مع باقر العلم سلام الله عليه في ذكرى إستشهاده
اسمه الشريفمحمد نسبه الوضّاحبن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. كنيته سلام الله عليهأبو جعفر (الأول) ألقابه الكريمة
الباقر الشاكر، الهادي، الأمين، وأشهر ألقابه سلام الله عليه الباقر، وقد لقّبه رسول الله صلى الله عليه وآله به كما جاء عن الصحابي الجليل جابر بن عبد الله رضوان الله تعالى عليه حيث قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: الباقر لغة:
الموسِّع والناشر. فهو سلام الله عليه باقر العلم أي موسِّعه وناشره، وقد عُرف بذلك لكثرة ما ظهر منه وانتشر عنه من العلوم والمعارف.
وقال ابن حجر في الصواعق المحرقة مع كثرة عناده ونصبه لأهل البيت سلام الله عليهم: «أبو جعفر محمد الباقر سُمّي بذلك من بقر الأرض. أي شقّها وآثار مخبآتها ومكامنها، فلذلك هو أظهر من مخبئات كنوز المعارف وحقائق الأحكام واللطائف ما لا يخفى إلاّ على منطمس البصيرة، أو فاسد الطويّة والسريرة، ومن ثم قيل هو باقر العلم وجامعه وشاهر علمه ورافعه). أمّه سلام الله عليها
هي السيدة الماجدة الحسيبة النسيبة فاطمة بنت الإمام الحسن السبط سلام الله عليه.
وقال صاحب المناقب ولادتهولد سلام الله عليه في غرّة رجب لعام 57 هجرية بالمدينة المنوّرة وكان سلام الله عليه حاضراً في واقعة كربلاء الأليمة وعمره أربع سنين. مدة إمامته22 سنة. النص على إمامتهعن مالك بن أعين الجهني قال: أوصى علي بن الحسين سلام الله عليه ابنه محمد بن علي سلام الله عليه فقال: «بُني إنّي جعلتك خليفتي من بعدي لا يدَّعي فيما بيني وبينك أحد إلاّ قلّده الله يوم القيامة طوقاً من نار، فاحمد الله على ذلك واشكره، يا بُنيّ اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك، فإنه لا تزول نعمة إذا شكرت، ولا بقاء لها إذا كفرت، والشاكر بشكره أسعد منه بالنعمة التي وجب عليها به الشكر...». من مناقبهجاء عن جابر بن يزيد الجُعفي أنه قال: ... ولقد حدّثني جابر بن عبد الله الأنصاري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «يا جابر إنك ستبقى حتى تلقى ولدي محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف في التوراة بباقر، فإذا لقيته فاقرأه منّي السلام». فلقيه جابر بن عبد الله الأنصاري في بعض سكك المدينة، فقال له: يا غلام من أنت؟ قال: «أنا محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب». من أخلاقه الكريمة سلام الله عليهكان أبو جعفر محمد الباقر سلام الله عليه كثير الصلاة والصيام والحج إلى بيت الله الحرام وكان صلى الله عليه وآله أسخى الناس كفّاً وأكثرهم كرماً وجوداً وصدقة، واسع البرّ والإحسان، كثير العطاء والإنفاق في سبيل الله. رغم توسط حالته المادّية وكثرة عياله. لا رهبانية في الإسلامكان سلام الله عليه يعمل بيده في الأرض لإحيائها ويشرف بنفسه على الضيعة لإصلاحها وصيانتها. وبهذه المناسبة يروى عن محمد بن المنكدر وهو من أقطاب الصوفية في عصر الإمام الباقر سلام الله عليه أنه قال: ما كنت أرى مثل علي بن الحسين سلام الله عليهما يدع خلفاً، لفضل علي بن الحسين سلام الله عليهما حتى رأيت ابنه محمد بن علي فأردت أنه أعظه فوعظني فقال له أصحابه: بأي شيء وعظك؟ قال: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارة فلقيت محمد بن علي سلام الله عليهما وكان رجلاً بديناً وهو متكيء على غلامين له أسودين أو موليين له، فقلت في نفسي: شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا لأعظنّه، فدنوت منه فسلّمت عليه فسلّم عليّ بنهر وقد تصبب عرقاً. فقلت: أصلحك الله شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا لو جاءك الموت وأنت على هذه الحال، قال: فخلّي عن الغلامين من يده ثم تساند وقال: لو جاءني والله الموت وأنا في هذه الحال جاءني وأنا في طاعة من طاعات الله أكفّ بها نفسي عنك وعن الناس وانما كنت أخاف الموت لو جاءني وأنا على معصية من معاصي الله، فقلت: يرحمك الله أردت أن أعظك فوعظتني. أقول: إن الإمام الباقر سلام الله عليه قال لإبن المنكدر ذلك لأن
