تأملات في النهج التربوي عند الإمام الصادق سلام الله عليه
بعد أحداث عاشوراء الأليمة وما جرى على آل الرسول سلام الله عليهم
من مآسٍ مرَوِّعة، فرغت الساحة من الصفوة الأنصار، ولوحظ بكل وضوح قلة
الحواريين والموالين ممن يُعتمد عليهم في تبليغ التشيّع، وإيصال صوته
إلى الناس.
وكما ينقل لنا التأريخ أنّ الأئمة الأطهار سلام الله عليهم بعد أحداث
عاشوراء ـ نظراً لاختلاف الظروف، ومعرفتهم باقتضاء الأمور وتشخيصهم لها
ـ جعلوا حصة كبيرة لمسألة التربية؛ فعمدوا إلى تربية أجيال كفوءة
يمكنها أن تساعدهم في نشر التشيع وإيصال رسالة أهل البيت سلام الله
عليهم إلى العالم.
ويُعدّ الامام الصادق سلام الله عليه ـ عميد التشيّع ـ رائد هذه الحركة
ومفجّر طاقاتها؛ فلقد اعتنى بشكل خاص بتربية الكفاءات للدفاع عن حريم
التشيع كما عكف على تربية جيل عظيم معبّأ علمياً وفكرياً حفِظ تراث
التشيع وأوصله إلى كل مكان.
فقد ذكر ابن شهر آشوب في مناقبه أن أصحاب الحديث جمعوا أسماء الرواة
الثقات ـ فقط ـ ممن رووا الحديث عن الإمام الصادق سلام الله عليه
فكانوا أربعة آلاف رجل. (مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 268 ـ 269).
بالطبع هذا ما ذكروه من رواة الحديث ولربما كان عدد تلامذته ـ عليه
السلام ـ أكثر من ذلك.
إذاً للظروف الموضوعية ـ التي تهيأت للامام الصادق سلام الله عليه ـ
دَخْل كبير في نشر التشيّع وتربية العلماء، وذلك في مدة محدودة من
الزمن، في غضون أفول الدولة الأموية الهرمة وتأهب العباسيين لاستلام
زمام الأمور؛ فلما استقر الحال بالعباسيين صبّوا حقدهم على العلويين
وفعلوا بهم من الظلم أضعاف ما فعل الأمويون.
والحقيقة، إنّ لهذه الفترة من الزمن الدور الأساسي في انتشار التشيّع،
وتنفّس الشيعة وازدهار أوضاعهم وانتعاشها، وما نراه اليوم من التراث
الشيعي الأصيل إنما هو ببركة تلك المدة الزمنية القصيرة، التي لو
استمرّت شيئاً ما لتبدلت نظرة العالم عن التشيّع كثيراً، ولتغيرت
معادلات الشيعة أيضاً عما هي عليه اليوم.
فقد عمد الإمام الصادق سلام الله عليه إلى تربية جيل أصيل يعتمد عليه
في نشر التشيّع، ففي الحديث عن أحمد بن محمد بن عيسى قال: خرجت إلى
الكوفة في طلب الحديث فلقيت بها الحسن بن علي الوشاء، فسألته أن يُخرج
لي كتاب العلاء بن رزين القلا، وأبان بن عثمان الأحمر، فأخرجهما إلي
فقلت له: أحب أن تجيزهما لي، فقال لي: يرحمك الله وما عجلتك؟ اذهب
فأكتبهما واسمع من بعد، فقلت: لا آمن الحدثان، فقال: لوعلمت أن هذا
الحديث يكون له هذا الطلب لاستكثرت منه فإني أدركت في هذا المسجد
تسعمائة شيخ كلٌ يقول: حدثني جعفر بن محمد سلام الله عليه. (رجال
النجاشي ص 40).
