سماحة السيد دام ظله مخاطباً أعضاء المواكب
الحسينية من مدينة الحلّة:
الشدّة التي يمرّ بها العراق اليوم هي فقاعات ستزول
ببركة أهل البيت سلام الله عليهم
 |
قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى
السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم
بمدينة قم المقدسة في يوم السبت التاسع والعشرين من
شهر ربيع الثاني 1427 للهجرة جمع من الإخوة العراقيين،
الأعضاء في الهيئات والمواكب الحسينية من مدينة
الحلّة، وألقى سماحته فيهم كلمة قيّمة قال فيها:
أسأل الله تعالى أن يتفضّل على الجميع بقبول الطاعات
والعبادات، والخدمات في سبيل الله وفي سبيل أهل البيت
سلام الله عليهم، وأن يرعى سيدنا ومولانا بقية الله
الإمام المهدي الموعود عجّل الله تعالى فرجه الشريف
وصلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين الجميع برعايته،
وأن تكون كريمة أهل البيت فاطمة المعصومة سلام الله
عليها شفيعة لحوائج الدنيا والآخرة، لنا ولكم جميعاً.
العراق اليوم هو عراق مظلوم وجريح ومهشّم، وسبب كل ذلك
هي العقود السوداء التي مرّت عليه وعلى شعبه الأبي،
والكريم، والغيور على دينه وأخلاقه وفضيلته. ولكن الله
تعالى جعل مع العسر يسراً كما في قوله عزّ من قائل:
«سيجعل الله بعد عُسر يُسراً»(1) وقوله: «فإنّ مع العُسر
يسراً، إنّ مع العُسر يسراً»(2) . وقد ذكر المحدث الجليل
الشيخ الحويزي في تفسيره (نور الثقلين) حول هذه الآية
قوله:
(وعن الحسن قال: خرج النبي صلى الله عليه وآله مسروراً
فرحاً وهو يضحك ويقول: لن يغلب عسر يسرين «فإن مع
العسر يسراً إن مع العسر يسراً». قال الفراء: إن العرب
يقول إذا ذكرت نكرة ثم أعدتها نكرة مثلها صارتا
اثنتين، كقولك إذا كسبت درهماً فانفق درهماً، فالثاني
غير الأول، وإذا أعدتها معرفة فهي كقولك: إذا اكتسبت
درهماً فانفق الدرهم، فالثاني هو الأول، ونحو هذا ما
قاله الزجاج أنه ذكر العسر مع الألف واللام، ثم ثنى
ذكره فصار المعنى إن مع العسر يسرين)(3).
وأردف سماحته: فما هذه الشدائد والمرارات والآلام التي
يمر بها العراق إلا فقاعات ستزول إن شاء الله تعالى،
وذلك ببركة أمير المؤمنين وأهل البيت سلام الله عليهم،
وسيقبل العراق على خير ورفاه وسلامة وأمن وراحة،
وسيكون ذلك إن شاء الله تعالى، فالقرآن الكريم يقول:
«فأمّا الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في
الأرض»(4) .
ثم خاطب سماحته الحاضرين وقال:
إن عراق الغد هو عراق أمير المؤمنين وعراق الإمام
الحسين والإمامين الكاظمين والإمامين العسكريين وأبي
الفضل العباس سلام الله عليهم أجمعين، وعراق الإمام
المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف وصلوات الله عليه
وعلى آبائه الطاهرين، فينبغي للإخوة والأخوات جميعاً
أن يهتمّوا للعمل بأمرين، كلٌّ في مجاله ومنطقته وحسب
قدرته:
الأول: إزالة حالات التهشّم والتفكّك والتبعثر
والاختلاف والصراع والنزاع التي خلّفتها العقود
السوداء الماضية، وذلك بلملمة الشعب بطبقاته كافة،
ولملمة العشائر والأقارب والأصدقاء والمؤمنين وطلبة
الجامعات والمدارس و... فيكفي المظالم التي وردت على
هذا الشعب الأبي والغيور قرابة خمس وثلاثين سنة. وهذه
مسألة مهمة جداً، ينبغي للجميع ـ رجالاً ونساءً ـ أن
يهتموا بها قولاً وعملاً، وإذا اهتمّ الكلّ بذلك زال
التهشّم والتفكك والنزاع، إن شاء الله تعالى.
