سماحة السيد المرجع حفظه الله مخاطباً طالبات حوزة
الزهراء سلام الله عليها:
إقامة الدين مسؤولية جماعية
زار سماحةَ آية الله العظمى السيد صادق الحسيني
الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة
في يوم الاثنين الخامس من صفر (1427هـ) جمعٌ من طالبات
حوزة الزهراء سلام الله عليها العلمية واستمعن إلى
توجيهاته القيّمة.
بدأ سماحته كلامه بتلاوة الآيتين الشريفتين: «أقيموا
الدين ولا تتفرقوا فيه»(1)، و«إنّ الدين عند
الله الإسلام»(2) وقال: من إجراء مقارنة بين هاتين
الآيتين المباركتين نستنتج أن الله تعالى أمرنا أن
نفعل ما من شأنه إقامة الإسلام. ومن الواضح أنّ إقامة
الإسلام تشبه إقامة عمارة أو بنيان؛ لأن الإسلام ثقافة
ومجموعة من الأخلاق والعقائد والقيم والأحكام والآداب
المختلفة في حياة الإنسان، وطائفة من الأوامر الفردية
والإجتماعية والعبادية والسياسية والاقتصادية و...
والمقصود من إقامة الدين هو أن يكون بحيث يلتزم به
جميع الناس كباراً وصغاراً؛ رجالاً ونساءً وأن يعملوا
بأحكامه. فإقامة الدين أعمّ من فهمه، وهي تتطلب
الإيمان والالتزام بعقائد الدين وتطبيق أحكامه جميعاً.
وأضاف سماحته: إن إقامة الدين تتطلب مقدمات
عدّة أحدها تعلّم العلوم الإسلامية وكذلك العلوم
المتعلقة بها من قبيل تعلّم اللغة العربية والبلاغة.
وبعبارة: العلوم المعروفة بالعلوم الدينية أو
الحوزوية. فالمتظلع بالعلوم الإسلامية يمكنه أن يدخل
المناظرة مع أصحاب الديانات الأخرى وخاصة
علمائهم، فيهديهم إلى مذهب أهل البيت سلام الله عليهم
أو أن يثبت لهم ـ على الأقلّ ـ بطلان عقائدهم ويتمّ
الحجّة عليهم.
وأكّد سماحته: شاء الله تعالى أن يختار أهل
الحق والهدى طريق الهداية والصلاح عن علم ووعي، وأن
يعي أهل الباطل أيضاً بطلان عقائدهم، وأن يختاروا
الطريق عن علم وبعد إتمام الحجّة عليهم؛ قال الله
تعالى: «ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيا من حيّ عن
بيّنة»(3).
ثم أشار سماحته إلى حجم النشاطات المعادية لمذهب
أهل البيت سلام الله عليهم وقال: سألت أحد الفضلاء
الذين يعيشون في إحدى الدول عمّا يقال من أن تلك
الدولة قد أعدّت مليون ومئتي ألف كادر متعلّم لتبليغ
مذهبهم الباطل؟ فقال: هذه الإحصائية تعود إلى ما قبل
عدة سنوات سابقة من الآن. أما الآن فقد بلغ عددهم
مليون وخمسمائة ألف تشكّل النساء أكثر من مئة ألف
منهم، وكلّهم منحرفون عن مذهب أهل البيت سلام الله
عليهم.
ولكي ننجح في مواجهة هذا المدّ السلبي لاشك أنه يجب أن
يكون للشيعة أيضاً طاقات متعلّمة وكفوءة، ومقدمة ذلك
هو تعلّم العلوم الإسلامية.
وتابع سماحته حديثه بالقول: إنّنا لا نعرف
عالماً شيعياً ترك مذهب أهل البيت واختار مذهباً آخر،
في حين إنّا نعرف الآلاف من علماء المذاهب الأخرى وبعد
عمرٍ من الاتكاء على مسند التدريس والفتيا، استبصروا
وتحوّلوا إلى مذهب التشيّع. وبعضهم حدث عنده هذا
التحوّل الروحي المبارك بعد أن ناهز السبعين أو
الثمانين من العمر.
