سماحة السيد دام ظله خلال كلمة بفضلاء وناشطين دينيين من إصفهان:
من يتحمّل مشقة العمل لأهل البيت سلام الله عليهم يَنَلْ رعاية الله سبحانه وحفظه

قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة يوم السبت السادس من شهر جمادى الأولى 1427 للهجرة جمع من الفضلاء والناشطين في المجال الديني من محافظة إصفهان، وألقى سماحته فيهم كلمة قيّمة قال فيها:
كان السيد محمد باقر الحجّة الطباطبائي _ المتوفّى عام 1331 للهجرة _ من العلماء الكبار في عصره، وهو من ذرية صاحب الرياض. ذهب في شبابه مع أبيه ذات مرّة إلى زيارة الإمامين الجوادين سلام الله عليهما في مدينة الكاظمية المقدسة. وعند وصولهما حضر عندهما الكثير من العلماء والشخصيات الدينية من بغداد والكاظمية، وأخبروهما أن أحد علماء العامّة يكيل التهم والافتراءات على الشيعة. وفي ذلك الزمان كانت البلاد الإسلامية _ عدا إيران _ خاضعة للحكم العثماني، وكان ذلك العالِم يحظى بمكانة عند السلطان العثماني عبد الحميد، وكان قد أعطى للأخير صورة مشوّهة عن الشيعة، منها أنهم مشركون، ويسبّون ويلعنون الخلفاء الثلاث والصحابة وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله. فعزم عبد الحميد إثر هذه الوشاية أن يجمع الشيعة كافة في كل مدينة ويطلب منهم أن يتشهدوا الشهادتين أمام الناس.
فطلب علماء بغداد والكاظمية من والد السيد محمد باقر أن يردّ على شبهات وافتراءات ذلك العالم العامّي. فقبل، وأوكل أمر ذلك إلى ولده. فردّ السيد محمد باقر على تلك التهم والافتراءات أن نظّم منظومة شعرية رائعة تألّفت من خمس مائة بيت. وكان طلاب العلوم الدينية في ذلك الوقت يحفظون كل أو بعض أبيات هذه المنظومة، وقد حفظ المرحوم أخي أعلى الله درجاته أبياتها كلّها. ويمكن القول أن هذه المنظومة هي دورة عقائدية كاملة عن أصول الشيعة مع أخذ أصل التقية بنظر الاعتبار.
وسمّى السيد محمد باقر منظومته هذه ب «الشهاب الثاقب»، وأرسلها إلى السلطان العثماني عبد الحميد. فنالت إعجاب الأخير وجعلته أن يصرف النظر عمّا كان قد عزم على فعله. بعبارة إن هذه المنظومة دفعت عن الشيعة مصيبة كبرى وأنقذت حياة الآلاف منهم.
وأردف سماحته: إن للسيد محمد باقر قصّة معبّرة مع مولاتنا الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء سلام الله عليها، نقلها والدي قدّس سره بواسطة شخص، وهي:
قال السيد محمد باقر: عندما كنت أكتب أبيات هذه المنظومة أصابتني الحيرة في أنه ماذا أكتب عن أصل الإمامة وعن أعداء الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه بحيث لا أخالف الحقّ، وفي الوقت نفسه لا استفزّ السلطان العثماني.فمثلاً فكّرت ماذا أكتب عن عائشة بحيث ترضى مولاتي الزهراء سلام الله عليها عنّي ولا أثير حفيظة عبد الحميد العثماني. لأن ناصبي العداء لأهل البيت سلام الله عليهم كانوا قد أشاعوا أن الشيعة يسبّون عائشة فيجب قتلهم. وفي إحدى الليالي خطر على بالي البيت الشعري التالي:
أي أمّ إني وأبيك لأبي من أن أسبّ زوج جدّنا النبيّ
فكتبته وتصوّرت بأني قد أكملت عملاً أدبياً رائعاً، ولكن في الليلة ذاتها رأيت مولاتي الزهراء سلام الله عليها في عالم الرؤيا وقالت لي: أيّ شيء أدّته لك عائشة حتى وصفتها بالأمّ؟!
فاستيقظت من نومي وغيّرت البيت بهذه الكلمات:
فيا حميرا سبّك محرّمٌ لأجل عينٍ ألفَ عينٍ تُكرَمُ
وعقّب سماحة السيد الشيرازي حفظه الله قائلاً:
إن مولاتنا الزهراء سلام الله عليها طلبت من السيد محمد باقر أن لا يخاطب عائشة بالأمّ، ولعله لا أثر سلبي لوجود هذه الكلمة أو عدمها، لكن في الحقيقة أن سيدتنا فاطمة سلام الله عليها أرادت بذلك أن تعلّمنا الدّقة وإمعان النظر في كل شيء، حتى فيما نكتب.
وشدّد سماحته بالقول مخاطباً الضيوف: أنتم تقومون بمساع كبيرة في مجال خدمة أهل البيت سلام الله عليهم فكرياً وماديّاً وحتى بدنيّاً، وهذه المساعي لها الأثر البالغ في تزكية النفس وإنمائها وتهذيبها من الرذائل، وما تتحمّلونه من الصعاب والمشاق في هذا الطريق فهي محفوظة عند الله تبارك وتعالى، وستكون سبباً لرعايته سبحانه لكم.
وأكّد دام ظله: لقد وعد أهل البيت سلام الله عليهم ومولانا المفدّى الحجّة بن الحسن عجّل الله تعالى فرجه الشربف أن يرعوا ويحفظوا من يقوم بخدمتهم. ولكن علينا أن لانتوقع أن العمل في هذا الطريق سهل وخال من المشاكل والعراقيل والصعوبات. فالدنيا دار امتحان وبلاء والجميع معرّضون للامتحان فيها.