الثاني: تعميم ثقافة أهل البيت سلام الله عليهم على
أفراد الشعب كافّة. فالذين عاشوا قبل هذه العقود
السوداء يعرفون ـ والحمد لله ـ ثقافة أهل البيت، أما
الشباب الذين نشأوا وولدوا في هذه العقود السوداء فلا
يعرفون الكثير عنها، وهم بحاجة إلى من يهتمّ بهم ويعمل
على اغتنام الفرص وجمع الفلول والتركيز لتعميم هذه
الثقافة على هذا البلد الجريح الذي هو بلد أهل البيت
سلام الله عليهم.
وشدّد سماحته قائلاً:
إنّ ثقافة أهل البيت سلام الله
عليهم هي الثقافة التي قُتل من أجلها الإمام الحسين
سلام الله عليه، وضحّى بنفسه الغالية وبأبي الفضل
العباس وبعليّ الأكبر وبالقاسم بن الحسن والبقية من
أهل بيته الأطهار وأصحابه الكرام سلام الله عليهم
أجمعين، لكي يتعلّم الناس طريق الله سبحانه وطريق أهل
البيت سلام الله عليهم.
وأضاف سماحته: نقرأ في الزيارة التي قرأها الإمام
الصادق سلام الله عليه أمام قبر جدّه الحسين سلام الله
عليه وهو يخاطب الله تعالى: «وبذل مهجته فيك ليستنقذ
عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة والشك والعمى
والارتياب» (5). فالإمام الحسين سلام الله عليه لم يكن
هدفه من تضحيته العظيمة أن تزوره الملايين، أو أن تكون
تربته مسجداً للصلاة ومصدراً للشفاء، أو أن يجعل الله
سبحانه الأئمة من ذريته، أو أن تقام له الملايين
والملايين من مجالس العزاء في البراري والبحار وفي
السماوات بل وفي الجنة أيضاً. فإن كلّ ذلك هو كرامة
ومنحة من الله سبحانه.
لقد كان للإمام الحسين سلام الله عليه هدف واحد وهو أن
يعرف الناس جميعاً طريق الهدى ويسلكونه. فهو سلام الله
عليه فتح هذا الطريق الأشرف من كل شريف والأغلى من كل
غال، فينبغي للجميع رجلاً وامرأة، وشاباً وشيخاً،
وعالماً وجاهلاً، وكاسباً وموظّفاً، وغنياً وفقيراً،
كل في مجاله ومستواه أن يهتموا في سلوك وإنجاز ما
لأجله ضحى الإمام الحسين سلام الله عليه، بتعميم ثقافة
أهل البيت سلام الله عليهم على العراق كلّه وذلك
بتعلّم أصول الدين وأحكام الإسلام وأخلاقه وآدابه
وتعليم الآخرين بما يمكن وعبر مختلف الوسائل كالخطابة
والتأليف والتدريس والمجالس وبأشرطة الكاسيت والأقراص
والانترنت وما شابه ذلك، حتى يكون العراق في المستقبل
القريب إن شاء الله تعالى عراق أمن وعراق أهل البيت
سلام الله عليهم أجمعين.
وأكد دام ظله: باسم الإمام الحسين سلام الله عليه أسلم
الكثير من المشركين على طول التاريخ، وببركته أسلم أو
استبصر الآلاف بل الملايين من غير المسلمين من النصارى
واليهود وعبّاد الشمس و... وصاروا من الموالين
والمحبّين لأهل البيت، وأسماء كثير من شخصياتهم مدوّنة
في التاريخ.
فالحسين سلام الله عليه ضحّى لأجل أن يكون كلّ إنسان
فرداً مؤمناً، وخيّراً. فيجب على كل واحد بما أوتي من
طاقة وحول أن يعمل في تعميم الثقافة التي فدى الحسين
سلام الله عليه نفسه الطاهرة لأجلها، فإن في ذلك
سروراً لقلب مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله
ولقلب مولانا أمير المؤمنين ومولاتنا فاطمة الزهراء
والأئمة الأطهار سلام الله عليهم أجمعين، ولقلب سيدنا
ومولانا بقية الله الأعظم عجّل الله تعالى فرجه الشريف
وصلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين.
أسأل الله سبحانه تعالى أن يوفقنا جميعاً لنيل رضا
الله عزّ وجلّ ورضا مولانا الحسين سلام الله عليه.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.