من هنا وجدنا من الجدير أن نشير إلى بعض المقتطفات السريعة حول النهج
التربوي الأصيل الذي شيّده الإمام الصادق سلام الله عليه أيام حياته
الشريفة، لنعرف مدى أثر هذا النهج في نشر التشيّع وحفظ تراثه المبارك،
فمن أهم آثار هذا النهج ما يلي:
فقد كان للإمام الصادق سلام الله عليه عناية خاصة بتربية الفقهاء في
شتّى العلوم، إذ إنّ الفقيه يكون مرجعاً وملاذاً للأمة في كل الظروف،
وقد سنحت الظروف آنذاك وتهيأت الأجواء للإمام عليه السلام لكي يربي
طلاب العلوم ومحبّي المعرفة جيداً، فعمد إلى تربية عدد غفير من العلماء
والفقهاء ممن يشار إليهم بالبنان، عبر العصور المختلفة.
ففي الفقه مثلاً كان يربي الإمام الصادق سلام الله عليه تلامذته ويحرص
على أن يتصدى بعضهم للفتيا في الناس، مع أنه بنفسه حذّر من الفتيا لمن
ليسوا أهلاً لها، فقال: واهرب من الفتيا هربك من الأسد، ولا تجعل رقبتك
للناس جسراً. (مستدرك الوسائل ج 17 ص 322).
و كان سلام الله عليه يُرجع الناس إلى تلامذته في الأحكام، ففي الحديث
أنه سلام الله عليه قال لسليم بن أبي حبة: «أئت أبان بن تغلب فإنه سمع
مني حديثاً كثيراً، فما روى لك فاروه عني» علماً أنّ أحاديثهم آنذاك
كانت هي الأحكام التي يعملون ويتفقهون بها.
ولما أراد رجل من أهل الشام مناظرته بالفقه التفت إلى زرارة وقال: يا
زرارة ناظره. فناظره. (رجال الكشي ص 276).
انتشرت في عهد الإمام الصادق سلام الله عليه المذاهب الكلامية،
وراجت وأخذ أهل المذاهب الكلامية يبثّون الشبهات العقائدية ويشككون في
كل شيء؛ مما أدى بالناس إلى التخبّط في متاهات تلك الشبهات، وصعوبة
الخروج منها.
وفي خضمّ هذا الصراع الفكري العقائدي التشكيكي ذهَب الإمام الصادق سلام
الله عليه إلى تربية شخصيات متخصصة في علم الكلام وظيفتها التصدي لكل
الشبهات التي تثار في الساحة، منهم هشام بن الحكم وحمران بن أعين
والأحول وهشام بن سالم وقيس بن الماصر وغيرهم.
وكان الإمام سلام الله عليه ينهى أن يخوض من لايحسن الكلام في مناظرة؛
ويدلّ على ذلك ما نقله أبو خالد الكابلي قال: رأيت أبا جعفر صاحب الطاق
وهو قاعد في الروضة قد قطع أهل المدينة أزراره وهو دائب يجيبهم
ويسألونه، فدنوت منه فقلت: إن أبا عبدالله نهانا عن الكلام ... .
(إختيار معرفة الرجال ج 2 ص 424).
وعن يونس بن يعقوب قال: كنت عند أبي عبدالله سلام الله عليه فورد عليه
رجل من أهل الشام، فقال: إني رجل صاحب كلام وفقه وفرائض وقد جئت
لمناظرة أصحابك ... إلى أن قال سلام الله عليه ليونس: يا يونس لو كنت
تحسن الكلام كلّمته، قال يونس: فيا لها من حسرة، فقلت: جعلت فداك إني
سمعتك تنهى عن الكلام وتقول: ويل لأصحاب الكلام يقولون هذا ينقاد وهذا
لا ينقاد وهذا ينساق وهذا لا ينساق، وهذا نعقله وهذا لا نعقله، فقال
أبو عبدالله سلام الله عليه: إنما قلت إن تركوا ما أقول وذهبوا إلى ما
يريدون ... .(الكافي ج1 ص 171).