الصوفية يرون العبادة في الصلاة والصوم والذكر والرياضات الروحية مع
ترك العمل والكسب والأشغال الدنيوية الأخرى فهم عالة على المجتمع
يأكلون ولا يعملون، ويأخذون منه ولا يعطون. وفي ذلك قال النبي الأكرم
صلى الله عليه وآله: من كرمه سلام الله عليهروى الشيخ المفيد رضوان الله تعالى عليه عن الحسن بن كثير قال: شكوت إلى أبي جعفر محمد بن علي سلام الله عليهما الحاجة وجفاء
الإخوان. فقال: «بئس الأخ أخ يرعاك غنياً ويقطعك فقيراً» ثم أمر غلامه
فأخرج كيساً فيه سبعمائة درهم وقال: «استنفق هذه فإذا نفدت فاعلمني». العصر العلمي في عهده سلام الله عليهكان عصر الإمام سلام الله عليه يمثل الوجود العلمي لمدرسة أهل البيت سلام الله عليهم بكل ما تمثله الكلمة من معاني. فقد كان الإمام الخامس سلام الله عليه منهلاً لجميع المسلمين على اختلاف توجهاتهم الفكرية والتأريخية. وحتى أن الذين اختطوا لأنفسهم طريقاً جديداً بل غريباً عن روح الإسلام في الاستنباط والقياس وساروا على طريق موالاة ومداهنة السلطة الظالمة، استفادوا من فكر الإمام الباقر سلام الله عليه وأحاديثه الشرعية المتصلة بالسند الصحيح بجده رسول الله صلى الله عليه وآله. فـ «سفيان بن عُيينة» (ت 198 هـ) المشهور بمحدث مكة، و«أبو حنيفة» (ت 159 هـ) رائد مدرسة القياس التي حرمها أئمة أهل البيت سلام الله عليهم، و«سفيان الثوري» (ت 161 هـ)، انتهلوا كلهم من علوم الباقر سلام الله عليه بما ينفع مقاصدهم. وبكلمة، فإن الإمام سلام الله عليه كان رافداً عظيماً للعلم النبوي الشريف وعلوم التفسير وبيان الأحكام. وكان أيضاً صمام الأمان لفحص الانحرافات الشرعية وفضحها أمام الملاء بكل ما أوتي من قدرة بالغة في البيان والخطاب التكليفي المُلزم للافراد. أما عُشّاق الولاية وخط الإسلام الأصيل كـ «أبان بن تغلب» (ت 141 هـ)، و «زرارة بن أعين» (ت 150 هـ)، و «محمد بن مسلم» (ت 150 هـ) فقد كانوا درعاً حصيناً لصيانة أحاديث محمد بن علي سلام الله عليه من مطبّات التزوير والتلفيق التي كانت السلطة الأموية جاهدة في ممارستها. وقد كان من ثمرات محافظتهم على تراث الإمام سلام الله عليه الفكري، أن وصل إلينا تراث أهل بيت النبوة سلام الله عليه بأمانة عبر الأجيال المتعاقبة. وقد كان الإمام الباقر سلام الله عليه صريحاً في إعلان مهمته الشرعية في الحفاظ على الرسالة السماوية من خلال عرض نصوص في توضيح الأحكام والتفسير ونقل الأحاديث النبوية التي حاولت السلطات السياسية تحريفها. فكان له دور تأريخي على صعيد ربط زمان النبي صلى الله عليه وآله بالأزمان المتعاقبة بجسر من النصوص الشرعية التي تستطيع معالجة جميع مشاكل الحياة الإنسانية على وجه الأرض. فالإمام سلام الله عليه يخاطب أصحابه بالقول: «... انظروا أمرنا وما جاءكم عنا، فإن وجدتموه للقرآن موافقاً فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقاً فردوه، وإن اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده وردوه إلينا حتى نشرح لكم من ذلك ما شُرِحَ لنا...». وهذا