وقال سماحته: من المسلّم أن الإنسان ما لم يكن
عالماً لا يمكنه أن يناظر عالماً من مذهب آخر وأن
يهديه إلى الصراط المستقيم.
وأشار إلى بعض مناظرات علماء الشيعة مع علماء الأديان
والمذاهب الأخرى، ومنها مناظرة السيد محمد باقر
القزويني مع علماء اليهود في مدينة ذي الكفل ـ في
العراق ـ قبل حوالي مئة وخمسين سنة انتهت إلى اهتداء
ذلك العالم اليهودي إلى نور الإسلام والتشيع، وكان
شيخاً كبير السن.
وأضاف: كما توجد في عالم السلع والاقتصاد
والتعاملات التجارية ظاهرة باسم «الغش»، وتعرض سلع
مزوّرة بدل السلع الأصليّة، فكذلك الحال في سوق العلم
أيضاً، فما أكثر الحالات التي تزيّف فيها الحقائق
ويلبس فيها الباطل لبوس الحق، وتحلّ المغالطة ـ وهي
الاستدلال الباطل الذي يظهر بمظهر الحق ـ محل البرهان
والاستدلال الحقيقي.
وكما أن أهل الخبرة فقط هم الذين يستطيعون تمييز
العقيق والياقوت والأحجار الكريمة الأخرى عن غيرها من
الأحجار العادية، فكذلك العلماء الدارسون والضالعون
فقط يمكنهم أن يفرّقوا في سوق العلم بين الحق والباطل،
ويميزوا الخبيث من الطيب، والمغشوش والمزيف من النقي
والأصيل.
ثم قال سماحته: إن الخسارة والغش في سوق المعنى
أعظم بكثير من الخسارة في الأمور المادية.
فلو أنّ أحداً اشترى ـ بدل العقيق ـ حجرة لا قيمة لها
بثمن غال جداً من دون استشارة أهل الخبرة بالأحجار
فإنه سيخسر مبلغاً كبيراً من أمواله فقط، أما من ابتلي
بالمغالطات المضللة فإنه سيخسر دنياه وآخرته.
وصاحب العلم الكافي لا يقتصر ربحه على نفسه وكونه لا
يغبن في سوق العلم، بل يحول دون ضلال الآخرين أيضاً.
كما أشار سماحته إلى كثرة الخرافات الموجودة في
الأديان غير السماوية، وق
ال:
ستواجهون في المستقبل مغالطات مختلفة تحتاجون للإجابة
عليها إلى القدرة العلمية الكافية. يجب عليكم أن
تطلبوا العلم عدة سنين وتتباحثوا فيما بينكم وتعزّزوا
من قدراتكم العلمية لئلا تشعروا بالعجز إزاء أية
مغالطة قد تواجهكم ولكي تجيبوا على الشبهات بأسلوب
علمي صحيح. ففي هذه الصورة وحدها توفّقون في نشر
الإسلام وإقامة الدين.
وعاد سماحته إلى الآية الكريمة التي افتتح بها
الحديث فقال: إن عبارة «أقيموا الدين» أمر،
والأمر يفيد الوجوب أي يجب إقامة الدين. كما أن الله
تعالى لم يقل أقيموا الدين في الحجاز أو ايران أو في
مكان آخر، ما يعني أن في الآية إطلاقاً، وهذا يعني
وجوب إقامة الدين في كل مكان من العالم.
وشدد دام ظله قائلاً: من هنا يجب على كلّ إنسان
أن يعمل حسب طاقته من أجل إقامة الدين في كلّ مكان.
وهذا الواجب لا يقتصر على الرجال وحدهم، فالرجال
والنساء فيه سواء، والمسؤولية مشتركة، فإنّ الأمر
القرآني يشمل الرجال والنساء معاً. وما أكثر النساء
اللواتي وقفن ـ عبر التاريخ ـ في وجه الشبهات
والمغالطات ودافعن عن مدرسة أهل البيت صلوات الله
عليهم وحمين المبادئ والمقدسات. ومن هنا فإنني أبارك
لكنّ ما تنهضن به من تدريس العلوم الدينية وإعداد جيل
قادر على الدفاع عن العقائد الحقّة وأتمنى لكنّ
التوفيق.