ومع ذلك فكان كثير من تلامذته يناظرون الآخرين ويدافعون عن الإسلام،
وهذا دليل على أنه سلام الله عليه كان يسمح لبعض أهل التخصص بالمناظرة،
ممن تربّوا على يديه وتأهلوا للمناظرة.
في عهد الإمام الصادق سلام الله عليه كَثُر أهل الضَلال، وأخذ كثيرٌ
منهم يتلاعب بمقدسات الإسلام ويدّعي لنفسه ما ليس هو أهلٌ له، منهم أبو
حنيفة الذي ذهب إلى القياس في الدين، وغيره ممن ادّعوا لأنفسهم مناصب
رفيعة في المجتمع الاسلامي.
وببركة نهج الإمام الصادق سلام الله عليه الأصيل كان أمثال هؤلاء
يُفضحون أمام الملأ ويعجزون من الإجابة عن أبسط الأمور؛ والشواهد على
ذلك كثيرة، منها ما عن يونس بن يعقوب، قال: كان عند أبي عبد الله سلام
الله عليه جماعة من أصحابه فيهم حمران بن أعين ومؤمن الطاق وهشام بن
سالم والطيار وجماعة فيهم هشام بن الحكم وهو شابّ، فقال أبو عبد الله
سلام الله عليه: يا هشام! قال: لبيك يابن رسول الله. قال: ألا تخبرني
كيف صنعت بعمرو بن عبيد؟ وكيف سألته؟ فقال هشام: إني أجلّك وأستحيي
منك، فلا يعمل لساني بين يديك، قال أبو عبد الله سلام الله عليه: إذا
أمرتكم بشيء فافعلوه قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه
في مسجد البصرة، وعظم ذلك عليّ، فخرجت إليه فدخلت البصرة يوم الجمعة،
فأتيت مسجد البصرة فإذا أنا بحلقة كبيرة، وإذا أنا بعمرو بن عبيد عليه
شملة سوداء من صوف متّزر بها وشملة مرتدٍ بها، والناس يسألونه.
فاستفرجت الناس فأفرجوا لي، ثم قعدت في آخر القوم على ركبتي. ثم قلت:
أيها العالم، أنا رجل غريب، فأذن لي فأسألك عن مسألة؟ قال: فقال نعم.
قلت له: ألك عين؟
قال: يا بني أيّ شيء هذا من السؤال، أرأيتك شيئاً كيف تسأل؟
فقلت: هكذا مسألتي.
فقال: يا بني سل وإن كانت مسألتك حمقاء.
قلت: أجبني فيها. فقال لي: سل.
قلت: ألك عين؟ قال: نعم.
قلت: فما ترى بها؟
قال: الألوان والأشخاص.
قلت: فلك أنف؟
قال: نعم.
قلت: فما تصنع به؟
قال: أشمّ به الرائحة.
قلت: فلك فم؟
قال: نعم.
قلت: فما تصنع به؟
قال: أذوق به الطعم.
قلت: ألك قلب؟
قال: نعم.
قلت: فما تصنع به؟
قال: أميّز به كل ما وَرَدَ على هذه الجوارح.
قلت: أليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟
قال: لا.
قلت: وكيف ذاك وهي صحيحة سليمة؟
قال: يا بنيَّ، الجوارح إذا شكت في شيء شمّته أو رأته أو ذاقته، ردّته
الى القلب فيتيقّن اليقين ويبطل الشك.
قلت: وإنما أقام الله القلب لشكّ الجوارح؟
قال: نعم.
قلت: فلابد من القلب، وإلا لم تستيقن الجوارح؟
قال: نعم.
قلت: يا أبا مروان إنّ الله لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماماً يصحّح
لها الصحيح ويتيقّن لها ماشكت فيه، ويترك هذا الخلق كلّهم في حيرتهم
وشكهم واختلافاتهم لا يقيم لهم إماماً يردّون إليه شكّهم وحيرتهم،
ويقيم لك إماماً لجوارحك تردّ إليه حيرتك وشكّك.