النص يعكس مركزية القرآن المجيد في الأحكام الشرعية التي جاءت بها العترة الطاهرة. ويعكس أيضاً فكرة مفادها أن الدور الشرعي للعترة الذي صمّمه لها الخالق عز وجل إنما يصبّ في إطار التفاعل مع الكتاب المجيد وإدراك معانيه الواقعية في الخلق والتكوين والبعث والإنشاء والعدالة الاجتماعية وتوزيع الحقوق وفرض الواجبات الشرعية على الأفراد. فلا ريب أن نرى التلازم العقلي والشرعي بين القرآن الكريم والعترة المطهرة قائماً منذ بيعة الغدير وسيبقى قائماً ما دام البشر يعيشون على وجه هذه الأرض. ولم يكن الجانب العلمي للإمام الباقر سلام الله عليه نظرياً بحتاً،
بل كان – في الواقع – أخلاقياً تربوياً بالإضافة إلى نزعته الإلزامية
التكليفية. فقد كانت أفكاره الفقهية التي تعبّر عن روح النص الشرعي،
تنزع نحو التربية الأخلاقية وبناء الإلزام الذاتي عند الفرد. خصوصاً
فيما يتعلق بتربية الذات كطلب العلم، والإيمان، والولاية، والصبر،
والعفو، والرفق، والتواضع، والأخوة ونحوها من الصفات الأخلاقية التي
تساهم بشكل حاسم وفعال في بناء ذات المؤمن على النقاء والطهارة والفهم
النفسي الداخلي للأشياء الخارجية. إحتجاجه سلام الله عليه مع نافعجاء في روضة الكافي بسنده عن أبي الربيع قال: حججنا مع أبي جعفر الباقر سلام الله عليه في السنة التي حج فيها هشام بن عبد الملك وكان معه نافع مولى عمر بن الخطاب فنظر نافع إلى أبي جعفر سلام الله عليه في ركن البيت وقد اجتمع عليه الناس فقال نافع لهشام من هذا الذي قد تداك عليه الناس فقال له هشام: هذا نبي أهل العراق محمد بن علي بن الحسين سلام الله عليه فقال نافع لأسألنه عن مسائل لا يجيب عنها إلا نبي أو وصي نبي. فقال هشام اذهب وأسأله لعلك تخجله. فجاء نافع حتى اتكأ على الناس وأشرف على أبي جعفر سلام الله عليه وقال يا محمد بن علي... أخبرني عن قول الله تعالى «أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهم». فما معنى هذا الرتق والفتق. فقال الباقر سلام الله عليه أن الله سبحانه لما أهبط آدم إلى الأرض كانت السماء رتقاً. أي لا تنزل المطر وكانت الأرض رتقاً. أي لا تنبت شيئاً فلما تاب الله على آدم فتق السماء بالمطر وفتق الأرض بالنبات والزرع. فقال نافع صدقت يا أبا جعفر. وأخيراً قال نافع بقيت عندي مسألة فقال الباقر سلام الله عليه وما هي؟ فقال نافع أخبرني عن الله سبحانه متى كان؟ أي متى وجد؟ فقال الباقر سلام الله عليه ويلك ومتى لم يكن حتى أخبرك متى كان. ان الله أزلي أبدي لم يزل ولا يزال فرداً صمداً لم يلد ولم يولد ولم يتخذ صاحبة ولم يكن له شريك ولا شبيه. ثم قال له الإمام الباقر سلام الله عليه يا نافع ما تقول في أهل النهروان قتلوا على حق أم على باطل؟ فان قلت قتلوا على باطل فقد إرتددت عن مذهبك وإن قلت قتلوا على حق فقد كفرت. فسكت نافع وانصرف عنه وهو يقول أنت والله أعلم الناس حقاً حقاً. ثم أتى إلى هشام فقال له هشام ما صنعت يا نافع؟ قال دعني من كلامك هذا والله أعلم الناس حقاً وهو ابن رسول الله صلى الله عليه وآله حقاً ويحقّ لأصحابه أن يتخذوه نبياً. أهل البيت سلام الله عليهم في كلام الإمامجاء عن الإمام الباقر سلام الله عليه روايات كثيرة ذكر فيها صفات أئمة أهل البيت سلام الله عليهم ومنزلتهم وسمو درجتهم وعِظم قدرهم ومنها: «ما ينقم الناس منّا إلا إنّا أهل بيت الرحمة، وشجرة النبوة، وموضع
