّل التشريد عشرين سنة خوفاً من بطش
الحجّاج وعاش مع عائلته في أقسى الظروف، وبعد هذه
الفترة من الزمن قبض عليه الحجاج الملعون في إحدى
مناطق إيران فأمر بجلده أربعمائة سوط ونتفوا لحيته. كل
ذلك كان بسبب روايته للأحاديث التي تذكر مناقب مولاتنا
فاطمة سلام الله عليها.
وعدّ سماحته صعوبات العمل التبليغي من الأمور
الثمينة وقال: هذه المتاعب والآلام لها ثمن عظيم
عند الله تعالى، وعاقبة مرارتها هي الحلاوة. وقد دعانا
القرآن الكريم وأئمتنا الهداة إلى الاعتبار بحياة
الماضين. وإذا راجعتم صفحات التاريخ لرأيتم أن الكثير
من المؤمنين ـ أمثال ذلك الشابّ الكوفي ـ قد تعرّضوا
إلى أنواع التعذيب وقضوا نحبهم تحت سياط الجلاد. أنتم
أيضاً سيذهب التعب عنكم، فحذار أن تكونوا من الذين
يشعرون بالتقصير والخجل تجاه مولاتنا الصديقة الكبرى
سلام الله عليها.
وأكّد دام ظله: لا تستصغروا أيّ عمل تبليغي،
فلعلّ تفوّهكم بكلمة بسيطة بالظاهر تؤدي إلى استبصار
كثيرين بنور أهل البيت سلام الله عليهم ويتشيّع كثير
ممن لا تعرفونهم.
وقال سماحته في ختام حديثه مخاطباً الحضور: لقد
فعلتم جميلاً وحسناً أن صرفتم أيّاماً من عمركم في
تبليغ ونشر علوم أهل البيت سلام الله عليهم، فلتطمئن
قلوبكم أن كل ما تحملتموه من الآلام والصعوبات وكلّ
مساعيكم في هذا الطريق هي محفوظة عند الله جلّ شأنه
وسيرعاكم مولانا بقية الله الأعظم عجل الله تعالى فرجه
الشريف برعايته ودعائه.