فسكت ولم يقل لي شيئاً، ثم التفت اليّ فقال لي: أنت هشام؟
قلت: لا.
فقال: أجالسته؟
قلت: لا.
قال فمن أين أنت؟
قلت: من أهل الكوفة. قال: فأنت إذاً هو.
ثم ضمّني إليه وأقعدني في مجلسه وما نطق حتى قمت. (اختيار معرفة الرجال
ج 2 ص 500 ـ 501).
والسؤال هنا هو: على ماذا اعتمد الإمام الصادق سلام الله عليه في تطبيق
نهجه النيّر في تربية هذا الجيل العظيم الذي نشر رسالة التشيّع في كل
مكان؟
في مقام الجواب نقول: مع أن الإمام الصادق سلام الله عليه هو حجة الله
عزّوجلّ في الأرض، والوليّ على العباد، إلا أنه اعتمد على أسس مهمة
حريٌّ بكل مؤمن أن يعتمد عليها في طريقه إلى المعرفة، منها فتح باب
التخصص؛ فقد عهد الإمام الصادق سلام الله عليه إلى أصحابه وأخذ يربّيهم
كلاًّ حسب كفاءته وقدراته؛ ولذا كان بين أصحابه فقهاء أمثال: زرارة بن
أعين وأبي بصير وأبان بن تغلب وأبان بن عثمان وغيرهم، وكذا في الكلام
فقد كان من تلامذته من يُشار إليهم بالبنان؛ منهم: هشام بن الحكم وهشام
بن سالم ومؤمن الطاق وغيرهم.
وكان الامام الصادق سلام الله عليه قد خصص لكل واحد من هؤلاء مجالاً
خاصاً به، ففي الفقه مثلاً كان زرارة يتصدى للإجابة عن المسائل التي
تُطرح عليه، وكذا آخرون في العربية والكلام وغير ذلك؛ ويشهد لذلك الخبر
الوارد عن يونس بن يعقوب، قال: كنت عند أبي عبد الله سلام الله عليه،
فورد عليه رجل من أهل الشام، فقال: إني رجل صاحب كلام وفقه وفرائض، وقد
جئت لمناظرة أصحابك. فقال له أبو عبد الله سلام الله عليه: كلامك من
كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله أو من عندك؟ فقال: من كلام رسول
الله صلّى الله عليه وآله ومن عندي. فقال أبو عبد الله سلام الله عليه:
فأنت إذن شريك رسول الله صلّى الله عليه وآله؟ قال: لا. قال : فسمعت
الوحي عن الله عزّوجلّ يخبرك؟ قال: لا. قال: فتجب طاعتك كما تجب طاعة
رسول الله؟ قال: لا.
فالتفت أبو عبد الله سلام الله عليه إليّ، وقال: يا يونس هذا قد خصم
نفسه قبل أن يتكلّم، لو كنت تحسن الكلام كلّمه.
قال يونس: فيالها من حسرة! جعلت فداك إني سمعتك تنهى عن الكلام وتقول:
ويل لأصحاب الكلام يقولون: هذا ينقاد وهذا لا ينقاد، وهذا ينساق وهذا
لا ينساق، وهذا نعقله وهذا لا نعقله. فقال أبو عبد الله سلام الله
عليه: إنما قلت ويلُ لهم إن يتركوا ما أقول وذهبوا إلى ما يريدون.
ثم قال لي: اخرج إلى الباب فانظر من ترى من المتكلمين فأدخله.