الملائكة ومعدن الحكمة ومهبط الوحي». من كلماته«إنما شيعة علي سلام الله عليه المتباذلون في ولايتنا المتحابّون في مودتنا المتزاورون لإحياء أمرنا الذين إذا غضبوا لم يظلموا وإذا رضوا لم يسرفوا، بركة على من جاوروا وسلم لمن خالطوا». «ما شيعتنا إلاّ من اتقى الله وأطاعه وما كانوا يعرفون إلا بالتواضع والتخشع وأداء الأمانة والبر بالوالدين وتعهد الجيران وصدق الحديث وكفّ الألسن عن الناس إلا من خير وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء». «من لم يجعل الله له من نفسه واعظاً فإن مواعظ الناس لن تغني عنه
شيئاً». في إستشهادهلما تولى الملك هشام بن عبد الملك بن مروان (الأموي) أرسل على الإمام محمد الباقر سلام الله عليه فأشخصه مع ابنه الإمام جعفر الصادق سلام الله عليه إلى دمشق بقصد إيذائه وإهانته والحط من مقامه ومكانته السامية في نفوس الناس ولكن فشل في ذلك ظنه ونتج عكس مراده وقصده وذلك بما ظهر لأهل الشام من علم الإمام الباقر وفضله وكراماته سواء في مجلس هشام حيث مارس سلام الله عليه الرماية مع القوم فأصاب الهدف بتسع سهام متتالية أدخل بعضها جوف بعض الأمر الذي أثار إعجاب الحاضرين وأدهش هشام لذلك حتى صاح أحسنت يا أبا جعفر أنت والله أرمى العرب والعجم ولا أظن أن أحداً في العالم يرمي مثل هذا الرمي وان قريشاً لتفتخر بك على العرب ما دمت فيهم... ثم قال يا أبا جعفر في كم ومتى تعلمت هذا الرمي فقال الباقر سلام الله عليه: «كنت أتعاهده أيام صباي في المدينة وقد تركته منذ زمن بعيد» فقال هشام وهل يرمي ابنك جعفر مثل هذا الرمي فقال الباقر سلام الله عليه: «نعم إنا أهل بيت نتوارث الكمال». أو في خارج المجلس حيث اجتمع سلام الله عليه بأكبر علماء النصارى في الشام وأجابه عن مسائل وجهها إليه فأعجب النصارى بعلم الإمام الباقر سلام الله عليه ودخل بعضهم في الإسلام. الأمر الذي أفزع هشاماً وخاف أن يفتتن بحبه أهل الشام فأمر باعادته فوراً إلى المدينة وقيل أمر بحبسه في الشام ولما علم بافتتان السجناء بحبّه وقولهم بإمامته أخرجه من السجن وردّه إلى المدينة. وصار يفكر في القضاء عليه إلى أن دس لعنة الله عليه للإمام سلام الله عليه السم على يد أحد عملائه وكان السم في سرج قدّم إلى الباقر سلام الله عليه كهديّة فأسرج به للإمام سلام الله عليه وركب عليه فلما نزل أحسّ بأثر السم في جسده ونفذ إلى جوفه وبقي أياماً يعاني آلام السم والمرض إلى أن استشهد سلام الله عليه يوم السابع من شهر ذي الحجة الحرام عام مئة وسبعة عشر هجرية. وعند الاحتضار أوصى إمامنا الباقر سلام الله عليه إلى ابنه الإمام الصادق سلام الله عليه وطلب منه أن يقيم له مأتماً في كل عام أيام موسم الحج في مِنى ولمدة عشر سنين. وأوصاه أيضاً أن يسرج ضياءً بمكان الجسد بعد الدفن. ودفن سلام الله عليه في البقيع عند قبر أبيه الإمام زين العابدين سلام الله عليه. «السلام عليك يا باقر علم النبيين، السلام عليك يا امام الهدى وقائد أهل التقوى، السلام عليك يا مستودع حكمة الله، السلام عليك يابن رسول الله ورحمة الله وبركاته، ولعنة الله الدائمة على من غصب حقكم، وآذاكم وظلمكم». إعداد: الموقع
المصادر:
1. المنتخب الحسني للأدعية والزيارات. 2. الإرشاد / للشيخ المفيد رضوان الله تعالى عليه 3. أصول الكافي / للشيخ الكليني رضوان الله تعالى عليه / ج 2 4. بحار الأنوار / للعلامة المجلسي قدس سره / المجلد 46 5. إعلام الورى / للشيخ الطبرسي قدس سره 6. دلائل الإمامة / للشيخ الطبري قدس سره 7. مناقب آل أـبي طالب / لابن شهر آشوب رحمه الله / الجزء 4 8. منتهى الآمال / للشيخ عباس القمي رحمه الله / ج 2 9. في رحاب محمد وأهل بيته / للشيخ عبد الوهاب الكاشي رحمه الله. الباقر محمد / حسن الشاكري / ج 8 |