قال: فأدخلت حمران بن أعين، وكان يُحسن الكلام، وأدخلت الأحول وكان
يُحسن الكلام، وأدخلت هشام بن سالم وكان يُحسن الكلام، وأدخلت قيس
الماصر وكان عندي أحسنهم كلاماً، وكان قد تعلّم الكلام من علي بن
الحسين عليهما السلام، فلما استقرّ بنا المجلس ـ وكان أبو عبد الله
سلام الله عليه قبل الحج يستقرّ أياماً في جبل في طرف الحرم في فازة له
مضروبة ـ أخرج أبو عبد الله سلام الله عليه رأسه من فازته فإذا هو
ببعير يخبّ، فقال: هشام وربّ الكعبة. قال: فظننا أنّ هشاماً من ولد
عقيل كان شديد المحبة له، قال: فورد هشام بن الحكم وهو أول ما اختطّت
لحيته، وليس فينا إلا من هو أكبر سناً منه، قال: فوسّع له أبو عبد الله
سلام الله عليه وقال: ناصرنا بقلبه ولسانه ويده، ثم قال: يا حمران كلّم
الرجل، فكلّمه فظهر عليه حمران، ثم قال: يا طاقي كلّمه، فكلمه فظهر
عليه الأحول، ثم قال: يا هشام بن سالم كلّمه. فتعارفا، ثم قال أبو عبد
الله سلام الله عليه لقيس الماصر: كلّمه، فكلِّمه، فأقبل أبو عبد الله
سلام الله عليه يضحك من كلامهما مما أصاب الشامي.
ثم قال للشامي: كلّم هذا الغلام يعني هشام بن الحكم، فقال: نعم. فقال
الشامي لهشام: سلني في إمامة هذا. فغضب هشام حتى ارتعد، ثم قال للشامي:
يا هذا أربّك أنظر لخلقه أم خلقه لأنفسهم؟ فقال الشامي: بل ربي أنظر
لخلقه. قال: ففعل بنظره لهم في دينهم ماذا؟ قال: أقام لهم حجة ودليلاً
كيلا يتشتتوا ويختلفوا، يتألفهم ويقيم أودهم ويخبرهم بفرض ربهم، قال:
فمن هو؟ قال: رسول الله صلّى الله عليه وآله. قال: فبعد رسول الله صلّى
الله عليه وآله من؟ قال : الكتاب والسنّة. قال: فهل نفعنا اليوم الكتاب
والسنة في رفع الاختلاف عنّا. قال الشامي: نعم. قال: اختلفت أنا وأنت
وصرت الينا من الشام في مخالفتنا إياك. قال: فسكت الشامي. فقال أبو عبد
الله سلام الله عليه للشامي: ما لك لا تتكلم؟ قال الشامي: إن قلت: لَمْ
نُخالف كذبت، وإن قلت: إنّ الكتاب والسنة يَرفعان عنا الاختلاف أبطلت
لأنهما يحتملان الوجوه، وإن قلت: قد اختلفنا وكل واحد منا يدّعي الحق،
فلم ينفعنا إذن الكتاب والسنّة، إلا أنّ لي عليه هذه الحجة، فقال أبو
عبد الله سلام الله عليه: سله تجده ملياً، فقال الشامي: يا هذا من أنظر
للحق ربّهم أم أنفسهم؟ فقال هشام: ربهم أنظر لهم منهم لأنفسهم. فقال
الشامي: فهل أقام لهم من يجمع لهم كلمتهم ويقيم أودهم ويخبرهم بحقهم من
باطلهم؟ قال هشام : في وقت رسول الله صلّى الله عليه وآله أو الساعة؟
قال الشامي: في وقت رسول الله صلّى الله عليه وآله والساعة. فقال هشام:
هذا القاعد الذي تشدّ إليه الرحال ويخبرنا بأخبار السماء وراثةً أباً
عن جد. قال الشامي: فكيف لي أن أعلم ذلك؟ قال هشام: سله عما بدا لك.
قال الشامي: قطعت عذري فعليّ السؤال. فقال أبو عبد الله سلام الله
عليه: يا شامي أخبرك كيف كان سفرك، وكيف كان طريقك، كان كذا وكذا.
فأقبل الشامي يقول: صدقت أسلمت لله الساعة. فقال أبو عبد الله سلام
الله عليه: بل آمنت بالله الساعة، إن الإسلام قبل الإيمان، وعليه
يتوارثون ويتناكحون، والإيمان عليه يثابون. فقال الشامي: صدقت وأنا
الساعة أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلّى الله عليه
وآله وأنك وصي الأوصياء.
أهم ما يلاحظ في نهج الإمام الصادق سلام الله عليه أنه كان يحثّ
بشدة على العمل بالعلم، ويستفاد ذلك من خلال ما كان يوصي به تلامذته،
وحثّهم على التصدي للفتيا ومناظرة اهل الكلام وردّ أهل الشبهات
والتشكيك، وأن يكونوا يداً ولساناً قوة مدافعة عن حرمة الإسلام
ومقدساته.
لم يكن الإمام الصادق سلام الله عليه يكتفي بتربية أصحابه وتعليمهم،
بل كان يتابع نقاط القوة والضعف فيهم وينبّههم عليها؛ لكي يلتفتوا إلى
النواقص التي تحيط بهم ويسعوا إلى إكمالها؛ يستفاد ذلك من الحديث أنه
سلام الله عليه التفت إلى حمران، فقال: تجري الكلام على الأثر فتصيب،
والتفت إلى هشام بن سالم فقال: تريد الأثر ولا تَعرفه، ثم التفت إلى
الأحول فقال : قَيّاس روّاغ تكسر باطلاً بباطل إلا أنّ باطلك أظهر، ثم
التفت إلى قيس الماصر فقال: تتكلم وأقرب ما يكون من الخبر عن رسول الله
صلّى الله عليه وآله أبعد ما يكون منه تمزج الحق مع الباطل، وقليل الحق
يكفي كثير الباطل، أنت والأحول قفّازان حاذقان. قال يونس: فظننت والله
أن يقول لهشام قريباً مما قال لهما. ثم قال: يا هشام لا تكاد تقع، تلوي
رجليك، إذا هممت بالأرض طرت، مثلك فليكلّم الناس، فاتّق الزلّة
والشفاعة من ورائها.(طرائف المقال ج 2 ص 560).
كان الإمام الصادق سلام الله عليه يحرص على أن يتصدى تلامذته للمخالفين
ويردّوا شبهاتهم ويبطلوا ادعاءاتهم بمختلف الطرق، وهذا يتجلّى من أمور
شتى، منها:
أ ـ دعوته سلام الله عليه لبعضهم مناظرة تلامذته وقوله سلام الله عليه:
إن غلبت حمران فقد غلبتني. (بحار الأنوار ج 47 ص 207).
ب ـ تصريحه سلام الله عليه لبعض تلامذته بالمناظرة والتصدي لأهل
الشبهات، وذلك ما عن أبي عميرة الذي قال له: إن الناس يعيبون عليّ
بالكلام وأنا أكلّم الناس، فقال: أمّا مثلك من يقع ثم يطير فنعم، وأما
من يقع ثم لا يطير فلا. (بحار الأنوار ج 2 136).
ج ـ سؤاله سلام الله عليه لبعض تلامذته عن مناظراته وطلبه منهم أن
يحدّثوه بما جرى لهم مع المخالفين، ويشهد له حديث يونس بن يعقوب حيث
سأل الإمام سلام الله عليه هشام أن يحدثه بما جرى له مع عمرو بن عبيد
وإبدائه عن رضاه عنهم، فقد ورد في آخر الحديث: فضحك أبو عبدالله سلام
الله عليه وقال: يا هشام من علّمك هذا؟ قال: قلت: شيء أخذته منك
وألّفته. (اختيار معرفة الرجال ج 2 ص 500 ـ 501).
هكذا تمكّن الإمام الصادق سلام الله عليه أن يبثّ مذهب أهل البيت سلام
الله عليهم، وينشر عقائدهم في كل مكان، مما جعل المنصور الدوانيقي يحسّ
بالخطر فجعل يضيّق عليه إلى أن سمّه وقتله شهيداً، فسلام الله عليك يا
أبا عبدالله الصادق يوم ولدت ويوم عشت مدافعاً عن التشيّع ويوم قُتلت
شهيداً.
|